رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

‎بعد مرور ١٥٠ عاماً علي إنشاء القاهرة الخديوية

‎مصر تبحث عن القيمة الاقتصادية والاستثمارية لتراثها العمراني


‎أحمد الفران
9/9/2017 10:37:47 AM

شهد مطلع العام الجاري حدثاً استثنائياً في   الإجراءات التي   تتخذها الدولة لحماية وصيانة تراثها العمراني، وذلك عندما أصدر السيد عبد الفتاح السيسي   رئيس الجمهورية القرار الجمهوري  رقم ٦٠٤ لسنة ٢٠١٦ بتاريخ ٢٧ ديسمبر ٢٠١٦ والمتضمن تشكيل اللجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية برئاسة المهندس إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية وضمت في  عضويتها مسئولين تنفيذيين وصانعي قرار وخبراء دوليين وذلك لوضع رؤية استراتيجية متكاملة تراعي الجانب التراثي والتاريخي والاقتصادية ووضع الخطط والسياسات والبرامج التنفيذية لتطوير القاهرة كعاصمة تراثية بمعايير اقتصادية وسياحية لجذب الاستثمارات واعادة القيمة لهذه المنطقة التراثية.

‎المثير للانتباه هو ما تضمنته المادة الثانية بتكليف اللجنة باتخاذ الإجراءات اللازمة للعمل علي تسجيل العاصمة التراثية (منطقة القاهرة الخديوية كمرحلة أولي) بقوائم التراث العالمي بمنظمة اليونسكو، وهو الأمر الذي يعكس منحي جديدا في  سياسة الدولة المصرية تجاه التراث المصري  والذي  عاني  لسنوات طويلة من الإهمال والنسيان، إذ أن منظمة اليونسكو لها اشتراطات محددة لإدراج المناطق التراثية علي قوائم التراث العالمي لعل أهمها هو وجود كيان مؤسسي واضح لإدارة تلك المناطق فضلاً عن تحديد حدودها الجغرافية بكل دقة ومن ثم تكون تلك المناطق بمثابة المحمية التراثية.
‎كما أن القرار يعد بمثابة التحول في   نظرة الدولة المصرية تجاه الثقافة والتراث، إذ ألزم اللجنة بالعمل علي توفير الاستثمارات المالية اللازمة لتطوير العاصمة التراثية وهو ما يعني   أن الدولة أصبحت تنظر إلي قطاع الثقافة والتراث باعتبارهما قطاعا إنتاجيا وليس قطاعا خدميا تتحمل الدولة عبء دعمهما وتمويلهما.
‎وعلي الرغم من تفرد القاهرة الخديوية في   كونها مدينة تراثية ذات طابع معماري   وتاريخي   متميز، فإنها علي الجانب الاقتصادي   تمتلك مقومات هائلة تتمثل في   مساحة شاسعة تقدر بحوالي   ٢ مليون كم٢ تمثل ١٣٠٠ مبني   و ٢٦ ألف شقة سكنية وتجارية و٦٥٠٠ محل تجاري   لتصل نسبة المساحة الإجمالية للمباني   حوالي   ٥.٢ مليون متر مربع.
‎قاهرة إسماعيل المتفردة
‎يعتقد الكثيرون أن رؤية إسماعيل لتخطيط القاهرة قد تشكلت أثناء زيارته للمعرض العالمي   في   باريس، والذي افتتح في  الأول من إبريل عام 1867، إلا أننا لا يمكن أن نغفل أن تلك الرؤية قد تشكلت قبل سنوات من هذا المعرض حيث تلقي إسماعيل تعليمه في باريس إذ كان عضواً في  البعثة المصرية الخامسة لباريس ليتقن اللغة الفرنسية تحدثاً وكتابة وتأثر بالثقافة والمعمار الفرنسي كثيراً.
‎وفي معرض باريس ١٨٧٦ كانت القاهرة علي موعد لتبادل التصورات الهندسية في   تخطيط الشوارع والميادين، وأثار الجناح المصري  قدراً كبيراً من الاهتمام بين زوار المعرض وضم معبدا فرعونيا وسوقا شرقية وخيمة بدوية.
‎انفتح إسماعيل علي تجرية العمارة الفرنسية علي يد »‬هوسمان» والتي   كانت مواكبة لأعمال تخطيط قاهرته الجديدة، ما أسهم في   استكمال المشروع الذي   تأخر بسبب ثورة كريت وإنهاء

‎شروط العمالة الخاصة بالقناة وتدعيم الري   والزراعة، وكان إسماعيل متعطشاً للتحضر علي الطريقة الأوروبية وكان يعلم أن عليه أن يفعل بالقاهرة ما فعله هاوسمان مع باريس. وسرعان ما عاد إسماعيل وبصحبته اثنان من المهندسين أرسلهما هاوسمان ليساعداه في تخطيط مدينته، بير جرانس مهندس الطرق والكباري، الذي أصبح كبير مهندسي  القاهرة، وسباليري   ديشانس الذي   أنشأ غابة بولونيا في  باريس. كانت خطوات إسماعيل سريعة ودفعه لذلك موعد افتتاح القناة، ففور عودته من باريس أعد تخطيط مدينته، وفي   هذا العام كانت بداية تشكيل القاهرة الكلاسيكية. وثمة ما يمكن ملاحظته أن هناك اختلافات جوهرية بين القاهرة وباريس في   فلسفة تخطيط المدينتين، تتمثل في   ثلاثة محاور رئيسية تعطي   للقاهرة الخديوية فرادتها وتميزها وهي:-
‎الأول : في  باريس تم إزالة المدينة القديمة تمامًا ماعدا عددا محدودا من المباني   التذكارية المختارة بعناية لتصبح شاهدًا علي ماضي المدينة، أما في القاهرة فقد بقيت المدينة القديمة غير ممسوسة، وحُفرت الشوارع تدريجيًا في قلب المدينة وكانت هذه الشوارع من الأساس جزءًا من سياسة عمرانية وُضعت بالفعل في قوانين »‬التنظيم» التي أصدرها محمد علي   للتحديث العمراني؛ وبذلك تصبح خطط الخديوي إسماعيل مجرد امتداد لسياسات سبقت رؤيته للتوسع العمراني   بعقود.
‎الثاني: عهد إسماعيل إلي علي باشا مبارك - ناظر الأشغال العمومية الإشراف علي إنشاء حي   جديد أسماه الإسماعيلية، وقد خالف علي باشا مبارك الاشتراطات الصارمة التي   وضعها هاوسمان أثناء تخطيطه لباريس من الالتزام بنظام موحد للبناء حدد الطرز المعمارية للمباني   وارتفاعاتها وحتي مقاساتها بما في   ذلك نوافذها وارتفاع طوابقها، في   حين أن علي مبارك لم يحدد أي   نوع من الشروط علي الطرز المعمارية المستخدمة؛ وقد سمح هذا للمطورين العقاريين والسماسرة الكبار بتعيين المعماريين وفقًا لذوقهم (وكان هؤلاء المعماريون يأتون من كافة أنحاء دول المتوسط، وفرنسا وإيطاليا تحديدًا حيث كانت صناعة العمارة علي قدر من النضج)، وكان هؤلاء المعماريون يبنون المباني   السكنية مستخدمين العديد من الطرز المعمارية ومحاولين إضفاء لمسة محلية عليها أيضًا، وكانت النتيجة شديدة التنوع علي عكس الحال في   باريس.
‎الثالث : انطلقت فلسفة إنشاء باريس من البعد السياسي   والنظرة السلطوية للإمبراطور نابليون الثالث بالسماح للجيش الفرنسي   بالسيطرة علي باريس في   أسرع وقت، في   حال ثار الشعب الفرنسي   مرة أخري، في   حين غاب البعد السياسي   بشكل ملحوظ في   تخطيط القاهرة الخديوية، إذ سمح للجمال بالحركة بحرية في   المساحات الجديدة، واستمرت الحياة التجارية علي طبيعتها في   المدينة، بالإضافة فقط إلي سلاسل المحلات الجديدة التي   انتشرت حول العالم .
‎النهضة العمرانية تواكب النهضة العلمية
‎عندما وضع إسماعيل وعلي مبارك مخططات القاهرة الجديدة كانا يعلمان أنهما سيضطران إلي الاعتماد علي الأجانب في   تنفيذ أفكارهما ولو في   البداية ولكن الأمر يتطلب أيضاً إعداد أجيال من المعماريين المصريين تكون قادرة علي استكمال خطط العمران في   المدينة، فشرعا في   إنشاء مدرسة الري  والعمارة بالعباسية - صارت فيما بعد كلية الهندسة بجامعة القاهرة بعد نقلها من العباسية إلي الجيزة-، كما تمت إعادة إنشاء مدرسة الفنون والصنائع في   بولاق ذ صارت فيما بعد كلية الهندسة جامعة عين شمس-، الأمر الذي الأمر احتاج إلي ما يقرب من نصف قرن حتي ثلاثينات القرن الماضي   وتشكيل أول جيل من المعماريين المصريين.
‎وقد بلغت مساحة المدينة الجديدة في مخطط إسماعيل ٢٠٠٠ فدان وذلك لاستيعاب ٧٥٠ ألف نسمة علي مدي خمسين عاما في الوقت الذي كان يبلغ فيه تعداد القاهرة ٣٥٠ ألف نسمة، واستغرق إعداد وتصميم وتنفيذ مشروع القاهرة الجديدة خمس سنوات، وكان يمثل أحد المشروعات الكبري آنذاك، وفي   عام ١٨٧٢ افتتح إسماعيل شارع محمد علي   بطول 2.5 كليو متر فيما بين ميدان باب الحديد والقلعة علي خط مستقيم وزانهما علي الجانبين بالبواكي   ليصل بين المدينة القديمة والمدينة الجديدة، وشق شارع كلوت بك الذي   افتتح عام ١٨٧٥، وانشاء دار الأوبرا وكوبري  قصر النيل، وكان لاختراع وسائل النقل الحديثة أثر كبير في   نمو ضواحي  القاهرة مثل حي التوفيقية والفجالة وجاردن سيتي  والزمالك، كما أن هناك أحياء لم تنمو إلا بعد إنشاء خط سكة حديد كوبري الليمون عام ١٨٩٠ مثل أحياء المطرية والزيتون وعين شمس لربط تلك الأحياء بميدان محطة مصر.
‎القاهرة الخديوية معرض فني عالمي
‎تفردت القاهرة الخديوية باعتبارها معرضا مفتوحا لأعمال المعماريين الأجانب الذين   استدعوا من فرنسا وإيطاليا والنمسا بريطانيا من أجل بناء نهضة مصر العمرانية، وقد استطاعوا بالفعل استعراض قدراتهم الإبداعية بمهارة مما يضيف للمنطقة قيما جمالية متفردة، ومن أشهر المعماريين الذين سجلت بصماتهم من خلال أعمالهم المعمارية بالقاهرة الخديوية مثل »‬كاستامان» الذي  بني عمارة جروبي  والنمساوي أنطونيو لاشياك الذي   بني بنك مصر بشارع محمد فريد والعمارات الخديوية بشارع عماد الدين وغيرها، وادوار ماتاسك الذي  بني المعبد اليهودي بشارع عدلي، والإيطالي ماريو روسو الذي كان كبيرا لمهندسي  وزارة الأوقاف وبني كثيرا من مساجد القاهرة مثل عمر مكرم وصلاح الدين بالمنيل، والمهندس اريستيد ليونوري الذي  بني كنيسة القديس يوسف بشارع محمد فريد وغيرهم الكثير.
‎وللتاريخ وجه آخر
‎غير أن القصة لها جانب آخر مظلم، فعلي الرغم من أن مشروع إسماعيل أحدث تغييرات جوهرية في   المخطط الحضاري   إلا أنه أدت إلي إفلاس الخديو  والبلاد، حتي استدعي مستشارو الخديوي   للشئون المالية قوات لحماية مصالحهم، وبذلك بدأ عهد 70 عامًا من الاحتلال البريطاني   لمصر. وتوسعت المناطق السكنية الجديدة علي يد القوي الاستعمارية، والكثير من الأحياء القديمة التي   تعرف اليوم بالقاهرة التاريخية، كان ينظر إليها علي أنها آثار من الماضي، عشوائية وغير منظمة، وهجرتها النخبة إلي المدن الجديدة.
‎هل يمكن تحقيق البعد الاقتصادي   الغائب في   إدارة التراث المصري؟
‎أدي ظهور فكرة العاصمة الإدارية الجديدة إلي حالة من الجدل حول آليات الدولة في   الحفاظ علي هذه الثروة المعمارية المتفردة التي   تمتلكها القاهرة الخديوية، وهل سيتحول اهتمام الدولة بإنشاء عاصمة جديدة إلي مزيد من الإهمال للعاصمة القديمة، إلا أن الدولة قد قدمت إجابة واضحة حول هذا التساؤل بتشكيل رئيس الجمهورية للجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية، إذ تشير الدراسات الي أن العمل علي تحسين البيئة المحيطة وإزالة العواقب في   القاهرة الخديوية يرفع قيمة عقارات القاهرة الخديوية من ٨٢.٦ مليار جنيه إلي ١٤٣ مليار جنيه، فهل تستطيع هذه اللجنة تعزيز الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية للتراث العمراني  المصري وتحقق ما عجزت عنه قطاعات الثقافة في الدولة من أن تكون قطاعات إنتاجية تحقيق البعد الاقتصادي  الغائب للثقافة المصرية، وإدارة القاهرة الخديوية بشكل يحقق هدف الدولة المصرية في إدراجها علي قوائم التراث العالمي.
‎المراجع :
Paris along the Nile، »‬ynthia Myntti، AU»‬ Press، »‬airo 2003.
‎القاهرة الخديوية »‬رصد وتوثيق عمارة وعمران القاهرة» ، أ.د سهير زكي   حواس، مركز التصميمات المعمارية، القاهرة، ٢٠٠١.
‎الحداثة الثورية ..المعمار وسياسات التحول في مصر، محمد الشاهد، رسالة دكتوراه، جامعة نيويورك.
‎القرار الجمهوري   ٦٠٤ لسنة ٢٠١٦، الجريدة الرسمية، العدد 51 مكرر (أ)، 27 ديسمبر 2016.
‎> أحمد الفران : باحث سياسات ثقافية ومدير المركز البحثي   بالجهاز القومي   للتنسيق الحضاري، عمل منسقاً للسياسات الثقافية بمكتب وزير الثقافة المصري   وحاصل علي جائزة الدولة للإبداع تخصص الإدارة الثقافية ٢٠١٦ من الأكاديمية المصرية للفنون بروما.