رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

تهجين فوضي المكتبة


للفنان : «arl Spitzwag

للفنان : «arl Spitzwag

خليل صويلح
9/30/2017 12:29:16 PM

هناك كتب أقرب ما تكون إلي ذبيحة لغوية بأحشاء مكشوفة ورائحة عطنة، تدعوك إلي النفور من محتوياتها، ورائحة أفكارها، بمجرد تصفحها علي عجل، وكتبُ تجذبك إليها من السطر الأول. يذكر غابرييل غارسيا ماركيز أنه استعار من أحد أصدقائه كتاباً لفرانز كافكا، وحين بدأ بقراءة »المسخ»‬ أُصيب بالذهول والدهشة. كان السطر الأول من الرواية يبدأ علي النحو التالي» استيقظ غريغور سامسا  صباح ذلك اليوم من كوابيسه، ووجد نفسه وقد تحوّل إلي حشرة ضخمة». يعلّق ماركيز» لم أنم بعدها أبدًا بسكينتي السابقة. لقد حدّد الكتاب اتجاهًا جديدًا لحياتي منذ السطر الأول». هذا الدرس سيحفظه ماركيز جيّداً، فهو كان يعتبر أن السطر الأول، إن لم يكن صحيحاً، فإن كل ما يليه سيكون بلا فائدة، لذلك كان يصرف سنةً كاملة علي كتابة الفصل الأول من الرواية، وما إن ينتهي منه فإنه  ينجز ما تبقّي من الكتاب بسرعة قياسية. 

1
تقطير الجملة الأولي وكثافتها مغناطيس للجاذبية والشغف لدي المتلقي. شاعر مثل محمود درويش لا يتردّد بالقول في وصف شعرية المتنبي »‬ كل ما أردت أن أقوله قاله هو في نصف بيت: علي قلقٍ كأن الريح تحتي»، ويضيف مؤكداً» لأن المتنبي أعظم شاعر في تاريخ اللغة العربية، وهو كما يبدو لي تلخيص لكل الشعر العربي الذي سبقه، و تأسيس لكل ما لحقه». ما نحتاجه إذاً، تلخيص المكتبة بما يوازي تلخيص المتنبي في الشعر، تشذيب الرفوف من الأوزان الثقيلة للورق، وهباء الحبر، وجفاف المخيّلة. ورغم هول كلمة »‬مذبحة» إلا أن المكتبة تحتاجها بين فترةٍ وأخري، كنوع من الاصطفاء الطبيعي الضروري للكتب التي تتكئ علي عكاز الأكاذيب وفقر الدم  وتصلّب الشرايين، ضباع الموهبة. الكتب التي تعلن عن ركاكتها من نظرة خاطفة إلي الفهرس، أو إلي الإهداء، أو السيرة الذاتية لصاحبها. بريق السطر الأول وضعني في ورطة قراءة هذا الكتاب أو ذاك. الإصغاء إلي رنين الجملة الأولي، يضعك في اختبار الصعود إلي حافلة الكلمات بثقةٍ، أو إلغاء الرحلة.   
2
الجسد مقابل القراءة!
هكذا عقد الصبي المراهق »‬ميخائيل بيرغ» اتفاقاً مع قاطعة التذاكر في الحافلة العمومية »‬هانا شميتز» بعد اغواءات صريحة. قسمة عادلة بحق. فحم أسود، ورغوة صابون بيضاء. الحمّام كمكان للاشتهاء، والصالة كمكان للقراءة. حالة انتصاب متبادلة، أية بهجة استثنائية أن تنصت تلك المرأة الغامضة التي لا تجيد القراءة والكتابة إلي صوت الصبي المحموم، وهو يقرأ لها كتب الأدب؟ لن نلتفت إلي جرائم النازية، وآثام الحرب العالمية الثانية، وأجواء المحاكمات في خلفية رواية »‬القارئ» للألماني برنهاد شلينك. فقط سننتبه إلي كفتي الميزان وهما تتأرجحان بنشوة الجسد من جهة، والارتحال مع موسيقي الكلمات من جهةٍ ثانية. تبحر المرأة مع »‬أوديسة» هوميروس، فيما يكتشف الصبي المتعة المحرّمة بالطاقة القصوي. يأتي مندفعاً إلي بيتها بذرائع مختلفة كي يتذوّق طعم فاكهتها، فيما تنصت هي بانتباه إلي شرايين الكلمات المفتوحة، وهي تنبض بإيقاعات متوترة. كلاهما يحلم بإيثاكا خاصة به. يغرق الصبي بخريطة الجسد وجزره المجهولة ونتوءاته السحرية، وتسافر المرأة في رنين الكلمات وعذوبتها إلي نشوة موازية. في رواية »‬القارئ» نقع دفعةً واحدة علي منطقة اللذة بوجهيها المعرفي والحسّي: خذ جسدي وامنحني الكلمات. بهذا المعني تهمس المرأة بأذن الصبي، فيما يتعلّق الصبي بها بجنون وشبق بما يوازي هوسها في الإنصات إلي محتويات الكتب، في نزهات طويلة: القراءة تسبق ممارسة الحب. علاقة مشروطة في كسر دائرة الحرمان المتبادل، تنتهي باختفاء المرأة فجأة، وصعوبة العثور عليها، رغم أن طيفها لا يفارق مرآة ميخائيل أبداً.
صفحة الكتاب جسد مفتوح علي اللذّة أيضاً: لذّة القراءة وشبق الكلمات، إلي أن يسيل الحبر في الأوردة والشرايين.
3
(في غرفة طينية عند تخوم الصحراء، قرأت رواية »‬الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي علي ضوء مصباح الكاز، لكنها مازالت تشعُّ في أعماقي، مثل نجمة).
4
استغربتُ وجود الجزء الأول من »‬الكوميديا الإلهية» لدانتي، في مكتبة شخص أبله وغبي وعديم الموهبة، فقررت استعارته منه إلي الأبد. لم أقرأ الجزء الثاني كاملاً إلي اليوم.
5
قرأت »‬تحت ظلال الزيزفون» لمصطفي لطفي المنفلوطي بالمصادفة، في خيمة، خلال معسكّر للتدريب الجامعي، عند حدود البادية، ووجدت »‬جسر علي نهر درينا» لليوغسلافي إيفو أندرتش، أحد أروع الكتب التي قرأتها أثناء الخدمة الإلزامية، في مكتبة للجيش، لا يدخلها أحد.
6
مأزق كتب السيرة الذاتية العربية- باستثناء »‬الخبز الحافي» لمحمد شكري- أنها مكتوبة بحبر معقّم من خشونة العيش ودهاليز الحياة السريّة لأصحابها. سيرة تفتقد إلي ما ندعوه: كتابة باللحم الحيّ.
7
ضرورة أن ننظر بجديّة إلي مقولة رولان بارت »‬البحث عمّا ليس يومياً في الحياة اليومية»، لاكتشاف »‬التاريخي الذي يعتمل خلفه».
8
لكلٍ منّا شجرة نسب في القراءة. أفضل الكتب تلك التي ولدت من علاقة محرّمة بين اللغة والمخيّلة.
9
لست متأكداً تماماً، بأنني قرأت »‬آلام فارتر» لغوته، فأنا لا أتذكّر سطراً واحداً من رسائل ذلك العاشق المحزون الذي انتهي منتحراً، لكن ندبة ما، لم تغادر روحي جراء ذلك، إلي اليوم.
10
كنتُ ذلك الفتي النحيل الذي يذهب إلي مكتبة المركز الثقافي في ناحية صغيرة، أثناء الفرصة، بين حصتين دراسيتين، لاستعارة كتابٍ ما.
في الظهيرة أعبر جسراً خشبياً متهالكاً علي دراجة هوائية عائداً إلي قرية صحراوية. أقرأ بنهمٍ، وسط ثغاء أغنام حول المعلف.
11
الكتب التي قرأناها باكراً: صفحات ممحوّة، وعناوين فقط: »‬الأجنحة المتكسّرة» لجبران خليل جبران مثلاً.
12
كانت المخطوطات النفيسة، تُكتب بماء الذهب، علي جلد غزال.  
13
أول ما تقوم به دورية أمنيّة، أثناء اقتحام بيت أحد المطلوبين، إحداث الفوضي في المكتبة، بوصفها أساس البلاء!
14
كتب »‬البيست سيلر»، أغلبها، محارم ورقية تصلح للاستعمال لمرّة واحدة.
15
كتب لا تزني باللغة، لا تتوغل في الأحراش الكثيفة المعتمة، لا تحدث طوفاناً، لا يعوّل عليها.
16
»‬أحببت كثيراً تعبير بيبليوغرافيا- ذاتية. ماذا يعنيه هذا التأويل في نهاية المطاف، غير سلسلة قراءات؟ أكتب من أجل التحدّث عن أعمال تأثرت بها، ما تبقي، يعد مجرد ركاكة، أودّ القول: أدباً، لذلك أحب بهذا الخصوص كل الكتّاب- القارئين، وعددهم ليس بالوافر، حين تأملنا المسألة. إن ما يدفعهم أساساً للكتابة، امتنانهم لتلك الأعمال التي انبهروا بها». حسب ما يقوله عبد الفتاح كيليطو إذاً، فإن ميراث الكاتب يتمثّل بسلسلة قراءات في المقام الأول، وذلك باستعادة لذّة طحين الآخرين قبل عجنه بأصابع أخري، ووشم مختلف، في عملية لا نهائية، وكأن رفوف المكتبة صخرة سيزيف موازية.
 17
هل تجوز قراءة كتب الجاحظ بغرض تعلّم اللغة العربية، مع ما تحتويه هذه الكتب من تجديف؟
(سؤال موجّه إلي أحد الدعاة في موقع الكتروني متخصص بالعقيدة الإسلامية »‬الساعة 4،38 بتوقيت مكة»).
*
إن استطعتم أن يكون كلامكم كلّه مثل التوقيع فافعلوا!
الجاحظ - البيان والتبيين
18
 لن يأتي يوم نري فيه ركّاب الحافلات العمومية منشغلين بقراءة الكتب، بدلاً من الشتائم، والتحرّش، والنظرات المريبة لمن يتأبط كتاباً.
 انتبه، لا تكن مخدوعاً، فأنت في الميكرو، وليس في المترو.
 19
في الأمس: قافلة من الجِمال محمَّلة بالمخطوطات النفيسة
اليوم: قافلة من البغال محمَّلة بالأسلحة والمخدّرات.
20
أحاول تصوّر مشهد ترحيل جثمان ابن رشد من مراكش إلي قرطبة: »‬ وُضع الجثمان علي الدابة في جهةٍ، وفي الجهة الأخري كُتب الفيلسوف ليستقيم الحمل».
 رحلة نفي العقل، لم تتوقّف يوماً.
21
كان تزفيتان تودوروف قد نبّه بحسم إلي أن »‬الأدب في خطر»، مؤكداً علي الدور التخريبي للنقّاد في عزل الأدب عن القارئ العادي، والاكتفاء بمناقشات مغلقة ومغرقة بالمصطلحات والألغاز، وكأن الأمر لا يعني أحداً سواهم، كما أشار إلي احتضار العملية التربوية في تدريب الذائقة علي اكتشاف المعني، من دون وصفات نقدية جاهزة.
الآن، ربما علينا أن نستغيث: »‬القارئ في خطر»، ذلك أن معظم قرّاء اليوم تحوّلوا إلي كتّاب، وكأن حصة القراءة التي خبروها علي عجل، كانت مجرد دورة تدريبية مبسّطة للدخول إلي نادي النخبة، فالكتابة، لفرط الركاكة العمومية التي تحيط بنا، باتت بلا أسوار أو حرّاس. منطقة مستباحة بفائض اللغة الاستعمالية التي لا ترقي إلي عتبة البلاغة في طبقتها الأولي، وهو ما شجّع بعض هواة القراءة علي اقتحام حقل الكتابة ببذور فاسدة، وبعض الأسمدة الزراعية وهتافات الأصدقاء، لكن فحصاً سريعاً لهذه النباتات الطفيلية يكشف عن سبخٍ صريح في نوعية التربة.
22
  رواية »‬فساد الأمكنة» لصبري موسي: تيه في صحراء غارقة في الأسطورة والألغاز، أقدار غامضة، مسالك وعرة، فتنة تخييلية.
 في رواية لاحقة هي »‬حادث النصف متر» سيستبدل هذا الخلاء الشاسع بحيّزٍ ضيق لا يتجاوز نصف مترٍ مربع، ملخِصَاً حكاية حب بكامل ندوبها وآثامها.
23
بعض عناوين الكتب تستدعي منك أن تهتف: هذه ضربة معلّم! لكن ما أن تتوغل في المتن قليلاً، حتي تندم علي تلك الحماسة.
 24
عندما يُكتب اسم الروائي علي غلاف كتابه بحجم أكبر من عنوان روايته، هذا يعني ببساطة أنه نجيب محفوظ آخر
25
بعض النصوص »‬الإبداعية» أو ما يتهيأ لأصحابها بأنها كذلك تشبه ترجمة »‬غوغل» لعبارةٍ ما.
26
هناك أيضاً، الكتب التي تذهب إلي التقاعد المبكّر، غير مأسوف عليها، مثل جنود مهزومين وخوَنة، بثياب رثّة، وفقر دم مزمن، وهشاشة عظام. كتب تُوضع في العليّة »‬السقيفة»، إلي جانب الخردة المنسيّة، لا يحاورها أحد، عدا الرطوبة والحشرات.
27
كتاب »‬ طوق الحمامة في الألفة والآلاف» لابن حزم الأندلسي: اقتنيته من مستودع مكتبة »‬اللواء» في القامشلي، قبل ثلاثين عاماً. ألجأ إليه كلما نسيت علامات الحب: هل الهيام يسبق الدنف أم العكس؟  
28
الكتب التي يخبئها أصحابها، في الرفوف العليا للمكتبة، خلف كتبٍ أخري، أقلَّ خطراً. تلك الكتب الأكثر هرطقةً وفحشاً، تحتاج إلي تهوية، بين حينٍ وآخر، كما لو كانت صنفاً نفيساً من السجّاد الفارسي، بدلاً من وأدها في العتمة.
29
الذين يحاكمون كتاباً ما، بتهمة »‬خدش الحياء العام» هم أكثر من يقرأ هذا الكتاب بلذّة قصوي.
 
(أهداني محرّك البحث »‬غوغل»: 119000 قضية، فيما يخص عبارة »‬خدش الحياء العام»، معظمها محاكمات لكتّاب أُدينوا بهذه التهمة التاريخية الجاهزة).
30
»‬ كانت الحياة تتفتح أمامنا مثل ذيل طاووس». هكذا يصفعنا برناردو أتشاغا بجملة سحرية، ستنفتح علي صفعات أخري بالحمّي البلاغية نفسها. هناك أيضاً حكاية الحرذون الذي يدخل من الأذن ويقضم أعشاب الدماغ، مخلّفاً قصوراً عقلياً لصاحبه، وفقاً لما ترويه الأمهات بقناعة تامة. في »‬أوبابا كواك» يستمر مفعول سحر الكتابة حتي بعد أن تنتهي من قراءة الرواية. خلطة عجائبية من الحكايات المتوالدة والمدهشة، لكن »‬شهرزاد» الحكي هنا، لا تتوقف عن السخرية السوداء، جنباً إلي جنب مع كيفية تشييد عمارة السرد نفسها، وارشادات لكتابة قصة بخمس دقائق، أو انتحال قصة. ارتحالات تخييلية بلا ضفاف، تضاهي ذلك العالم المدهش الذي نجده في رواية »‬ ساعي بريد نيرودا» لأنطونيو سكاراميتا. كان ساعي بريد نيرودا متخصصاً ببريد الشاعر المنفي فقط، أما رسائل »‬أهل كواك» القرية الباسكية المهملة، فتحتاج إلي عناوين طويلة علي المغلفات، تنتهي باسم القارة التي تنتمي إليها الدولة »‬ثم نكتب بعد ذلك، في نهاية القائمة، بحروف كبيرة، كوكب الارض، حتي لا يخطئ ساعي البريد ويوصلها الي مجرّة أخري».
غرابة العنوان تحيلنا إلي عنوان يوميات غوغان في تاهيتي» نوا نوا»، وهي الصيحة التي كانت تطلقها نساء تاهيتي لحظة خروجهن من الماء، أما معناها فهو »‬إننا نفوح شذيً».
31
لا أعلم لماذا اخترت رواية »‬بيدرو بارامو» للمكسيكي خوان رولفو كي أقرأها في الحافلة، خلال رحلة طويلة ومضجرة لزيارة قريتي بعد غياب؟ سأكتشف تقاطعات شخصية مذهلة مع أجواء هذه الرواية الملعونة، ذلك أن الراوي يذهب في زيارة إلي قريته بعد أن هجرها مدة ثلاثين عاماً، ليجدها مجرد أطلال، وأن بقايا البشر هناك يتواصلون مع الموتي كما لو أنهم لم يغادروا المكان علي الإطلاق. تقول إحداهن »‬أشمّ بأن أحداً في القرية قد مات»، فيجيبها الحوذي بأن زوجته قد ماتت اليوم. وتحسّ أخري بأن طيف أبيها قد زارها ليلاً، وحين تخبرها خادمتها بوفاة والدها هذا الصباح، تجيب ببساطة» لقد جاء لوداعي» ثم تكمل عملها كالمعتاد، فيما تتجوّل روح ميغيل في أنحاء القرية، وتقرع نافذة إحداهن، كما كان يفعل أثناء حياته! امرأة أخري تشكو لجارها المدفون إلي جانبها، ضيق حياتها في القبر، كما كانت في حياتها الأخري. علي الأرجح، هذا ما استدعي ماريو بارغاس يوسا لأن يقول »‬ ليست قرية كائنات حيّة، وإنما هي قرية أشباح». كتب خوان رولفو هذه الرواية فقط، من دون أن يكمل أية رواية أخري، لكن هذه الرواية اليتيمة، ستتناسل إلي سلالة كاملة من الأبناء، وستتحوّل إلي »‬ديناميت إبداعي»، أو منارة تهدي كتاب أمريكا اللاتينية إلي جهة الواقعية السحرية، وكيفية تهشيم بني السرد التقليدية بمعولٍ حاد. هنا نقع علي لغة متخثّرة، و»شاعرية كونيّة فخمة ومبهمة»، وانضباط لغوي صارم، رواية معقّدة ومذهلة بآنٍ واحد، كتبها موظف أرشيف يعمل في مكتب الهجرة »‬لأنها الطريقة الوحيدة ليتركوا أحدنا هادئاً» يقول. قرأ ألفارو موتيس رواية »‬بيدرو بارامو» كما لو أنه قد اكتشف لقية نادرة، فأهدي نسخةً منها لصديقه غابرييل غارسيا ماركيز وقال له :» خذ اقرأها وتعلّم»، ولم ينم ماركيز ليلته حتي قرأها مرتين. وسيعترف لاحقاً بأن هذه الرواية أحدثت لديه صدمة تماثل ما حدث له بعد قراءة رواية »‬المسخ» لفرانز كافكا، كما أوحت له بكتابة روايته» مئة عام من العزلة».
32
 النسخة العربية من »‬موجز تاريخ الأرداف» لمؤلفه جان ليك هينيج، تغفل اسم المترجم (!) المعضلة تبدأ من هنا، من منطقة الشبهة. أن تترجم كتاباً جديّاً، وتخشي أن تضع توقيعك علي غلافه، صوناً للسمعة العطرة. شخصياً، أغبط جان ليك هينيج علي كتابه هذا، باعتباره درساً نوعياً في الأثنوغرافيا »‬علم الأجناس البشرية»، وكيفية التفاته إلي هذه المنطقة (المرذولة؟)، ومنحها ألقاً جمالياً ومعرفياً، لم يكن متاحاً بمثل هذه المكاشفة والعمق. انطولوجيا كاملة في مديح تاريخ الأرداف، وقراءة لكل ما هو متعرّج أو مستدير في جسد المرأة، بالاتكاء علي نصوص ولوحات وأبحاث تتعلّق بهذه الخريطة المثيرة من النتوءات والتموجات والاستدارات والمنحنيات. بالنسبة لبلزاك فإن الأرداف هي ذلك »‬الالتواء الفاسق»، أما فيرلين فيقول »‬الأرداف المتنعّمة بالملذات»، فيما يراقب رامبو بانتباه »‬حركة الحوض المجنونة». أرداف وقحة، وحرّة، ووحشيّة، لكن الكنيسة ستصادر حرية المؤخرة في الحركة بالتحريم (1212)، واعتبار الرقص »‬جرماً يعادل جرم حرث الأرض في يوم أحد».
حسب أندريه رولان: بعد قراءة »‬موجز تاريخ الأرداف»، لا يعود المرء يجلس كما في السابق.
الأرداف بصيغة أخري، ووفقاً للوحة الغلاف: كمثري وتفّاح.


* مقاطع من كتاب بعنوان »‬ضد المكتبة» يصدر قريباً عن »‬دار نينوي» في دمشق، و »‬دار أثر» في الدمّام.