رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 28 ) لماذا قاطعنا؟


محمود الورداني Mah_elwardany@yahoo.com
9/23/2017 3:48:03 PM

إذا كانت مجلة جاليري  68 تعد ردا سريعا وقويا، وثقافيا بالأساس علي هزيمة 67، فإن من مفارقات عصر السادات أنه في الوقت الذي بدأ  حكمه بتمثيلية كبري، وإن كانت غير متقنة، حول وقف تجسس الحكومة علي الشعب، وقام  علنا بإحراق شرائط تسجيل يفترض أن أجهزة الداخلية سجّلتها كدليل إدانة ضد الشعب، بل ونُشرت له صور »طبيعية»‬ وهو يمسك بلطة يهدم بها السجون، في إشارة إلي بدء عصر الحريات، وقام بإلقاء خصومه السياسيين في السجون، وأعلن انتهاء عصر الظلام وزوار الفجر، وأنشأ ديوانا أسماه ديوان المظالم يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة، واخترع أيضا ما أسماه المدعي العام الاشتراكي إلخ إلخ..
 في الوقت الذي فعل فيه ذلك كله وغيره، شهدت سنوات حكمه تضييقا غير مسبوق في المجال الثقافي تحديدا. وفي السنوات الأولي لحكمه قام بتغيير شامل ، حيث اعتبر أن كل من كان يشغل منصبا ثقافيا أو إعلاميا هو جزء من مراكز القوي الذين أطاح بهم، ولم يحدث أن انقض اليمين الرجعي والمطبلاتية وأنصاف وأرباع المواهب كالجراد مثلما اجتاحوا المواقع الثقافية في ذلك الوقت تحديدا.
  أتذكر جيدا مقولة إبراهيم أصلان آنذاك أنه لايوجد كاتب يحترم نفسه يقبل أن يتعامل مع أجهزة كهذه. وأتذكر جيدا أن تلك السنوات شهدت أوسع مقاطعة تلقائية شاملة من جانب طيف واسع من الكتاب والفنانين. المقاطعون لم يكونوا يساريين فقط ، بل ينتمون لكل ألوان الطيف الإبداعي وليس السياسي. لم نقاطع استجابة لدعوة حزب سري أو علني، بل استجابة لضمائرنا التي رفضت الهرتلة والقبح وسيطرة المديوكر علي رأس الصحف والمجلات التي يمكن النشر  فيها. لم يكن ممكنا التعامل مع يوسف السباعي ورشاد رشدي وثروت أباظة وإبراهيم الورداني وصالح جودت وغيرهم وغيرهم.
  كان نوعا جديد من القمع دفعنا إما للنشر خارج مصر، أو اختراع القنوات المستقلة التي ننتزعها انتزاعا. في هذا السياق يمكن النظر لذلك السيل الهادر والمتواصل من مجلات الماستر التي شكلّت بديلالأجهزة الحكومة، كما حاول البعض منا تأسيس جمعيات أدبية تقوم بنشاط أدبي مستقل مثل جمعية كتاب الغد،وأسس الروائي والكاتب فؤاد حجازي سلسلة» أدب الجماهير للنشر في المنصورة، وانتشرت جماعات أدبية عديدة مثل جماعة إضاءة الشعرية. وللأسف تعجز الذاكرة، في ظل غياب التوثيق المتعمد، عن الاحتفاظ بعشرات الوقائع والتجارب والمبادرات المستقلة.
   غير أنني مازلت حتي الآن أحتفظ بكنزا. نعم أعتبره كنز حقيقي يضم عددا لابأس به من مجلات الماستر ومطبوعاته ونصوصه وهي بالعشرات ، وسوف أبدأ في عرضها علي الفور.
  أما المأساة التي جرت فهي إغفال التاريخ الثقافي لما يزيد علي  عقد من الزمان من الإنتاج الأدبي والفني والفكري تضمنته تلك المجلات غير الدورية والأوراق الأخري، فهي ببساطة فُقدت بسبب الظروف القائمة وقتذاك، وإذا كان بعض هذا الإنتاج يمكن العثور عليه في دار الكتب، والبعض الآخر أمكن إنقاذه مثل أعداد مجلة إضاءة التي تم تجميعها وإعادة طباعتها في مجلد واحد منذ سنوات، إذا كان ذلك كذلك، فإن الجزء الأكبروالأضخم فُقد للأسف، والأشد والأنكي أنك لن تجد دراسة شاملة متوافرة عن الظاهرة.
  أتوقف هنا، وإذا امتد الأجل سأبدأ في الكشف عن الكنز في الأسبوع المقبل.