رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

مجلس أورناتو.. هكذا تم بناء الإسكندرية الحديثة


د.نيڤين محمد
9/30/2017 11:48:01 AM

تزخر دار الوثائق القومية بكَمٍّ هائل ومتنوع من السجلات التي نتجت عن نشاط الدواوين والمؤسسات في فترة حكم محمد علي من (1220هـ / 1805م) إلي (1264هـ / 1848م)، والتي لم يُكشف عن الكثير منها، ولم يُسْتَفَدْ منها في إثراء الدراسات الوثائقية والتاريخية بعد.
ومن أهم النوعيات المتميزة من هذه السجلات تلك التي نتجت عن نشاط أهم مؤسسة لعبت دورًا أساسيًّا في مجال التخطيط والتطور العمراني لمدينة الإسكندرية وهي ما يعرف بـ»مجلس أورناتو الإسكندرية»‬ الذي تُغطي سجلاته الفترة التاريخية من 12 ربيع أول 1264هـ - 17 فبراير 1848م إلي 8 محرم 1273هـ - 8 سبتمبر 1856م.

  ترجع أهمية الموضوع إلي عدة عوامل:
- أن هذه السجلات لم يسبق دراستها وثائقيًّا أو أرشيفيًّا ولم يتم نشرها من قبل.
- تكشف تلك السجلات عن نوعية جديدة من الوثائق التي تتعلق بالتنظيم والتخطيط للمباني والشوارع.
- تُعرِّف بالقواعد التنظيمية والإجراءات والاشتراطات البنائية والتخطيطية والضوابط التي وضعها مجلس الأورناتو عند بناء مبانٍ جديدة -أو تعمير مبانٍ قديمة- وكيفية معاقبة مخالفي هذه القواعد والإجراءات.
- اشتمالها علي معلومات تفيد في مجالات مختلفة كالوثائق والآثار والتاريخ، وتساعد في الوصول إلي معرفة إجراءات استخراج رُخص البناء، وأسباب منع إصدارها.
- معرفة حركة التطور والتحديث التي قامت في الإسكندرية أثناء تلك الفترة.
- التعرف علي اختصاصات المجلس المتنوعة، التي لم تَقْتَصِرْ فقط علي مجرد الإشراف علي أنشطة العمران؛ بل امتدت إلي كل ما يتعلق بشئون الإسكندرية.
ما الأورناتو ومتي نشأ؟ كيف تم تنظيمه وما هيكله؟ ما اختصاصاته؟ ما القواعد التنظيمية والاشتراطات البنائية التي وضعها الأورناتو لتنظيم المباني والشوارع؟ ما إجراءات منح تراخيص البناء والعمارة؟ هل سجلات الأورناتو لها وسائلُ إيجادٍ تُيَسِّرُ الاطلاع عليها في دار الوثائق القومية، وما مدي مطابقتها للقواعد العلمية والمعايير الدولية؟
وطنيون وأجانب
أنشئ مجلس أورناتو الإسكندرية في جمادي الأولي سنة 1250هـ / سبتمبر 1834م، وهو أوَّلَ المجالس البلدية التي اهتمت بشئون مدينة الإسكندرية في مصر، وذلك في مجال الخدمات والعمران. ويرجع السبب في تأسيس أورناتو الإسكندرية إلي التطور العمراني الهائل والسريع الذي شهدته مدينة الإسكندرية في عهد محمد علي، وازدياد النشاط التجاري بصورة غير مسبوقة؛ فكان علي الحكومة أن تفكِّر في إنشاء مجلس يكون مسئولاً عن النظر والبت في التغيرات العمرانية المتلاحقة، وتنظيم شوارع المدينة وطُرُقِها ومبانيها بما يساعد علي حرية الحركة وسهولة وصول البضائع من الميناء وإليه .
وقد تشكل المجلس في بدايته من القنصل البريطاني رئيسًا، ومعه عدد من رجال الهيئة الحاكمة من المصريين، ومعهم عدد أكبر من الأوروبيين، بالإضافة إلي مهندس متفرغ هو المهندس الإيطالي (فرانسيسكو مانشيني). ثم تولَّي رئاسته بعد ذلك الخواجة اليوناني (توسجه) الذي استقال عام 1264 هـ 1848 م، وفي 26 صفر 1264 هـ 22 فبراير 1848م أُسْنِدَتْ رئاسة المجلس إلي جاليس بك مأمور الاستحكامات، وتم تشكيل المجلس من عنصرين هما: الوطنيون والأجانب. وبلغ عدد أعضائه عشرة أعضاء، ستة من الوطنيين وأربعة من الأجانب.
ويتضح لنا من قائمة أعضاء المجلس أن الأعضاء المصريين كانوا يمثلون رؤساء المصالح المختلفة بالإسكندرية، بالإضافة إلي بعض الذوات من الوجهاء.
ونظرًا لزيادة الأشغال الخاصة بالتنظيم وسرعة إنهاء جميع الأمور المتعلقة بالمدينة صدر في سنة 1288هـ/ 1871م أمر إلي محافظ الإسكندرية بأن ينضم إلي المجلس معاون مجلس الصحة الدكتور باولوكلوتش، ومأمور الاستحكامات، والمهندس مليم من مهندسي التنظيم، ومصطفي أفندي المجدلي الصيدلي، والخواجة جرينيه، والخواجة بلوسي، والخواجة ماوري، والخواجة مايلي، والخواجة كالفرن، حيث نص الأمر علي ذلك لسرعة الانتهاء من أعمال التنظيم المتعلقة.
وضم المجلس إلي جانب هؤلاء المعيَّنين من الوطنيين والأجانب مجموعة من الموظفين الإداريين والفنيين.
وكان يتم تعيين مهندسي المجلس نظرًا لمعرفتهم ومعلوماتهم بأشغال الهندسة، ونظرًا لكثرة الأعمال الموكلة إليهم استعان مهندسو الأورناتو بأهل الخبرة في البناء والعمارة؛ للكشف معهم علي المباني والأراضي، ففي سنة
1268هـ/ 1851م استعان مهندس الأورناتو بالمعلم سليمان حسين للكشف معه علي بعض المحلات الآيلة للسقوط، وحدَّد له مرتبًا مقداره سبعة قروش يوميًّا.
مسميات المجلس
أُطلِق علي مجلس أورناتو الإسكندرية عدة مسميات وردت في سجلات المجلس: مجلس الأورناتو. ديوان الأورناتو. مصلحة الأورناتو. مجلس التنظيم، ومصلحة التنظيم.
ويُلاحظ من دراسة السجلات استخدام أكثر من مُسمَّي داخل السجل الواحد وأحيانًا داخل الوثيقة الواحدة. والأمثلة التالية لفقرات من الوثائق المدوَّنة بالسجلات التي تُوضح استخدام المُسَمَّيين: (مجلس الأورناتو، وديوان الأورناتو) في سِجِل 1017 صادر:
- وثيقة بتاريخ 4 جمادي الآخرة 1264/8مايو1848م »‬إن الأوضة التي عطيت بسراي المرحوم محرم بك لمجلس الأورناتو».
- وثيقة بتاريخ 6 ربيع آخر 1264/12مارس1848م »‬الذي عليه إمضاء وأختام أرباب الجمعية محفوظ بديوان الأورناتو».
كما توضح الوثيقة التالية استخدام المسميات المختلفة للمجلس: (مصلحة الأورناتو، ومجلس التنظيم، ومصلحة التنظيم) في وثيقة واحدة
بتاريخ 29 جمادي الآخرة 1280هـ:
- »‬عند انعقاد مجلس التنظيم يكون حاضر.... واللازم لاستقامة أركان مصلحة الأورناتو علي قواعدها..... أن وجودهم في الجمعية المذكورة من ضروريات مصلحة التنظيم».
لكن المسمي الذي استُخْدِمَ بكثرة في الوثائق والمصادر وكُتِبَ في عناوين صفحات السجلات هو »‬مجلس الأورناتو».
اتخذ المجلس من سراي المرحوم مُحَرَّم بك مقرًّا له، وهي السراي التي اشترتها الحكومة سنة 1265هـ/ 1848م واتخذتها مقرًّا لعدة دواوين، منه ديوان التجارة الخارجية، وديوان البحرية.
اختصاصات مجلس أورناتو الإسكندرية
تعددت اختصاصات مجلس الأورناتو؛ فلم تَقْتَصِرْ فقط علي مجرد الإشراف علي أنشطة العمران؛ بل امتدَّت إلي كل ما يتعلق بشئون مدينة الإسكندرية.
الكشف علي الأراضي التي يريد أصحابها البناء عليها والمباني التي تحتاج إلي تعمير أو ترميم، وذلك من خلال قيام مهندس الأورناتو بمعاينة الأرض المطلوب البناء عليها، أو البناء المطلوب ترميمه أو تعميره، وتقديم تقرير وافٍ للمجلس لاتخاذ القرار. وكان المجلس يقرر الترخيص بالبناء أو العمارة أو منعه بعد مراجعة الخرائط المُعَدَّة للشوارع والحارات، وفقًا لقواعد التنظيم والنص التالي يوضح ذلك »‬قد صار الكشف علي أرض مقدميه فوجدت كاينة بحاره الفراهده بجوار سيدي أبو الفتح الواسطي بباب سدره..... وبتلاوة ذلك بالجمعية مع مطالعة الخرطة انحط القرار علي أنه يُرخَّص له في البناء..... حكم المخطط بالخارطة».
مراقبة جودة أعمال البناء، ومراعاة أصول الصنعة فيها، وبحث التعدِّيات علي المباني والشوارع، والكشف علي المباني المخالفة لقواعد التنظيم، وإيقاف البناء فيها، وذلك من خلال تقديم عرضحال للمجلس أو لديوان المحافظة لاتخاذ اللازم في حالة المخالفات.
الكشف علي المباني والحيطان الآيلة للسقوط، وذلك بالتعاون مع مصلحة الضبطية ومصلحة الأبنية، فقد كان مهندس الأورناتو يقوم بالكشف علي المباني الآيلة للسقوط ومعه أحد أهل الخبرة في البناء وأحد معاوني الضبطية، ويقومون بإعداد قائمة بالمباني التي يَلْزَمُ هدمُها، وتقوم مصلحة الضبطية بالتعاون مع ديوان الأبنية بهدم المباني الموجودة بالقائمة.
تثمين الأراضي والمباني الخالية. المحافظة علي مصادر المياه في الإسكندرية، المتمثلة في الصهاريج وعيون المياه ومجاري المياه العذبة، وذلك بالتنسيق مع مصلحة الاستحكامات، فقد راعي المجلس ألاَّ يكون هناك تعارض بين إقامة أو تشييد المباني والمحافظة علي مصادر المياه في ضوء حركة التعمير والبناء التي شهدتها الإسكندرية في هذه الفترة، وذلك بمنع البناء في حالة وجود صهاريج ومجارٍ للمياه إلا بعد الاستعلام من مصلحة الاستحكامات، وفي حالة الموافقة يتم البناء وفقًا للشروط التي نَصَّتْ عليها لائحة الصهاريج، ويؤخذ من صاحب الأرض سند مدموغ ومختوم بختمه بالشروط التي يجب أن يتبعها في البناء ويحتفظ بها في المجلس.
وكان مهندس الأورناتو يقوم برفقة شيخ البَيَّارة بالمرور علي الصهاريج والآبار؛ للتأكد من نظافتها وصلاحيتها، ويقدم إلي المجلس تقريرًا عن حالتها، ويتولي عمل الرسم اللازم لأية مجارٍ جديدة للمياه في حالة إخطاره بذلك من جانب المجلس.
عمل المقايسات وإعداد الرسومات والتصميمات. وتُعتبر هذه المرحلة هي المرحلة السابقة لأعمال البناء الفعلية، ويتحقق منها تحديد الحدود الشرعية والقانونية للأرض، وضمان عدم اختلاط الحدود مع الجيران، واستخراج المساحات بدِقَّة؛ تمهيدًا لإعداد الرسومات، حيث لا بُدَّ قبل إعداد الرسم أو التصميم لأي بناء- من أن يكون بين يَدَي المهندس قياس دقيق لأضلاع قطعة الأرض، ومن ذلك تكليف مهندس الأورناتو بعمل مقايسة ورسومات قطعة الأرض المتعلقة براغب بك الكائنة بالمنية الغربية.
النظر في المنازعات القائمة بين الأهالي المصريين أو بين المواطنين المصريين والأجانب المتعلقة بحدود الأراضي بسبب التداخل بينهما، وذلك من خلال توجُّه مهندس الأورناتو ومعه مجموعة من أهل الخبرة للكشف علي الأرض أو البناء القائم عليه النزاع والتحقيق في ذلك، ومن ذلك توجُّه مهندس الأورناتو ومعه مهندس الأبنية وغيره من أهل الخبرة للكشف والتحقيق في النزاع القائم بين حنفي ناظر وقف جامع العطارين، وإسماعيل أبو سيف علي أرض رمال أبو قير؛ حيث إن ناظر الوقف يذكر أن الأرض حق الواقف، بينما يذكر الشيخ أنها ملكه، وكل منهما بيده حُجَّة. كما نظر المجلس في المنازعات التي كانت تحدث بين طائفة البنايين والنجارين وأصحاب العمارات، وذلك عن طريق لائحة خاصة بذلك، تَمَّ تنظيمها بمجلس محافظة إسكندرية.
- تنظيم شبكة الشوارع وتوسيعها وشق طرق وشوارع جديدة وذلك من خلال: القرارات: إصدارُ المجلسِ الأوامرَ بازالة المباني التي بها تعديات علي الطرق، ورفضه إعطاء رخص بناء وعمارة مخالفة للشروط الخاصة بتنظيم الطرق والشوارع، ومن ذلك رفض المجلس إعطاء رخصة بناء لـ »‬حسن المبسط» لأن أرضه واقعة في قلب السكة المارة من ابتداء جامع الشوربجي إلي الميناء الغربية.
- نزع الملكية: ويحدث ذلك لبعض الأراضي والأماكن؛ إذ يتم أخذها من الأهالي لأجل تنظيم السكك والشوارع، ويتم دفع تعويض كافٍ لمالك الأرض المنزوعة أو العقار لحساب الميري، وذلك بعد التحري عن ضرورة ذلك »‬يقتضي عدم صرف الأراضي الموجودة بداخل الثغر تعلق الميري لأجل إعطاها مقابلة الأراضي التي يصير أخذها من الأهالي لزوم الشوارع والسكك»
- الصيانة: صيانة الطرق والشوارع لحمايتها من التلف وخاصة في فصل الشتاء ووقت نزول المطر، حيث كان تراكم المياه يؤثر علي حركة المارة ووقوف حركة المرور نظرًا لعدم وجود مجار بالمدينة.
ولم تَقْتَصِرْ خطوات المجلس علي بحث إقامة طرق جديدة فحسب؛ بل رأي تعديل الشوارع القديمة، وكان عند إبطال أي طريق أو إقامة طرق جديدة يتخذ قراراته في ضوء احتياجات الاستحكامات والطوابي، وكانت تُعقد أحيانًا اجتماعات مشتركة بين مأمور الاستحكامات ورئيس مجلس الأورناتو للتنسيق في عملية شق الطرق وإقامة المباني، بحيث تخدم الاحتياجات الضرورية لكلتا الجهتين. ففي سنة 1264هـ/ 1848م أرسل ديوان محافظة الإسكندرية إلي مجلس الأورناتو بطلب عقد اجتماع بين مدير المجلس ومأمور الاستحكامات للنظر في إبطال بعض الطرق غير اللازمة وإقامة طرق جديدة، وكذلك لوضع بيان بالطرق التي تقرر المرور فيها والتي لم يتقرر بما يحقق مصالح مجلس الأورناتو والاستحكامات.
ـ تمهيد الطرق: ومن ذلك اهتمام المجلس بتمهيد طريق جمرك الإسكندرية وإزالة العقبات من أمام مرور الوابورات بساحل المحمودية، لما في ذلك من علاقة تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية علي السواء، لذلك تصدي المجلس في اجتماعاته لبحث جميع التعديات التي قام بها الأهالي وطالب بإزالة كافة المخالفات في هذا الصدد. ومن ذلك صدور القرار بإزالة دكان راتب باشا وجميع الدكاكين الموجودة بظهر الجمرك نظرًا لمزاحمتها للسكك والعربيات المارة من الجمرك إلي داخل الإسكندرية والعكس.
النظر في القضايا والعرضحالات
كان مجلس الأورناتو ينظُر في العرضحالات والقضايا التي كانت تُعرض عليه من خلال جمعية مجلس الأورناتو، التي كانت تعقد أسبوعيًّا بديوان داوري، أو كلما تستلزم مقتضيات الأحوال وذلك بحضور:
نُظَّار المصالح ووجوه البلدة »‬أعضاء المجلس». مندوبين من طرف القناصل وقد صدر قرار من المجلس الخصوصي في 29 جمادي الأول سنة 1280هـ بالتأكيد علي حضورهم بسبب عدم امتثال بعض الأوروبيين ومعارضتهم لقرارات المجلس. خدمة قلم الأورناتو ليقدموا القضايا والمشاكل والرسومات ويجيبوا عن الاستفسارات والأسئلة من الأعضاء في بعض القضايا.
ولأجل إعطاء الحكم أو القرار في العرضحالات والقضايا التي تُعرض علي الجمعية كان لا بُدَّ من حضور أربعة أعضاء بها علي الأقل مع رئيس الجمعية، حيث أدي تغيُّب بعض الأعضاء أو عدم مواظبتهم علي حضور اجتماعات الجمعية إلي تعطيل النظر في بعض القضايا والعرضحالات المقدَّمة للمجلس، بالإضافة إلي تأجيل اتخاذ القرارات في بعض القضايا المهمة، مثل تأجيل اتخاذ القرار في الطلب المقدم من جاليس بك مأمور الاستحكامات بجَعْل سكة الصوري اثني عشر مترًا بدلاً من ستة عشر مترًا التي كانت محدَّدة سابقًا؛ وذلك لعدم اكتمال أعضاء الجمعية.
ووردت بسجلات المجلس الكثير من المكاتبات الصادرة من المجلس إلي ديوان داوري إسكندرية وديوان مجلس محافظة الإسكندرية؛ للتنبيه علي أعضاء المجلس بالمواظبة علي حضور اجتماعات الجمعية لإنهاء الأعمال وعدم تعطيلها.
وقد لاقت قرارات المجلس تأييد الحكومة تأييدًا تاماً في جميع المناسبات، وكان محمد علي يحترم قرارات المجلس إلي حد ذهاب القنصل دوهاميل إلي القول بأن الوالي نفسه كان يخضع هو وجميع حكومته لأحكام لجنة التنظيم.
ومن خلال نماذج من القضايا والعرضحالات التي نُظِرَتْ باجتماعات جمعية الأورناتو المنعقدة سنة 1269 هـ وقرارات الجمعية فيها يتضح أن جمعية المجلس كانت تُصدر قراراتها في القضايا والعرضحالات التي تُعرض عليها وفقًا للوائح والخرائط التنظيمية التي وضعها المجلس، وترفض أي طلبات بناء أو عمارة تتعارض مع خطوط التنظيم، كما توضح التعاون بين الأورناتو ومصلحة الاستحكامات فيما يتعلق بتنظيم الشوارع.    
قواعد التنظيم والاشتراطات البنائية
لم يكن بمدينة الإسكندرية حتي تأسيس المجلس خرائط للتنظيم أو لائحة مخصصة لضبط عملية العمران، بل كان الواضح أن العشوائية في البناء هي الطابع السائد، مما جعل المجلس يضع قواعد تنظيمية وضوابط للبناء وتنظيم الشوارع منها علي سبيل المثال:
مراعاة استقامة الشارع عند البناء. إقامة أرصفة أمام المباني لحفظ الطريق وتنظيمه. عدم الخروج عن الحذاء الأصلي والبناء وفقًا لما يُؤشِّر به مهندس الأورناتو. ترك مسافة أربعة أمتار بين البناء والبناء المجاور. هدم الحيطان الآيلة للسقوط وإعادة بنائها علي جدارها القديم الأصلي إذا كان ذلك الجدار لا يخالف موضعه خطوط التنظيم، أما إذا كان مخالفًا فيراعي عند تجديده أن يُبنَي علي الحذا الذي يحدده له مهندس الأورناتو، أو يتبع الأبنية الجديدة التي بجوارها. تباعد المباني عن صهاريج المياه مسافة ستة أمتار؛ حتي لا ينشأ عن ذلك أضرار صحية. منع وضع الأتربة والأنقاض في الطرق والشوارع. جعل الطرق التي تمُرُّ علي ترعة المحمودية بعرض ستة عشر مترًا، وطرق سكة ظهر الجمرك سبعة أمتار ونصف المتر. منع البناء بمنطقة الرمل وسكة الصوري. منع البناء في الشوارع والأزقة الضيقة إذا كان المبني سيؤدي إلي زيادة تضييق الشارع أو سَدِّه أو عدم استقامته، فقد رفض المجلس طلب الشيخ »‬علي اللقاني» ببناء خمسة دكاكين علي قطعة أرض بسوق الميدان؛ لأن الأرض المطلوب البناء عليها علي شارع ضيق لا يمكن البناء فيه، ويجب إبقاؤه براحًا بدون بناء؛ لأجل توسيع الشارع.
 لم تَنْتَظِمْ بها السكك والشوارع أو المطلوبة لتوسيع طريق أو سكة الطالع منها سكة أو شارع. الضرورية كعيون لملء الماء للأهالي. الخارجة عن الحذا المرسوم. اللازمة لإقامة ميادين.
ولكن رغم اهتمام مجلس الأورناتو بوضع قواعد وشروط للبناء فإنه قد ورد بسجلات المجلس الكثير من المخالفات التي ارتكبها الوطنيون والأجانب وتصدي لها المجلس وفرض علي المخالفين لها عقوبات صارمة. وعند اتخاذ مجلس الأورناتو قراره بإزالة أي بناء مخالف يعطي صاحب البناء مدة لإزالته، وعند انقضاء المدة يكشف مرة أخري علي البناء، وإذا ظهر من الكشف أن البناء ما زال قائمًا يرفع المجلس الأمر إلي ديوان الأبنية لتخصيص قزامة لهدمه، وكان بعض الأهالي يعترضون علي قرارات الإزالة ويقدمون عرضحالات للمجلس يطلبون فيها إعادة الكشف، فبعد إخطار السيد محمد بدر الدين بقرار الجمعية بهدم حائط بناه في منزله قدم عرضحالاً للمجلس ووضح به أن الحائط المطلوب هدمه مركب عليه أكثر محلات منزله، وإذا هُدم يحصل له ضرر، وبناءً علي تظلمه صدر قرار بإعادة الكشف علي الحائط مرة أخري بحضور أعضاء المجلس.
ونظرًا لكثرة المخالفات ولقيام البنائين بإجراء أبنية مخالفة لقواعد التنظيم وبدون الاطلاع علي رخصة البناء، فقد صدر أمر إلي مصلحة الأبنية بالتنبيه علي البنائين بالآتي »‬عدم إجراء أية تعميرات أو بنايات إلا من بعد اطلاعهم علي رخصة الأورناتو وتوريه التعريفات اللازمة لهم بمعرفة مهندس الأورناتو؛ لأجل منع إجراء مخالفات من أول ابتداها أو ربما لا يطلع عليها إلا بعد نهوها لكثرة الأشغال المنوطة به».
إجراءات منح تراخيص البناء والعمارة
توضح لنا الوثائق المدونة بسجلات مجلس الأورناتو أن منح تراخيص البناء والعمارة كان يتم بعد المرور بالإجراءات التالية:
المرحلة الأولي: يجب علي كل شخص يرغب في إنشاء بناء جديد أو عمارة وترميم بناء قديم أو إحداث طبقات به أن يقدم عرضحالاً أو طلبًا للمجلس، ويحدد فيه مكان الأرض التي يريد البناء عليها ونوعية البناء، ويرفق مع الطلب رسم قطعة الأرض، أما إذا كان يريد تعمير أو ترميم جهة فيحدد نوعية الأعمال التي يريد أعمالها: هل هي كسوة حيطان أو تبييضها أو فتح باب أو هدم بعض الحوائط، ويكون الطلب أو العرضحال في شأن بناء واحد وليس عدة أماكن »‬شرح علي عرض مقدم من عمر قبودان... الذي يريد تبييضه وتعمير غرفة وتصليح بعض محلاته».
المرحلة الثانية: توجُّه مهندس الأورناتو للكشف علي الأرض المطلوب البناء عليها أو الجهة المطلوب تعميرها، ويحرر تقريرًا وافيًا عنها ويقدمه إلي المجلس.
المرحلة الثالثة: مخاطبة المجلس لكل من المحكمة الشرعية للتأكد من ملكية الأرض، ومصلحة الاستحكامات للاستعلام منها عن الموانع من إقامة البناء كأن تكون الأرض واقعة في نطاق الاستحكامات، أو بها صهاريج أو سواقٍ ميرية.
المرحلة الرابعة: تَلَقِّي الرد من المحكمة الشرعية ومصلحة الاستحكامات والاطلاع علي تقرير مهندس الأورناتو والخرائط ومداولة الأمر.
بجمعية الأورناتو وإصدار القرار بالموافقة علي استخراج الرخصة أو الرفض »‬فبالمداولة عن ذلك بالجمعية والنظر في الخارطة روي أن يرخص إليه في البناء».
المرحلة الخامسة: مخاطبة مجلس الأورناتو لديوان محافظة الإسكندرية بالقرارات؛ ليُصدِّق عليها التصديق النهائي.
المرحلة السادسة: تدوين القرارات في سجلات قيد قرارات جمعية مجلس الأورناتو.
المرحلة السابعة: استخراج الرخصة من ديوان الأبنية.
سجلات مجلس الأورناتو
تُعدُّ سجلات مجلس أورناتو الإسكندرية سلسلة فرعية من المتكاملة الأرشيفية لديوان محافظة الإسكندرية، ويبلغ عدد سجلاته أحد عشر سجلاًّ تغطي الفترة التاريخية من 12 ربيع الأول سنة 1264هـ - 17 فبراير 1847م، إلي 8 محرم 1273هـ - 8 سبتمبر 1856م ومحفوظة بدار الوثائق القومية بمخزن سيادية 2.
ولكن السؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو: متي بدأ القيد في سجلات مجلس الأورناتو؟ والإجابة: أنه من الصعب تحديد بدء القيد في هذه السجلات علي الرغم من أن نشأة الديوان تعود إلي عام 1250هـ/ 1834م، ولكن لم ترد سجلات ترجع إلي هذا التاريخ، وأقدم سجل وصل إلينا ودُوِّنَتْ به وثائق بمجلس الأورناتو ومحفوظ بدار الوثائق القومية هو سجل رقم 1018 وارد، ويغطي الفترة التاريخية من 12 ربيع الأول 1264 إلي 25 جمادي الآخرة 1264هـ، أي بعد نشأة المجلس بحوالي ثلاثة عشر عامًا تقريبًا.
يبلغ عدد سجلات مجلس أورناتو الإسكندرية أحد عشر سجلاً، وتقسيم هذه السجلات كالتالي:-
القسم الأول: سجلات الصادر
يبلغ عدد سجلات الصادر ستة سجلات، تاريخ أول سجل من 21 ربيع الأول 1264هـ/ إلي 11 شوال 1264هـ، وآخر سجل تاريخه 20 ذو الحجة 1270هـ - 28 ربيع الأول 1271هـ.
ويُقيَّد في هذه السجلات نسخ الوثائق الأصلية الصادرة من المجلس إلي الدواوين والمصالح المتعددة بالإسكندرية، والتي لها علاقة بمجلس الأورناتو مثل:-
ديوان داوري إسكندرية - ديوان محافظة الإسكندرية- مصلحة الأبنية ديوان بحرية - وتحتوي السجلات علي موضوعات متنوعة مثل: ترخيص بالبناء - كشف علي أرض ومبانٍ - إزالة وهدم مبانٍ - منع الترخيص بالبناء  ترتيب السكك والشوارع  تحديد حدود - فتح شبابيك وأبواب - عمل رسومات - ترميم - تحقيق ملكية، بالإضافة إلي ما يرد في تلك السجلات من موضوعات تتعلق ببيان الأصناف المطلوبة للمجلس - ترميم حجرة المجلس- تعيين كاتب.
القسم الثاني: سجلات الوارد
يبلغ عدد سجلات الوارد أربعة سجلات، تاريخ أول سجل 12 ربيع الأول 1264هـ إلي 25 جمادي الآخرة 1264 وآخر سجل 25 شوال 1272هـ إلي 8 محرم 1273هـ.
ويُقَيَّد في هذه السجلات نسخ الوثائق الأصلية الواردة إلي المجلس من الدواوين والمصالح المتعددة بالإسكندرية، والتي لها علاقة بمجلس الأورناتو، مثل: ديوان محافظة الإسكندرية- ديوان البحرية  ديوان داوري، وتحتوي السجلات علي موضوعات متنوعة مثل: كشف علي أراضٍ ومبانٍ  مقايسات  تثمين أراضٍ  إزالة عشش - صرف بدل أراضٍ - انتخاب أعضاء للمجلس.
القسم الثالث: سجلات قيد قرارات
 جمعية مجلس الأورناتو.
وقوامها سجل واحد تاريخه من 26 ذو القعدة 1268هـ إلي 22 ذو القعدة 1269هـ ومقيد في هذا السجل قرارات جمعية المجلس في القضايا والعرضحالات التي كانت تُنْظَرُ بالجمعية.
وقد أمدتنا هذه السجلات بمعلومات مهمة عن: القواعد التنظيمية والإجراءات والاشتراطات البنائية والتخطيطية والضوابط التي وضعها المجلس عند بناء مبان جديدة  أو تعمير مبان قديمة. إجراءات منح تراخيص البناء والعمارة. اختصاصات المجلس ودوره في الإشراف علي أنشطة العمران بمدينة الإسكندرية. عكست هذه السجلات شكل التعاون الذي كان قائما بين مجلس الاورناتو وجميع المصالح الأخري بالإسكندرية التي تولت النظر في شئون المباني والفصل في قضاياها المتمثلة في ( مصلحة الاستحكامات  مصلحة الابنية  مصلحة الضبطية الشرعية ) لتصبح مدينة متطورة ثم تخطيط مبانيها وشوارعها علي أسس هندسية سليمة.
الصورة المصاحبة للموضوع من كتاب »‬ ذاكرة الإسكندريةالفوتوغرافية» الصادر عن مكتبة الإسكندرية.