رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

لا أحد ينام في رشيد

مع الاعتذار للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد


عصمت داوستاشي
9/23/2017 3:46:13 PM

حكايات  رشيد .. ملتقي النيل والبحر
اتصل بي الفنان علي سعيد مدير متحف الفنون الجميلة بمحرم بك في أوآخر أغسطس الماضي يدعوني ( ضيف شرف ) في ملتقي النيل والبحر المقام في مدينة  رشيد من 12 سبتمبر الي 19 الجاري .. كنت طريح الفراش وأعالج من متاعب صحية كثيرة هاجمتني بعد السبعين من عمري وأصبحت تتألق وتتباها في جسدي مع الخامسة والسبعين وتعلن لي أنها تمكنت مني وستحبس روحي الشابة  المتمردة الوثابة داخل وهن جسدي حتي الموت.. الدعوة أثارت عندي ذكريات  كثيرة .. متحف الفنون .. محرم بك .. رشيد.. النيل والبحر.. كنز الحكايات المحزنة والجميلة.
 أجبته: ياعلي كنت أود أن أكون معكم.. وأن أشارككم في رسم الجدارية الكبيرة .. وأن أتعرف بشباب الفنانين .. ولكن ظروفي الصحية تمنعني.. ( فترة صمت طويلة مني.. رشيد ياعصمت .. النيل والبحر ).
:علي ..شوف أنا ممكن أحضر يوم واحد وأرجع.. موافق.. موافق.. وقلت لذكرياتي : نفسي أشوف رشيد حتي لو لآخر مرة.
وهكذا وجدت نفسي في شبكة من الذكريات يتداخل فيها متحف الفنون ومحرم بك ورشيد والنيل والبحر.. شبكة مترابطة.
متحف الفنون
الفنان علي سعيد ( 38 عاما ) هو أحدث مدير لمتحف الفنون الجميلة بمحرم بك والذي يتبع حاليا ادارة المتاحف بقطاع الفنون التشكيلية .. المتحف الذي تم تجديده وعرض مقتنياته وأصبح واحدا من أهم متاحف الشرق الاوسط وحصل أخيرا علي جائزة المتاحف الدولية للعروض المتحفية  .. ذكرني ذلك الشاب بحكايتي مع هذا المتحف حين تم انتدابي من وزارة الثقافة مديرا له عام 1993 وكان وقتها تابعا لمحافظة الأسكندرية وتسلمته من محافظها المستشار الجوسقي خرابة .. ابوابه لا تقفل .. وشبابيكه بدون حواجز حديدية  مفتوحه طول الوقت .. وسقفه تتسرب منه مياه المطر..  وأرضياته محطمة ..  ومجموعاته المتحفية تتهالك ومخزنه تخزين رديء دمرها .. وكنت مكلفا بترميم كل هذا وتطوير المتحف وتجهيزه    لبينالي الاسكندرية المتوقف منذ سنوات وأن أعمل علي احياء دورات البينالي من جديد مع تنشيط المتحف .. لقد قمت بكل هذا والحمد لله وسط صعاب رهيبة .. ووسط طرائف عجيبة ذكرتها  في كتابي ( تاريخ بينالي الاسكندرية في خمسين سنة ذ اليوبيل الذهبي ذ 1955 ذ 2005 ) ومن أطرف هذه الحكايات انني توجهت الي وزير الثقافة الفنان فاروق حسني  وطلبت منه رصد ميزانية لترميم المتحف ليستقبل عروض البينالي ..  قال لي : المتحف لا يتبع وزارة الثقافة .. يتبع محافظة الاسكندرية .. أذهب للمحافظ ليرمم لك المتحف .. احنا حنصرف فقط علي مطبوعات وجوائز البينالي .
ذهبت إلي المحافظ المستشار الجوسقي وطلبت منه ترميم المتحف فقال لي: أنت جاي من وزارة الثقافة .. روح لوزير الثقافة أطلب منه ذلك .. المحافظه مفهاش فلوس.
سيلعبون بي الكرة .. ويرفضون ترميم المتحف الخرابة الذي صورته لتوثيق حالتة المتدهورة .. فورا كلمت صديقي الناقد التشكيلي والصحفي في مؤسسة الجمهورية وحكيت له الحكاية فنشرها بالبنط العريض في صفحته بجريدة المساء ( محافظ الاسكندرية يرفض ترميم متحف الفنون الجميلة ) كنا في رمضان قرب نهاية 1993 .. وكنت أتناول الأفطار مع زوجتي وأولادي حين رن تليفون المنزل لأجد المحافظ علي الطرف الثاني: مين ده صبحي الشاروني .. كتب أني مش عايز أرمم المتحف .. بكره الصبح روح لمدير الأسكان بالمحافظة راح يرمملك المتحف من ميزانية ترميم المباني الحكومية .. ورد علي الصحفي ده في نفس الجريدة بنفس البنط أن محافظ الاسكندرية سيرمم متحفها.
وتم فعلا ترميم المتحف واحياء دورات البينالي وبعدها ألغيت انتدابي كمدير للمتحف ورجعت إلي تفرغي الفني حتي إحالتي للتقاعد .. لم أرغب في استمراري  في العمل مع هؤلاء الناس.
حكايات متحف الفنون تستحق مجلدا خاصا بها لأنها تعكس مأساة متاحفنا في مصر وعجز وزارة الثقافة علي العناية بها  وتطويرها.
محرم بك
ارتبط متحف الفنون بحي  بمحرم بك وبشارع منشا الذي هو الكونت دي منشا الذي أهدي الفيلا الخاصة بأسرته لتكون متحفا للفنون أثناء الحرب العالمية الثانية وهدمت في غارة فتقرر بناء المتحف علي أحدث التصاميم المتحفية مع مكتبة البلدية وافتتحهما جمال عبد الناصر في 1954.. كان حي محرم بك حي البشوات وعلي رأي المثل ( ألف جنيه وفيلا في محرم بك ).
كانت علاقتي بهذا الحي قبل أن أكون مديرا لمتحف الفنون ومتواجدا يوميا به في محرم بك محصورة في ذهابي من حين لأخر إلي شارع الكنوز خلف المتحف لزيارة الفنانة الكبيرة عفت ناجي ومساعدتها  في مرسمها بفيلا امبرن التي استأجرتها كمرسم لها عام 1960 بجوار قصره البارون امبرن التاريخي .. وكنا نخطط لتحويل الفيلا إلي متحف خاص لعفت وشقيقها محمد ناجي رائد فن التصوير المصري الحديث وزوجها سعد الخادم رائد دراسات الفنون الشعبية في مصر .. كان لأسرة ناجي فيلا في شارع أمير البحر هدمت في غارات الحرب العالمية الثانية ضمن كل ماهدم في الاسكندرية التي لم يكن أحد ينام بها (كما في رواية الصديق والكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد).. كانت محرم بك كلها قصور وفيلات  للطبقة الثرية ورجال الدولة .. كان قصر راغب باشا قريبا وهو الذي ولد وتربي فيه الأخوين سيف وأدهم وانلي .. وعندما هدم سمي الشارع  براغب باشا .. كنت وقت عملي بالمتحف قد انتقلت للسكن في منزلي بالعجمي البطاش وكان دور واحد .. وأنتقلنا لمرض زوجتي وعدم قدرتها علي صعود ست أدوار في شقتنا بالإبراهيمية.
الآن هدمت كل قصور وفيلات محرم بك وتحولت إلي أبراج شاهقة .. والآن تسكن بناتي بعد زواجهن في محرم بك .. واحدة بجوار المتحف في شارع منشا والثانية في شارع الكنوز بجوار فيلا عفت ناجي التي انقذناها من الهدم هي وقصر امبرن وإن أصبحا خرابات . في العجمي البيطاش بعد ثورة 25 يناير 2011 هجم السلفيون والإخوان علي فيلات العجمي الذي كان أشهر مصيف في الاسكندرية وتم هدمها وبناء أبراج عشوائية .. البيت المتواضع بالعجمي الذي بنيته بيدي أحاطت  به الأبراج من كل ناحية المسكونه  بالمتطرفين وسكان العشوائيات ..حولت منزلي إلي متحف .. وانتقلت للسكن في محرم بك.
الآن أسكن في محرم بك .. أصبحت من سكان هذا الحي العريق .. وتغير المثل الشهير وأصبح (مليون جنيه وشقه في محرم بك).. أسكن بجوار شارع الكنوز حيث كانت تسكن عفت ناجي  وأولادي ومتحف الفنون.. منذ أربعين عاما هربت من المدينة إلي مرسمي بالعجمي حتي حاصرتني المدينة بعشوائيتها هناك من جديد.. فرجعت إلي المدينة بمحرم بك حي الكنوز والحكايات.
النيل والبحر
المهرجان التشكيلي المدعو اليه كضيف شرف والذي ينظمه متحف الفنون في مدينة رشيد اسمه (النيل والبحر).. والنيل والبحر اسم أول رواية لي كتبتها وأصدرتها في سلسلة مطبوعاتي (كتالوج 77) عام 2012 بعد ثورة 25 يناير 2011 .. فرحت أن منظمي الملتقي اختارو اسم روايتي التي تدور معظم أحداثها في رشيد عنوانا لنشاطهم هذا .. لعل أحدهم قرأها وأوحت له بأن رشيد أحسن مكان لنشاط تشكيلي خارج الإسكندرية .. عندما سافرت لرشيد للمشاركة معهم ليوم واحد ..أخذت معي مجموعة نسخ من روايتي لأوزعها علي شباب الفنانين .. هناك اكتشفت أنهم جميعا  لا علم لهم أني كتبت رواية اصلا .. واندهشوا لتوافق اسم روايتي وأحداثها بمدينة رشيد والملتقي.
النيل والبحر رواية جمعت فيها بين الواقع والخيال عن تزاوج  فتاة رشيدية بخواجة ايطالي.. أنجبوا حكام مصر الذين حكموها بعد ثورة 23 يوليو 1952 وحتي ثورة يناير 2011 .. وطبعت منها 500 نسخة وزعت معظمها علي الأصدقاء والكتاب والفنانين والنقاد والإعلاميين وعلي أسرتي وكل من ألتقيه أوأعرفه أو لا أعرفه  .. لم يقل لي أي من أخذها كلمة واحدة .. أحاطها صمت قاتل ..وكأني لم أطبعها ولم أوزعها .. فشل ما بعده فشل أحاط بهذه الرواية ..طب حد يقول لي إنها رواية سيئة جدا وكلها افتراضات خطأ .. كنت حفرح ..أن هناك من قرأها .. ولكنه الصمت القاتل أصاب أهم ما كتبت حتي الآن .. ولعلها من أهم ما كتب باللغه العربية من روايات مؤخرا .. وأخذت أصبر نفسي :الرواية نجحت يا عصمت .. القراء هم الفاشلون .. وكفيل بالزمن ليظهرها علي حقيقتها .. أصبر نفسي بعمل مات وقت ولادته.
رشيد
اكتشفت أنه لا أحدا يعرف أني نصف رشيدي ونصف جريتلي أو ( كريتلي ) .. أهل أمي كلهم من رشيد من عيلة الجميل .. وحتي عمي كمال تزوج رشيدية من عيلة طبيخة .. والعائلتين من أكبر عائلات رشيد .. وأبي وعمي صحيح هما من مواليد مصر( الاسكندرية ) ولكن جدي إبراهيم وجدتي خديجه شبرا هانم كرتليه من جزيرة كريت .. وقد كتبت كل هذا في كتابي ( الرملة البيضا ) الذي كان من أشهر كتبي .. في رشيد التي تجولت فيها قليلا .. اكتشفت أن المدينة تغيرت وأصبحت مثل كل مدن مصر زحام وعشوائيات وأبراج .. وتوارت المنازل القديمة المبنية بالطوب الأحمر والأسود التي أشتهرت بها رشيد والتي كنت أتمني أن تتحول بعضها إلي مراسم للفنانين .. وكما يقول الكتيب الصغير الوحيد عن رشيد الذي أهداه لي مدير متحف رشيد:( هي من المدن القليلة التي لاقت شهرة عالمية بين المدن المصرية وخاصة لموقعها الفريد بين البحر والنيل وتراثها المعماري وقلعتها التاريخية ( قايتباي ) وحجر رشيد الذي أكتشف عام 1799 .. ومساجدها وحماماتها .. وكنيسة مار مرقس الأثرية التي يتم تجديتها .. ومتحفها الثري بمقتنياته .. وأحلام أهلها بأن توضع علي الخريطة السياحية لمصر ).
علي كل حال لم أعثر علي أحد من أهلي الرشايده .. وأنا لم أبحث .. لأني أعلم أنهم جميعهم يسكنون الآن الاسكندرية.
جدارية الفن والفنانين
بعد كل الذكريات والحكايات التي ربطتني بالمتحف وبحي محرم بك وبروايتي النيل والبحر وبرشيد والرشايده  .. وصلت أخيرا للمدينة الجميلة حيث تجمع مجموعة رائعة من  شباب فناني مصر أمام سور يمتد 200 متر تقريبا بجوار مركز مطافي المدينة .. وكانو علي وشك الانتهاء من رسمه  .. وعلمت منهم انهم يرسمون علي الجدار منذ أسبوع تقريبا من مغرب اليوم إلي الفجر وقالوا لي ( لا أحد ينام في رشيد ) .. والجدارية رائعة منفذة باحترافية بألوان أكرلك لموضوعات من تراث رشيد القومي وتضم بعض معالم المدينة والشخصيات التاريخية وتنتهي أو تبدأ بشمبليون وحجر رشيد المدخل لفك رموز اللغة المصرية القديمة .. وتركتهم وهم في اللمسات الأخيرة التي ستربط كل هذه العناصر معا .. وفي انتظار افتتاحها رسميا يوم 19 سبتمبر الذي يوافق العيد القومي لرشيد بعد نجاحها شعبيا حيث التفت أهل رشيد حولها وأصبح الفنانين الشباب نجوما في رشيد يرحبون ويحتفلون بهم في كل مكان.
رئيس الملتقي الأول للنيل والبحر الفنان النشط علي سعيد مدير متحف الفنون الجملية بمحرم بك وبإشراف الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة أمل نصر رئيس قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية  والفنان الدكتور وليد قانوش مدير مركز الحرية للأبداع ..وحضر الملتقي الناقدوالفنان محمد كمال من كفر الشيخ كمنشط ثقافي قدم العديد من المحاضرات لأهل  رشيد في المقاهي والنادي الاجتماعي .. وشارك من الاقصر الفنانين أحمد صابر ( 30 عاما ) والفنان إسلام ريحان ( 31 عاما ).. ومن القاهرة إبراهيم خطاب ( 33 عاما ) وأحمد البدوي ( 27 عاما )  ومن الاسكندرية أحمد حسنين ( 41 عاما ) وطاهر حموده ( 30 عاما ) وعمر سناده ( 26 عاما) وعمر بدران ( 34 عاما ) ومحمد أبو الوفاء ( 30 عاما ) وأشرف الصويني ( 30  عاما ) وهو مدير قصر ثقافة مصطفي كامل بباكوس وأسماء بخيت ( ( 31 عاما) وعلاء الباشا ( 39 عاما ) وهو رئيس جماعة عدسة للفوتوغرافيا التي سجلت أحداث هذا الملتقي .. وأكرم الحلوجي  ( 27 عاما ) أحمد سنبل ( 41 عاما) وأحمد السمرة ( 38 عاما ) وأحمد أبو النصر ( 37 عاما ).
 وزار الملتقي العديد من الفنانين من المحافظات الاخري .. وشرفوني بأن أكون ضيف شرف وهم لا يعلمون أني في نسيج كل الاحداث والمواقع والتواريخ والذكريات لهذا الحدث الجميل الذي أتمني أن يمتد عاما وراء آخر في خروج الأنشطة الثقافية والفنية من مركزية القاهرة والاسكندرية إلي كل محافظات مصر.