رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

المكتبة الوطنية الفلسطينية .. قوّة الثقافة في المشروع الوطني


يحيي يخلف
9/9/2017 10:39:29 AM

كان للمرسوم الرئاسي رقم 14 لعام 2017 بتأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية، وتخصيص مبني قصر الضيافة في مدينة رام الله مقرا لها أهمية بالغة في الجهود الرامية الي استكمال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي حصلت علي عضوية دولة مراقب في الأمم المتحدة في نوفمبر من عام 2012.
والمكتبات الوطنية في العالم تعتبر مظهرا من مظاهر السيادة،فهي الحافظة لمخزون الذاكرة والتاريخ والمعرفة والهوية ، ووسيلة لتمتع الشعوب بالثقافة والمشاركة بها.
ولعلنا نتذكّر أن أكبر مكتبة وطنية في العالم (مكتبة الكونغرس الأميركية) قد تأسست بعد اعلان الاستقلال عن بريطانيا بسنوات قليلة (تأسست عام 1800)، أسسها الكونغرس لتكون مظهرا من مظاهر السيادة والاستقلال ، ولتأكيد مكانتها،فإن التقليد المتبع منذ تأسيسها حتي الآن تعيين رئيس المكتبة بمرسوم رئاسي ، يؤدي بموجبه أداء اليمين أمام الرئيس .
وتتمتع المكتبات الوطنية في أوروبا بمكانة مرموقة ،وتتبع مباشرة للدولة التي تحتفظ ضمن محتويات المكتبة بأرشيفها في خزائن المكتبات.
 وفي إسرائيل مكتبة وطنية بدأت مع تبلور فكرة تأسيس الجامعةالعبرية عام 1925  في القدس بدعم من سلطات الانتداب البريطانية،وفي ذلك الوقت بدأت الحركة الصهيونية تأسيس البني التحتية للكيان الصهيوني،وكان تأسيس الجامعة والمكتبة الوطنية وفرقة أوركسترا موسيقية هي البني التحتية الأولي لفكرة الدولة الإسرائيلية.
وفي العـالم الـعربي كانت دار الـكتب والوثــائق القـومية
( وهي المكتبة الوطنية المصرية) قد تأسست عام 1870في عهد الخديوي إسماعيل كمظهر من مظاهر الدولة وسيادتها، وتعتبر أول مكتبة وطنية في الوطن العربي ، ومازالت مع مكتبة الإسكندرية واحدة من أهم مكتبات العالم.
وانطلاقا من أهمية المكتبة الوطنية في حياة الدولة، فإن تأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية يكتسب أهمية خاصة كمظهر سيادي ،وسمة من السمات المادية والروحية للشعب الفلسطيني، وقوّة دافعة لحركة الحياة وتعزيز الهوية الوطنية، والحفاظ علي الذاكرة، وحماية التراث المعرفي والفكري، وتمكين الشعب الفلسطيني من التمتع بالثقافة  والمشاركة بها كحق من حقوقه حسب المادة (27) من نص الإعلإن العالمي لحقوق الإنسان.
ولعلّ من حسن الاختيار أن يقرر الرئيس تخصيص المبني الذي كان قد بني كقصر للضيافة ليكون مقرا للمكتبة الوطنية، مع الفضاء المحيط به من الأراضي الخضراء، مما يوفر البنية التحتية التي تسمح للشروع الفوري للعمل والتنفيذ، ومما يشكل فضاءً يمنح جماليات للمحيط.
ستتبع المكتبة وزارة الثقافة الفلسطينية التي يديرها الوزير د.ايهاب بسيسو الشاعر والأديب والأكاديمي، وستحظي المكتبة بدعم واهتمام من الرئيس محمود عباس، ولا شك أنّ الوزارة ستشرع في التحضير ورسم الخطط والسياسات التي يتعيّن أن تكون دليل عمل لتحويل الحلم الي حقيقة والفكرة الي واقع.
وفي ظني أنّ العمل لإنجاز هذا المشروع، يحتاج الي جهود خلاّقة تنتقل من البسيط الي الصعب، والي كوادر بشرية مدربّة وهيكلية عصرية، والاستعانة بخبراء وبخبرات مكتبات وطنية عربية وعالمية.ولعلّ ما تحتاجه مرحلة التأسيس تشكيل مجلس إدارة، ومجلس علمي، وادارات تعني بإدارة مديريات وأقسام: ادارة البيبلوغرافيا، ادارة الأرشيف الرقمي، ادارة الحفظ والتعاون، إدارة قسم الإيداع، ادارة المخطوطات والمقتنيات ، إدارة قسم الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، إدارة قسم التسجيلات المرئية والصوتية، ادارة الأرشيف الوطني..الخ.
وفي هذا الصدد فإن ميادين عمل المكتبة الوطنية ستكون في المجالات التالية:
أولا : اقتناء الكتب  والمراجع لتمكين المواطن من التمتع بالقراءة في مختلف حقول المعرفة، وخصوصا الكتب المتعلقة بالقضية الفلسطينية، سواء في مجالات الإبداع أوالتاريخ أو الأبحاث فهذا له الأولوية في بداياتها. وهذا يتطلب توفير الكتب والمراجع عن فلسطين تاريخا وحضارة، وعن الصراع مع الصهيونية، توفيرها باللغة العربية واللغات الأجنبية لتكون مرجعا للباحثين والدارسين، وتخصيص قاعات للقراءة بحيث تكون متاحة للعموم بما في ذلك توفير الكتب لذوي الإحتياجات الخاصة عن طريق السمع أو لغة برايل.والعمل بكل الوسائل القانونية لاسترداد الكتب والمخطوطات التي سطت عليها سلطات الاحتلال .
ثانيا:جمع المخطوطات المتوفرة في بعض المكتبات الخاصة، ولدي عائلات وسائر المدن، أو مكتبة المسجد الأقصي، ومعظمها بحاجة الي معالجة وترميم، وهي ذات قيمة فريدة لا تقدّر بثمن.والعمل علي استرداد المخطوطات واللقي الأثرية التي تم سلبها وتسريبها أو الاتجار بها من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي.
ثالثا: إيداع المصنفات بنظام أو قانون سيكون للمكتبة الوطنية حق تطبيق نظام المصنفات ومنح الرقم المعياري الدولي للكتب المعدة للنشر، والزام الناشر بايداع نسختين أو اكثر من مطبوعاته لدي المكتبة الوطنية، وينطبق الأمر علي المصنفات المرئية والمسموعة والأقراص المدمجة، وهذا يعني توثيقا للنتاج الأدبي والفني والفكري بأشكاله وأنواعه كافة، وتنظيم عملية الطباعة والنشر.
رابعا: حفظ الأرشيف الوطني، ووثائق الدولة والمراسيم وسجلات المحاكم وسجلات الجريدة الرسمية، والخرائط والصور ونماذج من أوسمة وميداليات الدولة، ومسكوكات، ونماذج من ديكور أو ملابس خاصة بمسرحيات، ونماذج من ملصقات صادرة بمناسبات وطنية، وغير لك مما يذكره نظام المكتبة وفق قانون أو قرار رئاسي .
خامسا: الأرشيف الأليكتروني
رقمنة محتويات المكتبة ومقتنياتها من كتب ومخطوطات وكنوز ثقافية، وجعلها متاحة للمستخدمين للاطلاع والوصول اليها من خلال موقعها الاليكتروني، ويمكن الاستفادة من الجهود التي انجزتها مكتبات عربية وعالمية في هذا المجال، ولعلّ أهم عمليات الرقمنة في الوطن العربي ما قامت به مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع مكتبة الكونغرس  حيث تمّ أرشفة ورقمنة مقتنيات أكثر من ثلاثين مؤسسة عالمية.
إن من شأن رقمنة محتويات المكتبة الوطنية الفلسطينية أن يبوأها مكانة عالية، ويتيح لها الانضمام الي برامج تفاعل الثقافات العالمي لمكتبات العالم الوطنية.
ولعل ما تقدم يمثل أبرز ميادين المهام التي ستقوم بها المكتبة الوطنية الفلسطينية مع بعض التفاصيل الأخري ذات الطابع الثقافي والعلمي والمعرفي أو الإداري. وأضيف أيضا أنّ مهمة كبري يتعين أن يقوم بها المجلس العلمي هو إعادة كتابة تاريخ المشهد الحضاري لفلسطين، ودحض الرواية الصهيونية التوراتية للتاريخ الفلسطيني، من خلال صياغة هذا التاريخ وفق أسس علمية تربط بين المكان والنشاط الإنساني، وتعتبر تراثها الثقافي في مختلف العصور موروث ثقافي للشعب الفلسطيني، وملك لذاكرته التاريخية.
وأضيف أيضا أنّ تأسيس المكتبة الوطنية الفلسطينية يتطلب استكمال التشريعات الثقافية بقرار رئاسي له صفة القانون في غياب الحياة الداخلية للمجلس التشريعي بسبب حالة الانقسام التي فرضتها حركة حماس. ومن هذه القوانين علي سبيل المثال لا الحصر: قانون الملكية الفكرية، قانون نظام الإيداع، قانون حماية التراث الثقافي، قانون صندوق التنمية الثقافية.
>>>
تأسيس المكتبة الوطنية يساهم في تعزيز مكانة الثقافة في مشروعنا الوطني بمضمونها الوطني والكفاحي وبعدها العربي والعالمي، والتزامها بالقيم الإنسانية والنظام الأساس لمنظمة  لمنظمة التحريرالفلسطينية، وأهداف وقيم ورسالة منظمة اليونسكو والسياسات الثقافية العالمية، وانحيازها الي الحرية والتنوير والتنوع الثقافي، وقدرتها علي الصمود والمقاومة،ودفاعها الشجاع عن الهوية والحقوق الوطنية.

تعليقات القرّاء