رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الحربائية وسيلة تسبق الغاية:الحياة تستخدم المكان كشخصية سردية تلون به فضاءها الحكائي


غازي القصيبى

غازي القصيبى

عبده خال
9/16/2017 1:56:15 PM

المكان كائن حي يحوم في ذواتنا من غير استبانة مفاصل تواجده علي الهيئة المعروفة..
والعقل البشري تبرمج علي ضرورة وجود الزمان والمكان لأي حدث يمكن احداثه في الفعل الآني أو الرجوع إليه بماضويته لهذا ظل العقل وفيا لهذه الثنائية كحيز وجودي يستشعر من خلالها الاتزان والتواصل مع الاشياء في تبادلية حركية..

وقد سبقت المخيلة الشعبية العلوم الانسانية الحديثة في الوصول إلي أثر المكان علي شخصية الفرد،وهذا السبق نتاج تجربة حياتية كتبها الانسان عبر أحقاب زمنية مختلفة وجد فيها أن الحياة هي ملحمة روائية ضخمة سلكت احدث التقنيات،وحين تتخمر هذه الحياة في ذهنية الروائي يحاول التربص بتنقلات الحياة واقتناص جزء حركي لتجسيده في عالم مكتوب (أي تحويل المادة الحركية الي مادة ساكنة)..وما أن يحدث هذا حتي نحقق الثبات (الساكن) فنحن نعيد الحياة بآلية رتيبة عما هي عليه،نحول تدفقها إلي كلمات وشخوص وأمكنة مختيلة فيما تحول الحياة كتابتنا إلي مادة لها لتسخر من عملية اقتناص فاشلة..
المخيلة الشعبية وقفت علي هذه المخاتلة المتبادلة بين المكان والزمان في إحداث الحدث منذ وقت مبكر..فالتقسيمات المبكرة لمزاجية الانسان وتصرفاته هي إحدي الركائز في انطلاق البشرية لفهم تشكلات الانسان وتناقضاتها فحين يصم شخص شخصا آخر بأن نجمه هوائي أو ناري أو ترابي أو مائي فهي مفردات أخفت خلفها علما غزيرا من علم المكان..فهذه الذاكرة صنفت الانسان وفق مناخية تبرر سلوكيات الأفراد وربما تتمادي في هذا التصنيف لتربط هذا الكائن بأثر النجم وهو أثر مكاني يخضع لزمنية خاصة مهما تقاربت أو تباعدت.
ويكون لها أثر فعال علي حياة الانسان وهذه الاشارات هي إشارت تفضي للمكان بصورة او اخري كأساس يكون الزمن تابعاً له وهذا ما يقف في حنجرة العلم الحديث إذ أردنا تفصيل أنواع السرع وأيهما سابق كأثر يتعدي كينونة المكان..وحين جاء مونتسكيو mont esquieu في كتابه روح القوانين للقول ( ان الأحوال الجوية من حرارة وبرودة وجفاف ورطوبة تؤثر علي أعضاء الجسم الانساني من الناحية الفسيولوجية والسيكولوجية والعقلية وان المجتمعات تتفاوت طبقا لخصائص الناس التي تتفاوت بدورها تحت تأثير اختلاف الأحوال الجوية.)
وهو قول مبكر استشعر بقوة المكان في صناعة الشخصية بعيدا عن الزمن وهو ايضا تاليا إذ لم يكن سابقا للمعرفة الانسانية البسيطة في اكتشاف هذا الأثر.
أذكر في طفولتي الأولي ذلك الجراد الموسمي الذي يهبط بين مزارعنا بلونه الأخضر الداكن، مجاورا او ملتصقا بسنابل القمح قارضا سيقانها وأوراقها متلفا محصولا كان يقف بحصاده في عيوننا..
فرحتي بذلك اللون المخضر لجراد عرفته في طفولتي غدا مغبرا عندما انتقلت للعيش في مدينة صحراوية، هذان اللونان لكائن واحد جعلاني -من وقت مبكر- أعرف بعض الحيل السردية للحياة، وكلما مضي بي العمر وتراكمت الخبرات والمعارف وصلت لإيمان ان الحياة ملحمة روائية ضخمة..ولو أردت العودة لزمن الطفولة سأجد أني أقف علي تعبانين عبرا فناء بيتنا مساء وعندما أفاق الكون تنبه ان الثعبانين تركا حيلة سردية أخري تروي جزءاً من حركية الحياة بإحداث حدثها،في تلك الأيام عرفت ان الثعبان يتخلص من جلده القديم في مواسم محددة ليظهر بزيه الجديد تاركا أثر تلك العملية التنكرية مجسدة من خلال طبقة شفافة للغاية وإذا أردت لمسها تلاشت بين أصابعك فتفقد الجمالية التكوينية لتلك العملية التنكرية وكأن الحياة تضحك منك لو أردت أن تفضح سرديتها الحكائية.
هذه الضحكة لا تستمر كثيرا، فهي حاضرة عندما تريد أن تغير منحي الحكاية وتكون ثابتة إذا أردت الاستلطاف بما يحدث من سرد مكاني.. فالهواء يتحول إلي نذير بقدوم جريان مياه الوادي،او يخبرنا عن عملية مد وجزر يلعبها البحر، او دنو موسم تلقيح النخيل، هذه السرديات اللإرادية يمارسها الكون في سرديته يمكن لنا معرفة أثر المكان في سردية مقابلة نحن نذكر ذلك المهندس المعماري الذي أوكل له بناء مدينة بغداد فوقف في اماكن كثيرة يذري ترابها حتي إذا أخبره الهواء بفساد الأمكنة، اختار أفضلها حفظا للأشياء من الوخم وأكثرا صحة للإنسان عندها اختار الموقع الذي بني فيه مدينة بغداد..اختاره بعد ان ترك به قطعة لحم لم يصبها العطب خلال ثلاثة أيام فعرف أن المكان صالح ويمكن له أن يمد ساكنيه بحياة أجمل.. ولأن الانسان حكاية مروية فإن القالب أو الوعاء الذي يعيش فيه يمكن له تجويد الحكاية.
وربما مفردة حربائي قيلت مئات المرات علي مسامعنا من غير ان نقف علي العمق الدلالي لهذه المفردة،فالحرباء أو الجرادة أو الثعبان أو بغداد هي حرس منفذ لسطوة المكان تلك السطوة التي تخضع من هم في نطاقها علي الاستجابة للغة المكان.
ورغم معرفة الذاكرة الشعبية بأهمية المكان إلا انه ظل في أذهاننا حاضرا حضور الأشياء الميتة، فالمكان ليس فضاء مكانياً أونصياً فقط بل هو محراث لحركية الشخصية في قوتها أو ضعفها،وهو المغذي لحياتنا وأفكارنا وسلوكياتنا أوأمزجتنا، فهو الرحم الذي يضم حركيتنا،ولم يتنبه الكثيرون أن للمكان لغة وشخصية حية مؤثرة في المنتمين له تجعلهم يتقلبون وفق مزاجية المكان المرتبطين فيه.
من هذا اليقين أجد أني أمقت كثيرا أولئك السطحيين الذين يقفون امام الاعمال الروائية بمجهر ذي عدسة قاتمة، أو شفافة ويحكمون قبل ان تلامس اهدابهم عدسة المجهر الذي يظهر تربة المكان في العمل الروائي وكيف يشكل الشخصية المكتوبة.
•••
 أشعر في احيان كثيرة بأنني محتاج لتمزيق كل الأوراق المكتوبة أو محو كل الكلمات المعلقة في الهواء..هذا الشعور ينتابني عندما أجد رجلا أعمش يقود قافلة في ليلة تنذر بسواد مطرها وقد أرسلت سحبها الداكنة لتشكل المشهد الماطر الوخيم فلا يجد الأعمش من وصف سوي القول انها ليلة مظلمة من غير تجسيد وضعية المكان وأثر تشكلات ظواهر الكون في تلك اللحظة الزمنية..يحدث هذا عندما يقف ناقد أو قاريء امام عمل اهتزت له أعماقك فيصف جماليات عملك بأنه عمل مستمد من كاتب لاتيني أو أفريقي أو أوربي..هذا العمش النقدي مرده أن هذا الناقد أو القاريء لم يسبر أغوار المكان،لم يعرف ان للمكان لغة واحدة، ولم يعرف أن الأمكنة متشابهة ومتطابقة ولم يعرف أن القانون الرياضي ينص علي ان الاشكال المتطابقة هي شكل واحد ويكفي حضور أي منها لكي يمنحك مواصفات الشكل المطابق لبقية الاشكال الغائبة..
بهذا الفهم الرياضي البسيط سنكتشف أن القرية الجنوبية في شبه الجزيرة العربية هي نفس القرية في أمريكا،وأن الساحل في بيروت هو نفس الساحل في استراليا وأن الجبل في غامد هو نفس الجبل في الكونغو.
وتشابه الأمكنة يولد صفات مشتركة وسلوكيات وطباعاً وأمزجة متشابهة..فحزن الرجل التركي هو حزن البوذي القابع في كلكتا، وفرحة حسناء تسير في شارع قابل بجدة هو نفس فرحة حسناء تجلس في شرفتها مطلة علي شوارع القاهرة..
ومن خلال الروايات السعودية التي قرأناها سنجد أن أبناء القري يقتربون من تفصيلات معيشية مشتركة، وسنجد أن ابن المدينة يحوم في نفس الفلك الذي سبقه إليه كاتب آخر..
وتصبح التشكلات المكانية تتغير وفق أثر المكان علي شخصية الكاتب بمعني ان الأثر من المكان هو أثر يعمم علي جميع الأفراد المنتمين لذلك الموقع، وأثناء الكتابة فإن الكاتب يستجيب لنزعته التكوينية المقابلة لاثر المكان، فالكاتب وعاء مقابل لوعاء المكان، وحين الكتابة يمتزج سائل الكاتب بسائل المكان مخلفين أثرا يختلف في درجة التشكل وليس في جوهر الشكل.
والرواية السعودية لم تتعامل مع المكان بالقصدية التي نقف عليها الآن، إن الكاتب موجود داخل الوعاء المكاني ولا ينفصل عنه إلا بقطع الحبل السري وانقطاعه يعني الموت ومادام يركض في أوردة المكان ستظل الحياة بينهما حياة متبادلة حية لكي تواصل الحياة كتابة ملحمتها الروائية بهاتين الشخصيتين مضيفة لهما عنصر الزمان، والزمان جهة ما يقتعد فيها المكان ليخلق تفاصيل أخري.
سنجد المكان عند نورة الغامدي مكانا حزينا تتشكل فرحته بالتنقلات بين القرية والمدينة ففي المدينة يكتسب فرحة غامرة فمفردة الفرح والحزن تولدت من روح الكاتبة وليس من المكان فهي نقلته وفق كثافته الشعورية المنطلقة منها، وجدة التي تدمي ليلي الجهني هي فرحة عند نورة الغامدي، ونجد التشكلات النفسية للمكان يجرها محمود تراوري عبر مئات الاميال من أدغال افريقيا لتتحول جدة والمدينة ومكة إلي فضاء نفسي للأثر الأول للمكان، فالعالم الضاج بعوالمه الافريقية لايستوعبه الفضاء الساكن في المدينة أو مكة وربما هذا ما يعلل استجلاب لعبة كالمزمار إلي منطقة الحجاز وهي لعبة صاخبة تعتمد علي اظهار الطقوس الافريقية وجل من يمارس هذه اللعبة هم من أصول إفريقية.
بينما يتحول المكان إلي لوحة تجريدية عند غازي القصيبي في رواية سلمي تتشكل تفاصيله والشعور به من خلال القاريء العارف بالمحطات المكانية التي وقفت بها سلمي،يتشكل وفق ذهنية القاريء وليس كما رسم الراوي،فسلمي فقيرة في وصف المكان تاركة الفترة الزمنية للمكان أن تحدث تشكلاتها في ذهنية المتلقي ليرسم أبعاد المكان وعمقه الدلالي في وجدانه..تشترك معه رجاء عالم في تجريدية المكان حيث انطلق رجاء في رواية خاتم خلف أثر المكان في قبول الجنس،ليتحول المكان إلي شخصية مسيطرة في إلغاء جنس وتثبيت جنس آخر، بينما نجد رواية الحزام لحمد أبو دهمان تجسد مشهدية القرية الكونية،القرية المتشابهة في سحرها وفتنتها،فهي قرية تأتي من أقاصي الكون تحمل أزياءها الموحدة هنا وهناك.
وسنجد المكان المغلق في لغط الموتي ليوسف المحميد، فالانغلاق ليس منشوئه من مفردة الموتي، بل ناتج من انغلاق المكان وهي اشارة خطيرة لانغلاق الرجل الصحراوي إذا أردنا استرجاع تاريخ الصحراء القائم علي الارتحال فحين يأتي منغلقا علي نفسه يعطي دلالة تعني تهشيم جوهرية المكان وبالتالي يعطينا نتيجة بأن انغلاق هذا الكائن هو نتاج انغلاق مكانه وتهشيمه وفق الثقافة المنصبة فيه، وتصبح نتائج هذا الانغلاق رفض الحياة خارج المكان المستحدث للمكان الاصلي..ومن هذا المنطلق سنجد أن الامكنة تم تهشيمها ككيان له مميزاته وتفرده وتحويل الاماكن إلي نمط واحد يقتل الانسان ويؤدي به إلي رفض الحياة.
هذا هو التفسير المنطقي لهؤلاء الذين يخرجون مفخخين لتدمير الذات والآخر.. ولو عرجت قليلا في هذه النقطة سنلحظ أن المفخخين لأنفسهم ( سواء في السعودية أو في أي مكان ارتضي الدمار ) يكون مجئ قراره بسبب انغلاق المكان( ففي فلسطين تحول المكان إلي قفص صغير صنعه الاحتلال كما هو في سوريا حين احتل الارهاب المكان فمنحه ميزته المتمثلة لانغلاقه الفكري.