رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوا مصر الجديدة‮: ‬

راو‮ ‬ٍ‮ ‬فريد


عبدالحكم سليمان
1/7/2017 12:07:06 PM

تتكون رواية‮ (‬هوا مصر الجديدة‮) ‬لمجاهد الطيب،‮ ‬من ثلاثة وعشرين مقطعا تتخللها ثمانية مقاطع تسجيلية‮. ‬العالم الروائي هنا هو عبارة عن شلة أصدقاء تعيش في نفس المنطقة‮. ‬انبري أحدهم‮ (‬الراوي‮) ‬لمهمة الحكي عن الشلة،‮ ‬بالذات مركزها‮ (‬عادل‮). ‬تلتقي الشلة علي حسب المرحلة العمرية في بيوت أعضائها أو‮ ‬تتسكع في الشوارع أو المقاهي والمطاعم،‮ ‬فيتم رسم تفاصيل المكان رويدا ورصد تغيراته،‮ ‬في نفس الوقت الذي أرخي فيه الزمن ستائره الرمادية علي الناس في سيمفونية رائعة تناغمت فيها تلقائية الراوي مع صوت المؤلف المباشر(المقاطع التسجيلية‮) ‬في عمل قل أن تجد مثيله بسبب الكثير من عناصر التفرد‮.‬

لعل أول عنصر من عناصر التفرد هنا هو الراوي نفسه،‮ ‬فهو كشاهد عيان‮ - ‬كما‮ ‬يقدم نفسه‮ -  ‬يقوم في لحظة متأخرة بإعادة إحياء سيرة صديقهم عادل،‮ ‬فأخذ‮ ‬يتجول في نفس الأماكن وكأن الذكريات ستدب فيها الحياة فقط لو تم تقشير طبقات الزمن طبقة بعد أخري‮. ‬تبدو تقنية التجول تلك علي بساطتها مناسبة تماما لمستوي وعي الراوي،‮ ‬فالراوي كواحد من الشلة،‮ ‬كما قصد الكاتب،‮ ‬لا‮ ‬يتميز عنهم في شيء‮. ‬لا هو صاحب البرج العاجي ولا هو العليم ببواطن الأمور ولا هو المتلصص الذي سيقوم بكشف المستور‮. ‬أو كما‮ ‬يقال،‮ ‬لا سحر ولا شعوذة‮. ‬إذن،‮ ‬فمن أين‮ ‬يأتي السحر والشعوذة كضروره لأي عمل فني،‮ ‬والحاصل أن المؤلف قد اختار مثل ذلك الراوي الفريد مضحيا بالكثير من عناصر الإثارة والتشويق التقليدية التي قد تنتج تلقائيا من تعليق راوي‮ (‬مثقف‮) ‬علي حياة ناس عاديين‮.‬
أظن أن روح الراوي هي مصدر كل الجمال في هذا العمل‮. ‬وأظن أن هذه الروح قد تحققت بتوازن دقيق بين العديد من العناصر،‮ ‬أولها ظرافته،‮ ‬وثانيها لغته وثالثها طريقة الحكي أو مدخله‮. ‬ولنبدأ بالعنصر الأخير،‮ ‬فالراوي هنا،‮ ‬متحدثا بضمير المتكلم‮ (‬أنا‮) ‬يصنع من القارئ تلقائيا طرفا ثانيا وكأنه حوار صديق‮- ‬صديق‮. ‬داخل مثل تلك العلاقة،‮ ‬سيشعرك الراوي بالألفة والونس،‮ ‬فهو لا‮ ‬يصر علي شيء،‮ ‬وسيترك حبل الحكي عن طيب خاطر لكل من‮ ‬يريد‮: ‬ما لم‮ ‬يكمله حلمي‮ (‬والد عادل‮) ‬سيكمله عادل،‮ ‬وما لم‮ ‬يكمله عادل سيتصدي له الراوي بنفسه‮. ‬المهم هو الصالح العام،‮ ‬ألا وهو الحالة،‮ ‬وهي هنا تأمل متمهل في أحوال الناس والمكان تحت وطأة الزمن‮. ‬انهارت خطة المؤسس الأول للمكان ومات من مات،‮ ‬وهنا من أضناه التأمل لم‮ ‬يصل لشيء،‮ ‬ومن بقي مستغلقاً‮ ‬علي نفسه بقي،‮ ‬أما الراوي فكان علي طريقة الراوي في موبي ديك هو الوحيد الذي بقي لكي‮ ‬يحكي لنا‮.‬
اللغة هنا خليط رائع من العامية والفصحي حتي في نفس الجملة‮. ‬مثلا،‮ (‬قاب قوسين مما تشعر أنك خلاص ستدركه‮) ‬أو‮ (‬حتي صلاح سالم،‮ ‬ثم‮ ‬يمسك اليمين في اتجاه العمار‮) ‬أو‮ (‬يصير التأنيب وش‮). ‬أظن أن هذه الأسلوبية هي مصدر أساسي من مصادر التلقائية،‮ ‬وكأنه لا وقت للتوقف هنا أو هناك لاختيار الكلمات من مصنف لغوي واحد،‮ ‬أي أن ما سيأتي علي البال سيخرج علي اللسان بدون أي فلتر‮. ‬القانون هنا هو سلاسة الحكي‮. ‬في الحقيقة،‮ ‬إذا ما تم تفصيح ألفاظ بعينها في الكثير من السياقات،‮ ‬لن تكون النتيجة هي السلاسة المنجزة هنا‮. ‬هذا بالإضافة إلي طزاجة تلك الخلطة اللغوية بسبب كسر التوقع الناتج عن إعادة تقديم ألفاظ فخيمة في جملة ذات بناء عامي،‮ ‬أو العكس،‮ ‬حشر ألفاظ عامية في جملة منضبطة نحويا‮. ‬طبعا الخلط لا‮ ‬يتم هنا عن قلة حيلة إنما عن صنعة أخفت الكثير من القصدية وأظهرت فقط السلاسة والتلقائية‮.‬
مرة أخري،‮ ‬وإمعانا في فرض تلقائيته لم‮ ‬يلتزم الراوي أبدا بالتسلسل الزمني للأحداث،‮ ‬ولم لا‮! ‬فنحن نعرف من البداية أن كل شيء كان قد حدث وانتهي بالفعل‮. ‬إنها هنا تقنية كرة خيط التريكو،‮ ‬جر الخيط من أي جانب واسحب برفق،‮ ‬سوف تحصل علي خط موصول أو قل دائرة كاملة‮. ‬في الحقيقة،‮ ‬لقد سيطر المؤلف/الراوي سيطرة كاملة علي عناصر الحكاية‮. ‬تم إنشاء عالم روائي من جسد وروح فقط من تتبع خيط واحد رسمته اللغة عبر صفحات محدودة،‮ ‬علي النقيض مما هو منتشر الآن من موضة روايات الكعب الكبير‮. ‬لم‮ ‬ينزع مجاهد الطيب لأية إطالة،‮ ‬ما أن أنجز عمله سيقول للقارئ‮: ‬السلام عليكم،‮ ‬تاركا له تلك الغصة الناتجة عن إحساس داخلي مفاده‮: ‬أما لهذه المتعة من مزيد؟ لا طبعا لم‮ ‬يترك المؤلف نفسه لمهارات الكتابة،‮ ‬فهو‮ ‬يعرف أن المتعة لكي تكون عظيمة‮ ‬يجب أن تتوقف عند حد معين،‮ ‬لا قبله ولا بعده‮.‬
هناك عنصر آخر من عناصر التفرد في هذا العمل‮ ‬يتعلق بمسألة الاستمرارية والانقطاع بين الشخصيات والراوي،‮ ‬أقصد وجود الكثير من ملامح التماهي بين الشخصيات والراوي بل وحتي المؤلف نفسه‮. ‬الراوي‮ ‬يقوم ببحث عن نصوص‮ (‬لم‮ ‬يفسدها الهوا‮) ‬متناثرة هنا وهناك في فضاء مصر الجديدة‮. ‬صحيح أن الكثير منها‮ ‬يخص عادل‮ (‬البطل‮) ‬ولكن صوت الراوي المباشر موجود طبعا‮. ‬عادل ذاته لديه الكثير من المقولات والتحليلات‮ (‬لم تكن قصيرة‮) ‬وإن كانت شفهية إلا أنها تكاد تكون نصا كاملا داخل النص،‮ ‬بل أن والد عادل نفسه كانت لديه مدوناته،‮ ‬وما مؤلف أي رواية في نهاية المطاف إلا كاتبا،‮ ‬في مواجهة هذه الفوضي،‮ ‬التي كادت أن تشرف علي حدود الفانتازيا،‮ ‬كان علي المؤلف أن‮ ‬يميز نفسه بضخ تلك المقاطع التسجيلية وكان لسان حاله‮ ‬يقول أنا هنا فلا تنسوني‮. ‬
الملاحظة الأخيرة هي أن المؤلف قد أحسن صنعا عندما ضبط بدقة تامة مستوي وعي الراوي‮. ‬في الحقيقة جرت العادة أن‮ ‬يتواطأ القارئ مع المؤلف علي هذا الصعيد بالذات،‮ ‬فلا‮ ‬يسأل إذا لاحظ تناقضا ما بين وعي الراوي ووضعه في السياق‮. ‬قياسا علي وضع شخص مثله في الحياة الواقعية،‮ ‬بأي أمارة تكون لديه هذا الكم من المعارف وهذه القدرة علي التحليل؟ لم‮ ‬يشأ مجاهد الطيب هنا أن‮ ‬يفصل قارئه بمثل تلك الملاحظات،‮ ‬حتي أنه عندما أراد أن‮ ‬يضفي علي الراوي شيئا من‮ (‬العمق‮) ‬جعله‮ ‬يستعين بصديق،‮ ‬هو الوحيد الذي لم‮ ‬يسمه‮. ‬هذا الغريب هو من استخدم كلاما كبيرا من قبيل‮ (‬عادل‮ ‬يعيش في عالم من كلام‮) ‬أو‮ (‬أين الواقعة الأم التي بدأت منها حكاية نشاطه الذهني‮). ‬تحفظا علي هذا التعقيد،‮ ‬لم‮ ‬يجد الراوي بدا من تقديم تصوره البديل عن عادل‮ (‬ربما لأن ما‮ ‬يسمي الآخر‮ - ‬عنده‮ - ‬قليل العدد وربما كثير جدا،‮ ‬لكن من نوع وحيد‮).‬
استكمالا لمنحي ضبط مستوي وعي الراوي،‮ ‬وانفصالا عنه في نفس الوقت،‮ ‬تركه المؤلف في حيرته أمام فاطمة(أم عادل‮)‬،‮ ‬فلم‮ ‬يسعفه بوعي العليم ولا بالتلصص علي ما هو أكثر من الجزء المعلن أو المتداول من حياة فاطمة‮. ‬فلم‮ ‬يستطع الراوي تكوين تفسير ما لبعض جوانب تلك الشخصية وبالذات زعلها من شيء ما‮. ‬تكررت تلك الحيرة مرتين علي مدار النص ليقر الراوي في النهاية بفشله في استجلاء هذا الأمر،‮ ‬ولتبقي هناك‮ (‬أقواس مفتوحه‮) ‬للأبد‮. ‬ولما لا؟ ألم أقل إننا هنا بصدد راوٍ‮ ‬فريد؟ عشنا لنري نصا‮ ‬ينتهي هذه النهاية الصادمة لكل ما هو متعارف عليه في العلاقة بين الكاتب والقارئ‮. ‬أنت تعطيني تفسيرا كاملا وأنا أتظاهر بالقبول‮. ‬يقول الراوي‮: ‬فاطمة زعلانة من شيء ما،‮ ‬شيء لا أعرفه أنا،‮ ‬ولا حتي عادل،‮ ‬شيئ لم‮ ‬يرد ذكره،‮ ‬تقريبا،‮ ‬فيما حكيناه‮.‬
يعود بنا مجاهد الطيب إلي مسألة في‮ ‬غاية الأهمية في موضوع الأدب‮ (‬مثل آخرين لا أظن أن هذا هو الاسم الأنسب لهذا الفن‮)‬،‮ ‬السؤال هو هل علينا أن نكتب فقط إذا ما توفرت لنا أشياء‮ ‬غرائبية أو شاذة،‮ ‬أو لا قدر الله كان لدينا تصور ما عن دور تنويري أو كنا سنمارس نقدا اجتماعيا من النوع الحماسي،‮ ‬أو لا سمح الله كانت لدينا رسالة ما نريد تمريرها لقارئ‮ ‬غرير متخيل‮. ‬طبعا هنا في‮ (‬هوا مصر الجديدة‮) ‬نوستالجيا ما ربما تتواجد معها صرخة مكتومة مفادها أن ثمة جمال‮ ‬يغدر وأن ثمة تخطيطا عمرانيا‮ ‬يُطاح به‮. ‬يبدو أنه كان تخطيطا بريئا أو قل طفوليا بطريقة ما‮. ‬هناك الكثير من الفراغ‮ ‬أو كما لاحظ كل من الراوي والبطل،‮ ‬فالشوارع نادرا ما كانت تستقيم لمسافة طويلة حتي لا تكشف كل المخطط العمراني مرة واحدة‮. ‬ستبقي مهمة كتابة تاريخ المكان مهمة مستمرة إذا ما كان لنا أن نحافظ علي روح محبة للعالم،‮ ‬إنما المؤكد أن كل ذلك‮ ‬يحدث هنا كأثر جانبي لمتعة تخص فن الرواية فقط،‮ ‬أقيمت عن اقتدار هنا عند حدها الاصيل،‮ ‬ألا وهي قدرة كاتب علي إنشاء عالم حي عالم قابل لإعادة الإنتاج مرة‮ ‬أخري لدي طرف آخر‮.‬


تعليقات القرّاء