رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الحساني حسن عبد الله .. بين الحضور والغياب


أشرف البولاقي
9/23/2017 3:42:21 PM

بعيدًا الآن عمَّا يليق أو لا يليق بالأقصر كمدينة عالمية، وبعيدًا أيضًا عمَّا تناقله الكثيرون عن الاحتفالات الهزيلة التي أقامتها المؤسسة الثقافية المصرية احتفاءً بها كعاصمة للثقافة العربية 2017، فقد أوشك العام أن ينتهي دون أن تشهد الأقصر جديدًا، بل دون أن يستشعر المواطن المصري أي شيء مختلف ... إلا أنه حدثَ ضمِن برامج واحتفالات المؤسسة الثقافية المصرية أن أقيمت أمسية شعرية بالأقصر في يوليه الماضي، شارك فيها شاعرٌ تم تقديمه علي أنه ابن من أبناء الأقصر، لم يعرفه الكثيرون من الأجيال المعاصرة رغم أنه واحدٌ من روَّاد شعراء الأقصر الأوائل، كان اسمه ونِسبته للمدينة كافيين لتساؤل الكثيرين مَن هذا؟ وأين كان؟ وما تجربته؟ وعادت ذواكر البعض لتكتشف أن الشاعر كان مختفيًا أكثر من عشرين عامًا رغم ما كانت تمثله تجربته من أهمية وقتَ أن كان يصدح بالشعر ويشارك في فعاليات الحركة الثقافية!
عشرون عامًا من غيابٍ قاسٍ وعنيف كافيةٌ تمامًا لتنشأ دولٌ وتختفي أخري، كافيةٌ تمامًا لتشتعل ثورات، وتقوم شعوبٌ من رقدتِها، كافيةٌ تمامًا لظهور مذاهبَ وتياراتٍ واتجاهات جديدة تحل محل القديم وتتحدث باسم واقعها وتجاربها، لكنها هل هي كافيةٌ ليموت شاعرٌ أو يختفي مبدِع؟ هذا هو السؤال الذي راودني وأنا أسمع اسم الشاعر »الحساني حسن عبد الله»‬، مشاركًا في إحدي أمسيات وزارة الثقافة بالأقصر احتفالا بها عاصمةً للثقافة العربية أواخرَ شهر يوليو 2017 لتشتعل خليةٌ ما في الذاكرة تستدعي اسمَه ومنجزه، وحواراتٍ قليلةً نشَرَتها بعض الصحف معه منذ سنوات تحتفل بعودته من غربته، كان أول ما استدعته الذاكرة هو أنه ابن عم السارد الكبير يحيي الطاهر عبد الله، وأنه من مواليد 1938 بالأقصر، وأنه شاعر دَرعمي، وأنا مهتم بهؤلاء الدراعمة  أو الدرعميين - اهتمامًا شخصيًا للوقوف علي أثر وتأثير دراستهم فيها علي لغتهم وإبداعهم، وهو ما التفتَ إليه قبلي الشاعر فاروق شوشه عندما ذيَّل مقالة له عن الشاعر الحساني بقوله نصًا:»‬وهو ـ بلغة ابن سلام ـ في الطبقة الأولي من شعراء دار العلوم الذين أنبتتهم خلال العقود الثلاثة الأخيرة, إن لم يكن أوفرهم عدة من اللغة, وتملك ناصيتها, وأكثرهم تحقًيقا لفكرته عن الشعر في شعره». وهي العبارة التي وردتْ تعليقًا علي ديوانٍ شعري واحد فقط للشاعر، ربما يكون قد أصدر بعده ديوانًا آخر أو ديوانيْن، وربما هُمَا في الطريق، لكن ديوانه هذا وقصائده المنشورة تشير إلي إمكانياته ومهاراته.
وثاني ما استدعته الذاكرة أن ما قرأتُه حوله وعنه، لم يضعني أمام مجرد شاعر فقط، لكن أمام شاعر ومثقف مهمومٍ بقضايا الفن والإبداع والثقافة، وربما كان كثيرون لا يعرفون الحساني حسن عبد الله، وربما كان هناك مَن لم يسمع باسمِه من قبل، لا سيما بين شباب الشعراء، رغم أنه بدا منذ ظهوره علي الساحة الثقافية شمسًا مشرقة في سماء القصيدة العربية وفارسًا من فرسانها في ستينيات القرن الماضي، وربما يرجع السبب في عدم معرفة الكثيرين به إلي غربتِه الطويلة التي استمرتْ قريبًا من عشرين عامًا خلف الأسوار منذ قبل منتصف التسعينيات، قَبْل هذه الغربة بسنوات كان كل شيء مُعَدًا ليأخذ الحساني عبد الله مكانَه في خارطة الشعر العربي، فقصائده ومقالاته ومشاركاته كانت كلها دالةً ومشيرة إلي ما يتمتع به من ثقلٍ أدبي وثقافي .. وتمثلتْ أدواته المعرفية والثقافية والإبداعية في لغته العربية التي أحبَّها ونطقَ بها، لم يكن حبًا كهذا الذي يتشدق به كل كاتبٍ بالعربية باعتبارها أداةَ الكتابة، لكنه كان حبًا يقترب من درجة العشق والإحساس بالمسئولية، وهو ما يبين أثره علي لسانِه وهو ينطق بها عذبةً فصيحة دون لحنٍ أو خطأ، ولا يمكن إرجاع ذلك فقط إلي دراسته بكلية دار العلوم التي تخرج فيها أواخر خمسينيات القرن المنصرم، فما أكثرَ الذين تخرجوا في دار العلوم وهُم لا يقيمون جملةً واحدة صحيحة! إنما يرجع الأمر إلي تلك المَلَكة التي يهبها الله للبعض فيجيدون استثمارَها، ولقد كان لشاعرنا مقالةٌ شهيرة بعنوان »‬أمّة في خطر» يتحدث فيها عن واقع العربية الحديث والمعاصر علي ألسنة بَنِيها وأهلِها. وإذا تركنا لغتَه العربية جانبًا فلا يمكن أن نغفل تاريخَه الثقافي وعلاقتَه في الستينيات بالعقاد، والذي نال عن فلسفة الجمال عنده درجةَ الماجستير في أوائل السبعينيات، ثم مراجعاته ودراساته عن بعض كتُبِ العقاد، ويأتي بعد ذلك نشاطه وعمله الثقافي الذي زاده خبرةً ووعيًا بظروف العمل الثقافي، عملَ أولا في التدريس، ثم تركه ليعمل في هيئة السينما، ولعله انتُدِب للعمل في عدد من أروقة وزارة الثقافة وفي عدد من المجلات المصرية الثقافيةوقتَها، كل ذلك وغيره يؤكد تلك الأدوات المعرفية التي كان طبيعيًا أن تتجلي في مشروعه
الإبداعي الذي توقف عشرين عامًا بسبب غربته تلك التي أشرنا إليها.
في مايو 2004 يكتب فاروق شوشه مقالته المعنونة »‬عموديون يسبحون ضد التيار» عن الشاعر الحساني حسن عبد الله متسائلا »‬مِن أي ينبوعٍ بعيد يتدفق هذا الشعر؟» مشيرًا إلي ديوانه الذي أصدره سنة 1972 »‬عِفت سكونَ النار» وهُمَا - المقالة والديوان - اللذان فجّرا من الأسئلة أكثر مما قدّما من إجابات حول تجربة الشاعر ووعيه وثقافته، خصوصًا مع العنوان الجانبي الذي صدّر الشاعر به ديوانَه بجملة »‬الكلام الموزون والمقفي» .. وهو ما كشف توجهاتِ الشاعر ومواقفَه آنذاك من قصيدة الشعر الحُر، وربما من قصيدة النثر التي تنبّأ وقتَها بظهورها وسيطرتها علي المشهد.
لم يكتفِ الشاعر الحساني عبد الله بالشعر والقصيد، ولا بالمقالات والمشاركات، لكنه خطا خطوة أخري ثقيلة في عالم المعرفة بالقيام بتحقيق عدد من مخطوطات العربية مثل كتاب »‬الكافي في العروض والقوافي» للتبريزي، وكتاب »‬العيون الغامزة علي خبايا الرامزة» للدماميني، وكتاب »‬شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» لابن قيم الجوزيه»، ليضيف إلي رصيده الشعري الجمالي رصيدًا علميًا ومعرفيًا يؤكد ما سبق أن أشرنا إليه مِن أننا أمام مثقفٍ مهموم ليس فقط بالفن والإبداع والثقافة، ولكن أيضًا بقضايا الفن والإبداع، والذين يكون صنيعهم مثل ذلك قليلون في أوساطنا.
وتتبقي في تجربة وثقافة الحساني حسن عبد الله أسئلة كثيرة، أرانا جديرين بالوقوف عندها، لعل أهمها موقفه الراهن من قصيدة شعر التفعيلة ومن قصيدة النثر، خاصةً وأن له بيانًا شهيرًا عن قصيدة الشعر الحُر،  سلحَ - بتعبير القدماء  عليه، وقال عنه نصًا »‬علي أن امتلاء الورق غيرُ امتلاء النفوس. وليس مِن هذا انتصار الشعر الحر، فهو لا يزال غريبًا  علي الأذواق الخاصة لأنه متخلف عنها، وغريبًا علي الأذواق العامة لأنها متخلفة عنه وعن غيره» .. لكنه رغم ذلك جاء في مقالة أخري يحتفي فيها بتجربة أحمد عبد المعطي حجازي، محاولا فيها التفريق بين مفهوم عمود الشعر شكلا ومعني!! ليعترف بقصيدة حجازي ويراها شِعرًا!
ينفجر سؤال آخر عن رؤيته لثورة يناير بعد أن صرّح في بعض حواراته أنها فتنة أو فوضي أو مؤامرة! هناك أسئلة أخري تبدو للوهلة الأولي شخصية، لكن لها علاقة بقيمته يؤثر دائمًا عدم الخوض فيها عندما يسكتُ عن غربته، وعما لاقاه فيها، السؤال هنا متعلّق بعشرين عامًا كيف كان ينظر للمشهد، ما المؤثرات التي أثرت فيه، هل كان متصلا بما حوله أم منفصلا، أين تجربته الإبداعية خلال تلك السنوات .. وما إلي ذلك، وهي أسئلة لا علاقة لها باقتحام الخصوصية ما دام المنتظَر دائمًا هو المتعلق بالشأن الثقافي أو الإبداعي.
هناك سؤال آخر يتعلق بمفهوم الكلاسيكية والمحافظة في ثقافة ووعي شاعرنا، فكثير من مقالاته حول الشعر أو الأدب وحتي قضايا الوطن، نجد فيها استدعاءات لأبي تمام والشافعي والمرزوقي، ومن قصائده نجد قصيدة يناجي فيها المتنبي، وأخري يستدعي فيها قيس بن الملوح، وثالثة عن محمود شاكر، حتي عندما يشارك في معترك قضية حداثية، يميل فيها إلي جانب المحافَظة، وهو ما طالعناه في موقفه من قضية سلمان رشدي. احترامُنا للذائقة العربية والبلاغية لا يمنع تساؤلَنا حول فضاءات الكتابات الشعرية والنقدية الحديثة، وشوقنا في معرفة رأيه حول الحداثة وما بعدها، فضلا عن علامات الاستفهام الكبري حول موقفه من حرية الإبداع وفقه النفي والمصادَرة، وهذه التساؤلات لا تقدح في القيمة التي يمثلها الشاعر والمثقف الحساني عبد الله، بقدر ما تطمع في معرفة رؤيته الكُلِّية للعالم وللحياة كشاعرٍ ومثقف من جيل الروّاد.
تحيةً وسلامًا للشاعر والمثقف الحساني حسن عبد الله، وعودًا حميدًا للساحة الثقافية.