رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 29 )


محمود الورداني Mah_elwardany@yahoo.com
9/30/2017 12:24:07 PM

سوف أؤجل قليلا التقليب في أوراق الكنز الذي في حوزتي، والمتضمن كثيرا من مجلات وأوراق السبعينيات المطبوعة بطريقة الماستر الفقيرة، كما أن هناك بعضا من تلك المجلات والأوراق كانت مطبوعة فعلا لكنها طباعة بالغة الفقر مثل مجلة الثقافة الوطنية ومجلة خطوة.
وسبب التأجيل يعود إلي رغبتي في استكمال ملامح عقد السبعينيات، والذي أعتبره أكثر العقود درامية، لأنه شهد أكبر عملية تجريف للثقافة المصرية، كما شهد انقلابات سياسية واجتماعية عاصفة.
سأذكر عناوين فقط لما جري. هو مثلا عقد حركة الطلاب واعتصامهم الشهير الذي أمتد لما يقرب من شهر، بين أواخر ديسمبر 1971 و يناير 1972وفي القاعة الكبري لجامعة القاهرة، وانتهي باعتقال مايقرب من 1000 من الطلاب المعتصمين لمطالب تتعلق بذلك الوطن المحتل، وقد شرُفت بالمشاركة فيه. وهو العقد الذي شهد جريمة النظام عندما استعان بطلاب الصحوة الإسلامية وسلحهم ودربهم علي القتال لتصفية نفوذ الطلاب اليساريين في الجامعات المصرية، وكان ذلك بداية اللعب بالنار، وانتهت اللعبة كما هو معروف باغتيال السادات نفسه في نهاية العقد.
هو العقد الذي شهد أول بيان للمثقفين ضد حالة اللاسلم واللاحرب واستمرار الاحتلال، ووقعه أسماء مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض وأمل دنقل وغالي شكري، وحسبما كتب الأخير في كتاب بالغ الأهمية علي الرغم من صغرحجمه وهو"من الأرشيف السري للثقافة المصرية" فإن جميع الصحف المصرية، نشرت في صدر صفحاتها الأولي صباح 4 فبراير 1973 خبرا يتضمن قرارا من لجنة اسمها لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي، بفصل مجموعة من أهم المفكرين والكتاب الذين وقعوا علي البيان المشار إليه. وكان لافتا للنظر أن الأسماء المنشورة كانت ثلاثية مما يعني أنها أسماء مأخوذة من كشوفات وزارة الداخلية، فضلا عن أن هؤلاء ليسوا أعضاء أصلا في الاتحاد الاشتراكي، لكن كان المعني هو فصلهم من أعمالهم ككتاب وصحفيين، وتردد أن هناك  "عقلاء" في النظام أشاروا علي السادات في اللحظة الأخيرة،  برفع اسمي توفيق الحكيم ونجيب محفوظ من القائمة تجنبا للفضيحة، وإن كان قد تم فصلهم فعلا. وطبقا لغالي شكري فإن عدد الأسماء التي تم عزلها آنذاك كان 111 كاتبا.
صحيح أن السادات أعادهم قبل حرب اكتوبر بأيام قليلة، مثلما أفرج عمن تبقي من الطلاب المشاركين في الاعتصام المشار إليه.، لكن الصدام كان قد وقع من ناحية، كما أن جحافل المنافقين وأرباع الكتاب وعديمي الموهبة والمديوكر كانوا قد اجتاحوا المواقع الثقافية المختلفة وشغلوها بقيادة الجنرال يوسف السباعي من ناحية أخري.
هو أيضا الذي شهد أوسع وأشمل حركة هجرة للكتاب والصحفيين فيما عُرف بظاهرة الطيور المهاجرة، وفقدت مصر مجموعة ضخمة من عقولها ومبدعيها اضطرت وأجبرت علي الخروج.
هو أيضا العقد الذي شهد الانفتاح الاقتصادي السداح مداح، وشهد خروج الملايين للعمل في الخليج، وليس بخاف حجم تأثيرهم الضاري أثناء وجودهم وبعد عودتهم، لنتأمل فقط انتشار الحجاب والجلباب وتجريف الأرض الزراعية والنمو الأكثر ضراوة للعشوائيات وسينما المقاولات وأغاني عدوية..إلخ
  وشهد أيضا أول محاولة ديكورية لتفكيك الاتحاد الاشتراكي وبدء تجربة المنابر. وشهد حملات الاعتقالات المتوالية لليساريين، وفي الوقت نفسه الإفراج عن الإخوان المسلمين والسماح لهم بممارسة كامل نشاطهم ودعايتهم، مع التضييق وحجب ومصادرة الاتجاهات والتيارات التقدمية. شهد أيضا اختطاف محاولة الكتاب المستقلين لتأسيس اتحاد كتاب وطني ديمقراطي وإقامة أردأ اتحاد كتاب في العالم مازلنا نعاني من تشوهه حتي الآن.
 شهد مثلا نشر ثروت أباظة في الأهرام قصة اسمها »الشيوعي»‬ ، وناهيك عن ركاكتها وتفاهتها إلا أن الهجوم علي المختلفين كان قد وصل إلي زُري غير مسبوقة، حتي أن إبراهيم الورداني قدم بلاغ نشره في جريدة الجمهورية يتهم أكثر من مائة كاتب بالانتماء لتنظيم سري يسعي لقلب نظام الحكم لأنهم نشروا نعيا في الأهرام تضمن أسماءهم عندما مات يحيي الطاهر عبد الله!! الورداني لم يكتف بمجرد الإشارة لكنه أعاد نشر الأسماء وطالب أجهزة الأمن بأن تشوف شغلها وتقبض علي أصحاب الأسماء.
وشهد أيضا عزل هيئة تحرير مجلة الكاتب التقدمية، ثم التضييق علي مجلة الطليعة حتي تماقلبهاب وتحويلها إلي مجلة الشباب وعلوم المستقبل!!
تلك عناوين، مجرد عناوين سريعة ربما توضح إلي أي حد كان عقد السبعينيات فاصلا ودراميا.
أواصل الأسبوع المقبل إذا امتد الأجل..