رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

حكايات من سيرة الأجداد

سينما الترسو


أحمد عبد النعيم
9/9/2017 9:56:13 AM

اعتاد عم وطني كل يوم أحد أن  يصطحب أسرته الزوجة وأربعة أبناء في رحلة أسبوعية تجهز فيها الزوجة وابنتيه سعاد وحسنية حلة محشي كبيرة وقلة فخار وسط ويتحرك الجميع من حارة أبو الفرج إلي ميدان روض الفرج بجوار سوق الخضار القديم لدخول سينما ألف ليلة بالميدان يدفع عم وطني ثمن التذكرة 2.5 قرش لكل فرد واحياناً لا يجد فكة فيطلب (طوفي) بالباقي للتحلية.


. وسينما ألف ليلة درجة تالتة تعرض ثلاثة أفلام ويعاد الفيلم الأول لمن دخل السينما متأخرا وغالبا كان الكل يجلس لمشاهدة الفيلم مرتين .. وفي حي شبرا وروض الفرج كانت توجد أكثر من سينما شعبية ( كليوبترا ـ روض الفرج ـ الأمير ـ مسرة ـ التحرير ـ دوللي ـ جسر البحر ـ مسره ) حتي أنشئت سينما مودرن درجة أولي وسينما شبرا مصر لعرض الأفلام الهندية فقط . ولم تقتصر سينما الترسو علي حي روض الفرج ولكن انتشرت في جميع الأحياء الشعبية سينما رخيصة الثمن توفر ثلاثة أفلام تعلو السينما أفيش الفيلم في الماضي كان متوفرا الأفيش الأصلي للفيلم يمكن لصاحب السينما الحصول عليه من المنتج الأصلي أو يشتري الأفيش ولكن مع الوقت أصبح صاحب السينما يستعين برسام غالبا غير محترف يقوم برسم الأفيش بشكل بسيط بدائي بعيد عن الأفيش الأصلي أو يقترب منه قليلا ويركز الرسام غالبا علي  مشاهد العنف أو المشاهد الحميمة التي يمكن أن تجذب طبقة معينة للمشاهدة.
وقبل سينما الترسو الشعبية قدم مقهي زواني بالإسكندرية 1896أول عرض سينمائي بعدها بالقاهرة في 28 يناير من نفس العام في سينما سانتي وأعتبر البعض أنها البداية الحقيقية لمعرفة المصريين بالسينما ولكن أختلف بعض المؤرخين وأعتبر  البعض منهم أن بداية معرفتنا بالسينما في 20 يونيو 1907 مع تصوير فيلم تسجيلي صامت قصير عن زيارة الخديو عباس حلمي الثاني إلي معهد المرسي أبو العباس بمدينة الاسكندرية.


وتنقسم سينما الترسو إلي سينما صيفي وسينما شتوي والسينما الصيفي هي ساحة كبيرة مفتوحة ( دون سقف ) الأضاءة بها محدودة ومقسمة إلي صالة وبلكون.
والبلكون هو الكراسي الأعلي أو الأبعد من الشاشة ويكثر الذهاب إليها فصل الصيف وفي الإسكندرية  كانت البداية الأولي للسينما الصيفي ( سينما توغرافي ) لصاحب الامتياز ( هنري ديللو ) في يناير 1897 وهي عبارة عن ساحة كبيرة وضعت فيها الآت العرض السينمائي وبعد وصول المصور ( بروميو ) الذي استطاع تصوير ميدان القناصل وميدان محمد علي وعرضها بسينما لوميير في يونيو 1907 اعتبر هذا التاريخ بداية الأنتاج السينمائي المصري.
والسينما الشتوي هي الشكل الأقرب سينما لها سقف داخل مبني أو منفرده بمبني خاص مكان كبير يتسع لعدد من الكراسي وشاشة عرض كبيرة ومقسمة إلي صالة وبلكون.
وبعد أن انشأ المخرج والممثل محمد كريم شركة بالإسكندرية لصناعة الأفلام زاد الإقبال علي الذهاب إلي السينما ربما لرخص ثمنها بالمقارنة للمسرح أو كازينوهات روض الفرج وعماد الدين .. وكان علي أصحاب السينما أن تقسم لاستيعاب العدد الأكبر من الجماهير والطبقات المختلفة وبالفعل تم تقسيم السينما الواحدة إلي البلكون لطبقة الأغنياء والصالة بمسافة أقل من البلكون لأبناء الطبقة الوسطي والأفندية والترسو وهو المكان الأرخص وخاص بالطبقة الشعبية ولما كان الترسو يمثل مصدر ازعاج شديد لأنه غالبا ماتعلو فيه الأصوات عند مشاهد العنف أو الألفاظ الخارجة عند عرض المشاهد الحميمية استعانت السينما بـ ( بلطجي ) داخل الترسو يقوم بتنظيم الجلوس ومحاولة السيطرة ومع صيحات أصوات جمهور الترسو تعرف مدي رضا المشاهد عن الفيلم ( سينما أونطة عايزين فلوسنا ) النداء الأشهر لرواد الترسو وعند عرض فيلم الفتوة 1957 لم يرض جمهور الترسو علي ضرب فريد شوقي في أول الفيلم بالقفا فقام الجمهور بتكسير أبواب وكراسي السينما وتكبد صاحب السينما الخسائر لدرجة أنه رفع قضية عن فريد شوقي يطالبه بتعويضه علي الخسائر.
وأمام عشوائية جمهور الترسو كان لابد من إنشاء سينما خاصة لكل فئة يمكنها المشاهدة بشكل أفضل فكانت الحاجة لإنشاء سينما للطبقة الراقية والوسطي التي اعادت علي اعتبار فسحة نهاية الأسبوع مشاهدة فيلم جديد .. وكذلك القضاء علي تميز بعض الفئات داخل المجتمع (سينما ريالتو» و»‬الكورسال» بالإسكندرية كانت تخصص مقاعد الدرجة الأولي للأجانب، بينما الدرجة الثانية للمصريين، كذلك كانت سينما أولمبيا بالقاهرة تخصص مقاعد الجزء الأيمن لأبناء الجاليات الأوربية، بينما كانت تخصص الجانب الأيسر لأبناء البلد ).
وفي شارع فاروق أنشئت سينما رمسيس  1931 لجميع المصريين دون تميز طبقي للأجانب واستمر بناء دور العرض السينمائي مع زيادة أنتاج الأفلام المصرية 16 حتي وصل إلي 67 فيلما عام 1946 وكانت المحاولات الأولي لتلوين بعض أجزاء من الأفلام.
اهتم القائمون علي صناعة السينما ببناء دور العرض السينمائي المتميزة فكانت أول سينما مكيفة ( مترو ) بوسط البلد 1940 سينما علي الطراز الأمريكاني في كل شئ . وبقيت سينما الترسو في الاماكن الشعبية وانتشرت بشكل كبير والتي عادة ما تعرض الفيلم الجديد بعد عرضهبفترة ولكنها تعوض المشاهد بأكثر من فيلم ( علي بابا في بولاق ـ الزيتون ـ المنصورة ـ عدن ـ فريال ـ الشرق ـ الخ ) واحتفظت بطابعها الخاص كراسي بسيطة متهالكة بعض الشئ رواد من الطبقات الشعبية أفيشات أفلام ركيكة في رسمها سعر تذكرة رخيص . واختار جمهور الترسو الفنان فريد شوقي نجم الترسو وسارعت السينمات الشعبية بعرض أفلامه في كل أسبوع لدرجة أن سينما ألف ليلة بروض الفرج كانت ملزمة بعرض فيلم لفريد شوقي أسبوعيا والا تعرضت للتكسير من رواد سوق الخضار مما دفعها إلي عرض الفيلم لأكثر من أسبوع وهي التي اعتادت أن تغير الأفلام أسبوعيا ينافسها سينما التحرير بشبرا في نفس المنهج . اختفت مع الوقت سينما الترسو مع زيادة القنوات الفضائية ووسائل الحصول علي الفيلم وأن كان بعض أصحاب سينما الترسو مازالوا محتفظين بالشكل الخاص بها ( علي بابا ـ الزيتون) وتحول بعضها إلي عمارات ( سينما التحرير بشبرا أصبحت برجا كبيرا .. سينما كليوبترا تحولت إلي قهوة بلدي .. وسينما روض الفرج إلي مخزن غلال ).
وحاول البعض تحويل السينما إلي درجة أولي تعرض فيلما واحدا فقط ولكن المشروع فشل ( سينما دوللي بشبرا ) واختفت سينما الترسو وأصبحت ذكري في مقال واحتفظ جمهور الترسو بالباقي منها يتفرج ويعتبرها تفريغا عن همومه ومكانا احيانا للراحة والبعض اعتبرها سكنا ينام فيه.