رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الأسـلاك الشـائكة


مني عبد الكريم
10/7/2017 10:42:38 AM

بائسة هي الأسلاك التي تمنع التواصل واللقاء والحياة...
بائسة هي الأسلاك التي تشطر الرؤيا، وتمنع الحكايات من الاكتمال لتحيلها جماداً رماديّاً حزيناَ...
يضعها القاتل ليحمي نفسه من القتيل... يثبتها مدّعي القوة الذي يرتجف خوفاً من الضعفاء، يغرسها المحتل ليحمي نفسه من أصحاب الأرض...
علي هذه الأسلاك نزفت أياد كبيرة وصغيرة، وتقطّعت شرايين عشاق الأرض...
أيّتها الأسلاك البائسة: أي هواءٌ يتكسّر عندما يعبرك ! أي خيوط ظلام بارد أنت تكبّل الأرض الجميلة! أي بؤس جارح لخيوط الشمس أنت!

 رائد عصفور
تطير العصافير الصغيرة ناجية بنفسها من الأسر، ومع ذلك فإنها تقف من حين لآخر علي أطراف الأسلاك الشائكة لتستريح، تشعر الأسلاك الشائكة بالعجز أمام كل ذلك العنف الذي ارتبط بها وبالحرية التي تمحوها بوجودها، فتتحول تلك القطع الصغيرة من الحديد إلي طيور صغيرة تحلق بعيدا .. ويظل هذا المشهد الفني الذي أبدعه أحد الفنانين وانتشر علي وسائل التواصل الاجتماعي عالقا بذاكرتي البصرية أينما تكرر علي مسامعي أو رأيت أسلاكا شائكة .
في كثير من الأحيان يتحول الألم والعجز ومفرداتهما لمادة خصبة للإبداع ، أدبيات وفنون المرض والسجن والحرب .. أجنحة جبران المتكسرة-مسرحيات شكسبير التراجيدية .. رسائل الإنتحار..  فمن رحم الألم كثيرا ما يتدفق الإبداع .. يقول الفنان رائد عصفور الذي اختار الأسلاك الشائكة موضوعا لمعرضه الفوتوغرافي الأول بالقاهرة الذي أقيم ببيت الصورة بالمعادي ربما لأن الجمال مقترن بالصدق، حياتنا للأسف مليئة بالمآسي خصوصا في بلادنا العربية.. ولابد لأي صانع فكرة أن يؤمن بها ويقدمها بصدق وهذا في حد ذاته جمال يصل للناس ويلمسهم.
 حين فكر الفنان رائد عصفور في الأسلاك الشائكة لم يكن يري بها أي جمال، السلك الشائك بالنسبة له يعبر عن القسوة، فهو يقطع المنظر والحوار والحركة والتواصل، دائما ما يستخدم لإقصاء الآخر .وقد طرح رائد عصفور في معرضه ما يقرب من 26 عملا فوتوغرافيا لأسلاك شائكة في بلاد عربيّة وغربيّة، حيث بدأت فكرة هذا المشروع في العام 2012 في تونس، حين التقط أول صورة خلال إحدي المظاهرات عندما تم وضع حاجز من الأسلاك الشائكة أمام المتظاهرين لمنعهم من الوصول إلي المناطق الرئيسيّة في العاصمة. ومن بعدها بدأ بالتقاط صور الأسلاك الشائكة في مختلف البلدان التي زارها لاحقاً، ولاحظ أن الأسلاك الشائكة دائماً ما توضع في نفس الأماكن، للحماية حيناً، وللفصل أو المنع حيناً آخر، ولكنها في كل الأحيان تعكس الخوف، وتشوّه الرؤية، وتخترق جمال الأرض.
يقول عصفور: تجولت في أماكن كثيرة  في أوربا والوطن العربي وأمريكا اللاتينية ، لم أكن أتخيل أن أوربا تستخدم الأسلاك الشائكة بنفس الطريقة، ولكن الفكرة موجودة في كل الثقافات، وقد صورت مجموعة هائلة وكانت كأنها من مكان واحد،  حيث تعكس نفس الفكرة .. الأسلاك الشائكة موجودة حتي في البحر أحيانا .. تخيلي.
26 صورة فوتوغرافية اختارها الفنان من حوالي 800 صورة لعرضها بالقاهرة ، إضافة إلي مجموعة أخري تم عرضها علي شاشة ديجتال ، وقد استهل الفنان معرضه بصورتين في تونس التي تعد الشرارة الأولي لفكرته، وتخلو معظم الصور من وجود عنصر بشري حيث خرجت كثير من الصور تميل إلي الرمزية والتجريد من بينها صورة لأسلاك شائكة متضفر بها ورود وأخري علي خلفية الغروب وواحدة لمجموعة من العصافير تقف علي أسلاك شائكة، ويعلق الفنان علي ذلك قائلا: هناك عنصر بشري حتي وإن كان بشكل غير مباشر .
قدم الفنان كذلك مجموعة متنوعة من الصور من مخيمات اللاجئين في لبنان، وآخر لأحد البيوت بفلسطين وصورة لأسلاك شائكة تحيط بتمثال للمسيح في أمريكا اللاتينية والتي تم وضعها لحماية التمثال من هجوم الناس عليه لتلمس  البركة. وعلي الرغم من أن عصفور لا يري أي جمال في الأسلاك الشائكة إلا أن أعماله خرجت في غاية الرقة .
وكان الفنان قد قدم نفس المعرض قبل ذلك الأردن واستمر لمدة ثلاثة أشهر قبل أن ينتقل للقاهرة، ويبدو أن ارتباط رائد عصفور بالفوتوغرافيا هو ارتباطه بفكرة أو بقضية مهمة حيث تدور فكرة معرضه الثاني عن السينمات القديمة بالأردن التي تعرضت للتدمير، حيث التقط صور لماكينات السينما والأفلام التي تعرضت للتمزق وكذلك بوسترات الأفلام القديمة، وتعد تلك المجموعة من الصور بمثابة رحلة حنين تجاه ماض عريق يندثر ، يقول عصفور :  كان هناك أكثر من ثمان وثلاثين دار سينما بعمان بفترة السبيعينات والثمانينات ، الآن لم  يعد هناك سوي مكانين وهما في وضع صعب للغاية بل ويلفظان أنفاسهما الأخيرة  ، حين كنت أمر بتلك الأماكن أكتشف كم كانت عظيمة، وقد أطلعني أحدهم علي صور لفريد شوقي أثناء حضوره افتتاح فيلم في سنة 1970 ، وآخري لنور الشريف ومديحة كامل، كانت هناك حياة ثقافية منتعشة، وهذا التراجع الثقافي أمر مؤسف للغاية.
وحتي هذه اللحظة لا يعرف رائد عصفور كيف يستمر مشواره مع الفوتوغرافيا، فهو كما يعتبر نفسه مصورا هاوياً، حيث درس الإخراج ويعمل مخرجا ومبرمجا فنيا، وهو مدير مسرح البلد منذ عام 2005 حتي الآن، والمسرح هو مساحة ثقافية مستقلة في مدينة عمان بالأردن. كما يشغل منصب المدير التنفيذي للمركز العربي للتدريب المسرحي، وهو مركز تدريب إقليمي مسجل في لبنان يسعي للمساهمة في خلق بيئة محفزة للإبداع في مجال الفنون الأدائية. وهو أيضا مدير مهرجان موسيقي البلد منذ تأسيسه في عام 2009 ، وهو مهرجان موسيقي عربي يهدف إلي تطوير آفاق جديدة لدعم الفنانين والموسيقيين الشباب في الوطن العربي من خلال تقديم أعمالهم في عروض موسيقية أمام الجمهور العربي،وفتح المجال للتبادل الموسيقي بين الفرق العربية ضمن كرنفال موسيقي ثقافي.