رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

جمال عبد الناصر.. لمن لا يعرفه


انتصار محمد
10/7/2017 10:37:53 AM

»اللهم أعطنا القوة لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوي أيديهم المرتعشة علي البناء»‬ جمال عبد الناصر
رجل قل أن يجود بمثله الزمان، فقد تميز عبد الناصر بالثراء والغني، فكانت قيمته قيمة تاريخية عالية؛لما له من تأثير قوي في مجري التاريخ، ليس في تاريخ مصرفحسب، بل وفي تاريخ العالم كله.
إن الشعوب العربية عاشت مع عبد الناصر أيامًا خالدة، وسوف يعيش جمال عبد الناصر في ذاكرتنا وذاكرة الأجيال القادمة.

ففي الذكري السابعة والأربعين لوفاة الزعيم جمال عبد الناصر،أخذت أفكر كثيرًا كيف أبدأ كتاباتي عنه لما له من أدوار كثيرة ومختلفة أثرت وما زالت تؤثر في التكوين العقلي والفكري لدينا ولدي الأجيال القادمة،ولكنني توقفت طويلاً تجاه دوره في القضية الفلسطينية؛ تلك القضية التي حظيت في جوانبها المختلفة بكتابات ودراسات تفوق ما كُتب حول قضايا عربية أخري، وإيمانًا أن القضية الفلسطينية مازالت تُطرح وبإلحاح شديد، فقد دفعني ذلك لأُمعن النظر حول مفهوم الكيان الفلسطيني باعتباره جزءًا لا يتجزأ من كيان الوطن العربي، وعلي وجه الخصوص بالنسبة لدول المواجهة »‬مصر- سوريا- الأردن- لبنان» التي تعتبر من أكثر الدول العربية تأثيرًا وتأثرًا به؛فقد شهدت مرحلة الستينيات البناء الفعلي للكيان الفلسطيني والتي امتازت بكثرة الدعوات للقيام بعمل عربي مشترك لمجابهة الأخطار الإسرائيلية، ومحاولة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتجميع الصف العربي في مواجهة التوسع الإسرائيلي الذي يمثل خطرًا علي الوجود الفلسطيني في أرضه،فقد كان هدف الرئيس المصري جمال عبد الناصر من الدعوة لعقد مؤتمر القمة العربي الأول عام 1964م العمل علي إظهار ما تمثله إسرائيل من عدوان في قلب الوطن العربي أمام العالم كله، وما تجسده من أطماع توسعية عدوانية وتهديدها للكيان العربي، وبالفعل قبل العرب الدعوة وتجاوزه عن كل الخلافات والانقسامات التي أضرت بالمصالح العليا للوطن العربي، وأصبحت القضية الفلسطينية فوق كل المنازعات،وبالاطلاع علي وثائق الخارجية المصرية وجامعة الدول العربية نجد أن هناك العديد من الآراء الخلافية حول مؤتمر القمة العربي يناير 1964م، فيري البعض أن مؤتمر القمة العربي 1964م في القاهرة هو ثاني مؤتمر قمة عربي؛ وذلك لأنه قد سبقه مؤتمر أنشاص عام 1946م، وهو أول مؤتمر يعقد علي مستوي رؤساء وملوك الدول العربية في الثامن والعشرين من مايو 1946م، بدعوة من الملك فاروق ملك مصر لبحث القضية الفلسطينية، والدفاع عن الكيان الفلسطيني في حالة الاعتداء عليه،ويري البعض الآخر أن مؤتمر القمة العربي 1964 م هو ثالث مؤتمر بعد مؤتمر قمة أنشاص في 1946م، والثاني هو مؤتمر بيروت الذي عُقِد في الثالث من نوفمبر عام 1956م، بدعوة من الرئيس اللبناني كميل شمعون.
وحقيقة، يعتبر مؤتمر أنشاص أول مؤتمر يعقد بعد تأسيس الجامعة العربية علي مستوي الرؤساء والملوك العرب، ولا يمكن تجاهله والاعتراف بأنه المؤتمر الأول، وعلي أية حال، اعتبرت الجامعة العربية مؤتمر القاهرة عام 1964م أول مؤتمر قمة عربي تكمن أهميته في حاجة الدول العربية إلي إزالة الشوائب التي تسببت في العديد من الخلافات بينهم وتحقيق الوحدة العربية خاصة بعد انفصال الوحدة المصرية السورية وقيام حرب اليمن.
 إن مؤتمر القمة العربي الأول الذي عُقد بالقاهرة في الثالث عشر من يناير 1964، واستمر حتي السابع عشر من نفس الشهر كان نقلة في الفكر السياسي العربي والتوجه العربي لدول المواجهة نحو القضية الفلسطينية، وفي جلسة سرية عقدها الملوك والرؤساء العرب ثاني أيام المؤتمر مدتها أكثر من أربع ساعات بهدف الوصول إلي تسوية الخلافات العربية؛ وذلك لخدمة القضية الفلسطينية، وكانت الصراحة هي طابع المناقشات.
وبرغم بعض المتاعب التي واجهت المؤتمر - وفقًا لوثائق جامعة الدول العربية-إلا إنها لم تعرقل تقدمه، حيث كانت قد استغرقت محاولات تصفية الجو العربي بين رؤساء الدول العربية والتي كان جمال عبد الناصر قد ساهم بدور كبير فيها الجزء الأكبر من نشاط المؤتمر، وكانت كل الصحف العربية والإذاعات العربية قد أجمعت علي أن مؤتمر القمة العربي الأول كان دليلاً علي وحدة العرب، ورغم الاختلاف في وجهات نظر بعض الدول العربية أثناء المناقشات إلا إنه قد تم الاتفاق علي قرارات مهمة تتمثل في إنشاء قيادة عربية موحـدة لجيوش الدول العربية حسب التنظيم،ووفق صلاحيات.
بالإضافة إلي إقامة قواعد سليمة؛ لتنظيم الشعب الفلسطيني، وتكليف السيد أحمد الشقيري- مندوب فلسطين الدائم لدي جامعة الدول العربية- بمهمة الاتصال مع ممثلي الشعب الفلسطيني والحكومات العربية لوضع أسس قيام كيان فلسطيني،وقد نتج عنها تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبح الشعب الفلسطيني- الذي حُرم في الماضي من أن يتحدث عن قضيته أو أن يساهم في حلها- هو صاحب قضية بعد أن شُرد الآلاف من أفراده وأبعدوا عن وطنهم.
كان إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية في الثامن والعشرين من مايو 1964 بمثابة بداية ميلاد الكيان الفلسطيني، مؤذنًا بإحياء الشخصية الفلسطينية تجسدها قيادة فلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني، والصندوق القومي الفلسطيني، وأجهزة إعلامية وإدارية وتنظيمية.
كانت مصر من أوائل الدول العربية التي قدمت المساهمات المالية المقررة لتمويل الصندوق القومي الفلسطيني، فقد أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارًا إلي وزارة الخزانة المصرية( وزارة المالية حاليًّا) بخصم 3% من رواتب أبناء فلسطين العاملين في مصر لصالح الصندوق القومي.
وفي مؤتمر القمة الثاني بالإسكندرية سبتمبر 1964، شاركت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في جميع أعمال هذا المؤتمر، وقدم رئيسها أحمد الشقيري تقريرًا عن إنشاء الكيان الفلسطيني والخطوات الرئيسة له،محولاً المؤتمر كله إلي مؤتمر للقضية الفلسطينية.
فنجد أن الفضل الأول لولادة المنظمة يعود للرئيس جمال عبد الناصر ودوره القومي في إقناع الكثير من الدول العربية بضرورة إحياء الكيان الفلسطيني.
لقد بدأت الانطلاقة الحقيقية نحو عملية بناء الكيان الفلسطيني بعد محاولات مصر برئاسة جمال عبد الناصر ذات الثقل المميز في ساحة العمل العربي علي إحياء الكيان الفلسطيني حتي تكون هناك مؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني،فقد قام عبد الناصر بالضغط علي الملك حسين ملك الأردن؛ ليعترف ويؤيد قيام المنظمة الفلسطينية، كما أعلن الرئيس السوري أمين الحافظ أن المنظمة تفتقر إلي العناصر الثورية، وأظهر أنه يوجد في سوريا فلسطينيون ثوريون سمحت لهم سوريا بالعمل المدني والتدريب العسكري وطالب بثورية المنظمة، وسجَّل تحفظه علي الكيان الفلسطيني في وضعه الحالي، وكانت الاعتراضات والتحفظات علي قيام الكيان الفلسطيني تنطلق من أسباب مختلفة، وكل دولة لها وجهة نظرها وأهدافها، ولكنها انتهت في سبيل الحفاظ علي مسيرة العمل العربي المشترك.
كما قام جمال عبد الناصر بالضغط علي جامعة الدول العربية من أجل الاعتراف بقيام المنظمة، وكان هذا نابعًا من حب الشعوب العربية لعبد الناصر ولمناصرة القضية الفلسطينية، وانعكاس ذلك علي الدول العربية، وقد رحبت الجامعة العربية بقيام المنظمة، وتم اعتمادها ممثلة للشعب الفلسطيني في تحمل مسئولية الحل لقضية فلسطين، والنهوض بها علي الصعيد العربي والدولي، وكان مجلس الجامعة العربية قد وافق علي تخصيص مبلغ مليون دينار للميزانية المدنية لمنظمة التحرير لتمكينها من القيام بنشاطها السياسي والإعلامي والتنظيمي تدفعه الدول العربية بموجب أنصبتها في ميزانية الجامعة العربية تقدم إلي الصندوق القومي الفلسطيني.
كما قدمت مصر كل التسهيلات اللازمة لدعم منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تم تخصيص إذاعة من القاهرة تمكّن المنظمة من مخاطبة العرب والفلسطينيين، ويبدو أن اختيار المنظمة لإذاعتها في القاهرة كان محل دراسة، ولم يكن محض الصدفة؛ وذلك لدور الإذاعة المصرية الكبير علي الساحتين العربية والعالمية في كشف مخططات الاحتلال الإسرائيلي.
 ولقد كانت رؤية جمال عبد الناصر للمنظمة دعمًا لها؛ لأنها في رأيه نتيجة مهمة من نتائج العمل العربي الموحد في مواجهة قوي الاستعمار والصهيونية» التي كانت تعتقد أن القضاء علي شعب فلسطين، هو الطريق نحو القضاء علي مشكلة فلسطين، إلا إن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، أثبتت عجز تلك القوي عن القضاء علي الشعب الفلسطيني. ومن خلال منظمة التحرير أصبح ممكنًا إحياء وجود شعب فلسطين، وفي ذلك إحياء للقضية كله.
كما وقف عبد الناصر بجانب القضية الفلسطينية في مؤتمر القمة العربي الثالث بالدار البيضاء بالمغرب1965م، حيث افتتح ناصر المؤتمر- بصفته رئيسًا- بكلمة حدد فيها مهمة المؤتمر بقوله: »‬إن مهمة المؤتمر هي تحرير فلسطين» مؤكدًا علي ضرورة توحيد العرب، والتركيز علي مقاومة العدوان الإسرائيلي وتحرير أرض فلسطين.
كانت هزيمة 1967م هزيمة سياسية في المقام الأول، ترتب عليها هزيمة عسكرية بكل أبعادها؛ فقبل حرب يونيو1967م كانت القضية الفلسطينية هي محور النزاع بين مصر وإسرائيل،وهي المحرك الأول للسياسة المصرية تجاه إسرائيل، لذا اعتبرت هذه الحرب نقطة تحول رئيسة في العلاقات المصرية الإسرائيلية، حيث أفاق العرب بعد ستة أيام ليجدوا أجزاءً هائلة من أراضيهم تحت أقدام الاحتلال الإسرائيلي، وبذلك لم تعد القضية الفلسطينية وحدها هي محور الصراع العربي الإسرائيلي الرئيسي، وإنما برزت معها قضية الأراضي العربية المحتلة في عدوان يونيه 1967، وفي التاسع من يونيو 1967 وجه عبد الناصر خطابًا إلي الأمة عن الأزمة وتطوراتها، وأعلن قرار التنحي عن الحكم الذي عدل عنه في اليوم التالي تحت ضغط الرأي العام ومجلس الأمة ومحبة واعتزاز وتمسك الشعب المصري والعربي بالزعيم جمال عبد الناصر.
ولا أحد يغفل الدور الكبير والمحوري الذي لعبه عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم أغسطس1967 لتوحيد الجهود العربية علي هدف واحد، وهو إزالة آثار العدوان والإعداد لمعركة جديدة والتأكيد علي دعم التضامن العربي.
وأمام تصميم عبد الناصر علي تعويض الخسارة،فإنه قد نادي بضرورة وضع استراتيجية جديدة، وفي23 من نوفمبر 1967 أعلن في خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الأمة قائلًا: »‬ لقد خسرنا معركة ولم نخسر الحرب، وإن ما يؤخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. هذه هي القاعدة»كما أكد في خطابه: »‬إن النكسات عوارض طارئة في حياة الشعوب، لكن الشعوب دائمًا أقوي من النكسات بإيمانها.. وبثباتها.. وبعملها وبنضالها وبتصميمها علي التقدم مهما كانت العوائق».
وكان لعبد الناصر دور بارز في مؤتمر القمة الخامس بالرباط بالمغرب، وأخيرًا كان تأزم علاقات السلطة الأردنية مع المقاومة الفلسطينية وحدوث الصدام الذي عرف بأحداث أيلول الأسود، ودور عبد الناصر في هذا الشأن لحفظ الدماء العربية، وكان قد بذل مجهودًا كبيرًا لإيقاف سيل الدم في الأردن، وعقب الانتهاء من مؤتمر القمة العربي الاستثنائي الذي عقد بالقاهرة في سبتمبر 1970م بعد توديع أمير الكويت، وفي الساعة السادسة والربع من مساء يوم 28 سبتمبر جاد بأنفاسه الأخيرة، وغاب عنا الزعيم والرئيس الذي لم يغب عنا”عاش جمال عبد الناصر....