رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

سنة الراديو‮:‬ منمنمات‮ ‬الحياة اليومية‮!‬


منصورة عز الدين
1/7/2017 12:10:34 PM

في روايتها‮ "‬سنة الراديو‮"‬،‮ ‬الصادرة عن دار التنوير،‮ ‬تنسج الروائية اللبنانية رينيه الحايك العمل بكامله من تفاصيل‮ ‬يومية بسيطة في حياة شخصياتها،‮ ‬وبالأخص بطلتها‮ ‬يارا‮ ‬غزال الشابة العشرينية‮ ‬غير المتآلفة مع محيطها‮.‬
نري كل شيء عبر عيني‮ ‬يارا الناقدة والساخطة معظم الوقت‮. ‬تبدأ الرواية بخروجها من المستشفي بندبة حمراء عميقة تغطي ذراعها إثر حادث سيارة راح ضحيته سامر رفيق سهرتها الذي لا تكاد تعرف عنه شيئًا‮. "‬أحاول أن أذكر ما‮ ‬يرتديه،‮ ‬ما كان لون عينيه،‮ ‬لكن الشيء الوحيد الذي أذكره هو أصابعه الطويلة الملساء والانزعاج الذي‮ ‬يبديه من الدخان‮".‬
ليس سامر فقط هو العابر والهامشي في حياة‮ ‬يارا،‮ ‬بل كل من حولها حتي عائلتها،‮ ‬أو بالأخص عائلتها‮. ‬فاغتراب البطلة جلي من اللحظات الأولي في الرواية‮.‬
تقول‮ ‬يارا عن والديها‮: "‬لا أفهم أي منطق‮ ‬يجعلهما دائمًا ضحية‮. ‬في صغري كنت أحب القصص التي‮ ‬يكون فيها البطل إما‮ ‬يتيماً‮ ‬أو‮ ‬يهرب من منزل أهله‮. ‬أحياناً‮ ‬ألبي الدعوات فقط لأرتاح من البيت ولو إلي حين‮."‬
إذا توقع القارئ أن حادث السيارة الذي تفتتح به الحايك روايتها سيلعب دوراً‮ ‬في الأحداث،‮ ‬فسرعان ما سيخيب توقعه،‮ ‬ليجد نفسه داخل جدارية من المنمنمات المتجاورة حيناً‮ ‬والمتداخلة حيناً‮ ‬آخر،‮ ‬تصور تفاصيل حياة‮ ‬يارا ومعارفها خلال عام كامل قضته تعمل في الإذاعة في تقديم برنامج ترد فيه علي أسئلة الأهل بخصوص مشاكل أبنائهم‮.‬
رغم الإيقاع الهادئ للعمل وعدم وجود تصاعد درامي في أحداثه،‮ ‬تنجح الحايك في بث‮  ‬بعض التشويق فيه من خلال الرسائل القصيرة التي تبدأ‮ ‬يارا في تلقيها من معجب سري تدفعها رسائله للبحث عنه بين كل من تقابلهم من رجال‮. ‬ولعل هذا الخيط الدرامي هو أشد خيوط الرواية جاذبية،‮ ‬إضافة لذلك الخاص بكلودا شقيقة‮ ‬يارا الكبري التي‮ ‬يخونها زوجها بشارة فتنفصل عنه‮. ‬ترصد الحايك تفاصيل علاقة كلودا بطليقها بواقعية تامة،‮ ‬وتقبض علي أحاسيس امرأة ناضجة في موقف مشابه بحساسية ومهارة،‮ ‬إذ تمثّل هذه الخيانة نقطة تحول في شخصية كلودا وفي علاقتها بالعالم من حولها دون مبالغة أو ميلودراما زائدة‮. ‬كما أن علاقة‮ ‬يارا تتطور بشقيقتها ونلمح تعاطفاً‮ ‬منها نحو كلودا بعد البرود الذي وسم علاقتهما خاصة في ظل الفجوة العمرية بينهما،‮ ‬والتباين الشديد في شخصيتيهما‮.‬
تكتب الحايك علي لسان‮ ‬يارا‮: "‬تمنيت أن أعود إلي الوراء وأنظر إلي أختي كما فعلت طوال السنين‮. ‬لا أريد تلك القيود التي تربط الواحد بالناس‮. ‬لأسباب لا أفهمها عجزت عن تجاهل قلقي عليها‮. ‬كأنها صارت أصغر مني‮. ‬أدفعها للأكل وللنوم‮. ‬أمي لم تكن عوناً‮ ‬لها‮. ‬العتاب هو ما تجيده‮".‬
وبالتوازي مع اكتشاف كلودا لخواء حياتها،‮ ‬وتمردها علي شخصيتها القديمة،‮ ‬تظل‮ ‬يارا مشغولة بهوية معجبها السري متسائلة إن كان جبران متّي والد أحد الأطفال الذين تتابع حالتهم،‮ ‬وتبدأ علاقة مع أسامة،‮ ‬نسيب جبران وأستاذ جامعي مطلق ولديه ولدان،‮ ‬تتطور علاقتها به تدريجياً‮ ‬وتنتهي بالخيبة شأن كل العلاقات العاطفية في الرواية‮.‬
ننتقل من علاقة لأخري،‮ ‬فنلحظ قدرة المؤلفة علي رصد العلاقات الإنسانية في عالمنا المعاصر،‮ ‬وإن كان مصيرها كلها الفشل وعدم التحقق،‮ ‬فذلك لأنها من صلب الواقع،‮ ‬وتشبه ما نقابله كل‮ ‬يوم تقريباً‮ ‬دون أن‮ ‬يلاحظه كثيرون منا‮.‬
تنجح الحايك أيضاً‮ ‬في نقل تفاصيل الحياة الليلية في بيروت،‮ ‬وإن كنت تمنيت لو قللت عدد الشخصيات الهامشية التي تقابلها‮ ‬يارا في تلك السهرات،‮ ‬فبعضها‮ ‬يقتصر دوره فقط علي تأكيد انفصال‮ ‬يارا عمّا حولها أو رسم مشهد الشباب في بيروت الصاخبة‮.‬
تنتهي الرواية ويارا تعمل كمدرسة بمدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة في بلدة بعيدة عن بيروت،‮ ‬علاقتها تكاد تكون انقطعت بمعظم أصدقائها القدامي‮.‬
‮"‬رائحة صنوبر وعفونة وأعشاب‮ ‬يابسة‮. ‬الرذاذ الذي انهمر تشربته الأرض اليابسة المشققة‮. ‬جلست علي حجر كبير مطل علي الوادي‮. ‬سمعت أصوات نداءات بعيدة‮. ‬منامات الليل أعادت إلي وجوهاً‮ ‬أردت أن أمحوها‮. ‬تذكرت الرسالة من مراسلي المجهول‮. ‬كانت الأخيرة منذ ثلاثة شهور‮. ‬كتب لي أن النسيان كالبنج‮. ‬يسري تدريجياً‮ ‬في الجسم حتي‮ ‬يغيب كل شيء‮. ‬أحياناً‮ ‬أستيقظ خفيفة كأن ضباباً‮ ‬انزاح عن قلبي‮. ‬وفي صباحات أخري،‮ ‬أحس كأنني أركض لأهرب من ظلي‮. ‬لا أعرف ما الذي سيحصل‮ ‬غداً،‮ ‬لا أعرف ماذا أفعل في هذا الأحد الطويل‮. ‬أشعل سيجارة ثم أقذف حصي بطرف حذائي‮. ‬تطير بعيداً‮ ‬وتسقط في قعر الوادي‮."‬
هكذا تختم رينيه الحايك روايتها،‮ ‬بينما لا تزال‮ ‬يارا ترغب في الهروب حتي من ظلها،‮ ‬تصرف القليل من راتبها وتوفر معظمه،‮ ‬كي تتمكن من السفر،‮ ‬لكنها لا تعرف إلي أين‮.‬