رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية

النوم الأبيض‮:‬ إشكالية الجسد والروح


د‮. ‬محمد الشحات
1/7/2017 12:13:15 PM

يُحيل العنوان المجازي لرواية‮ "‬النوم الأبيض‮" ‬للكاتبة اللبنانية جني نصر الله‮ -‬الصادرة عن دار رياض الريس،‮ ‬بيروت‮- ‬لبنان،‮ ‬2015‮- ‬إلي فضاء الأحلام وتداعي الذكريات،‮ ‬وأثر اللاوعي في تسيير حياة الشخصيات‮. ‬لكنّ‮ ‬صفة‮ "‬البياض‮"‬،‮ ‬هنا،‮ ‬متصلة بعالم البراءة والطفولة،‮ ‬في مواجهة شراسة العالم الخارجي الذي يحدق بالذات من كل صوب وحدب،‮ ‬كما أن‮ "‬النوم الأبيض‮" ‬ليس سوي الرغبة الكامنة التي كانت الشخصية الرئيسة‮ "‬نَوَي‮" ‬تبحث عنها،‮ ‬ولم تحصل عليها إلا في المشهد الأخير من الرواية؛ إنه نوم الأطفال الذي يشبهون الملائكة،‮ ‬نوم من دون أحلام أو أرق أو كوابيس‮.‬
تتكون الرواية من اثنين وعشرين مشهدا سرديا مرقّما،‮ ‬متتابعا،‮ ‬تنهض علي سرد حياة امرأة تعمل بالصحافة،‮ ‬لكنها تقاعدت لأسباب عدّة،‮ ‬تنتابها حالات نفسية مضطربة بسبب بلوغها الخامسة والأربعين من عمرها،‮ ‬فضلا عن اتساع الهوة الفاصلة بينها وبين زوجها،‮ ‬إلي الدرجة التي يوشك معها زواجهما علي الانفصال‮. ‬تعزم الكاتبة الصحفية علي كتابة روايتها الأولي‮ (‬وهي المعادل الموضوعي ربما‮- ‬للمؤلفة الحقيقية جني نصر الله‮)‬،‮ ‬فتكون المفاجأة أنها تكتب ما يشبه قصتها هي،‮ ‬وأن بطلة قصتها تخاطبها بين آن وآخر،‮ ‬حتي يبلغا معا حدّ‮ ‬التطهّر،‮ ‬ويكتشفا معا ما كان خافيًا علي كل منهما من أسرار الحياة الزوجية،‮ ‬ومكامن السعادة أو الشقاء‮.‬
تتداخل شخصيات الرواية بين نوي الكاتبة أوالراوية التي قد تتبدّل أسماؤها،‮ ‬والبطلة التي لا تحمل اسما بعينه،‮ ‬وتتلظّي خلفها المؤلفة‮. ‬في عالم الرواية مجموعة من النساء؛ امرأة واحدة في المركز وصديقاتها في محيط مجتمع يعكس تعقيداته أولا في الاختلافات الدينية قبل الطبقية‮. ‬ثمة تنقّل بين الكاتبة والراوية والبطلة؛ لأنهن جميعا يرتبطن بخيط رفيع من‮ "‬الذاتية‮"‬،‮ ‬أي الذات التي تري وجودها انعكاسا في مرآة الحياة،‮ ‬أو تقلّبا في مراحل،أو صورا في أحلام‮. ‬وحين تكرر المرأة وقوفها أمام المرآة،‮ ‬يكون الشيب قد‮ ‬غزا نفسها وروحها قبل رأسها،‮ ‬وتكون أحلامها قد صارت كوابيس ليلية بفعل القلق وفقدان الثقة بالنفس‮.‬
إن أبطال الرواية هم شخوص من لحم ودم،‮ ‬إذ إنهم يتجسدون في فكر القارئ علي هذا النحو وقبله في فكر الراوي-المؤلف‮ (‬الراوي الداخلي‮ "‬نوي‮" ‬والمؤلف الحقيقي‮ "‬جني‮"). ‬هكذا،‮ ‬تتحرك البنية السردية للرواية علي محوري الفصل/الوصل،‮ ‬أي بنية الرواية داخل الرواية،‮ ‬حيث بعض المقاطع المكتوبة بخط أسود ثقيل تُحيل إلي شخصية نوي-الصحفية والمؤلفة،‮ ‬والمقاطع بالخط العادي تحيل إلي عالم الرواية الداخلي للمرأة التي هي المعادل الموضوعي‮/ ‬التخييلي لشخصية نوي.أما عن البنية الزمنية فأغلب المشاهد تتحرك بين‮ "‬هنا-الآن‮" ‬زمن الكتابة والتأليف و"هناك-حينذاك‮" ‬زمن الشخصيات الداخلية التي تحيا في عالم موازٍ‮ ‬لواقع نوي وزوجها وأولادها‮. ‬وعلي الرغم من كون هذه الرواية هي الأولي للكاتبة جني نصر الله،‮ ‬فإنه‮ ‬يمكن القول إنها قد أدخلت الكاتبة إلي عالم الرواية الرحب من باب كبير،‮ ‬حيث استطاعت أن تشيّد رواية متماسكة إلي حد بعيد،‮ ‬مهما رصدنا لها بعض الملاحظات هنا أو هناك‮.‬
لعل من يقرأ هذه الرواية بعمق كافٍ‮ ‬يستطيع وضع يده علي مفاصلها البنيوية ومحرّكاتها الثقافية،‮ ‬فالإشكالية التي أنتجتها الرواية عن علاقة الإنسان بالزمن،‮ ‬وعلاقة الجسد بالشيخوخة والذبول،‮ .. ‬وغير ذلك من مقولات لا تنفصل عن موضوع‮  ‬الزمن،‮ ‬كلها مقولات ختمتها الكاتبة بنهاية مستسلمة للقدر،‮ ‬منصاعة للأسئلة الوجودية عن الحياة والموت والخوف من الغيب،‮ ‬بل من النسيان،‮ ‬حيث تركت كل هذه التساؤلات لأقدارها من دون إجابات مباشرة عنها؛ الأمر الذي بلغ‮ ‬بها وبنا نتيجة بعينها مفادها‮: ‬لماذا علينا أن نقلق لذكرانا بعد الموت؟‮!‬
إن رواية جني نصر الله‮ (‬النوم الأبيض‮) ‬دعوة إلي تلك المتاهة اللذيذة،‮ ‬متاهة الحياة،‮ ‬بأبوابها ودهاليزها المتعددة‮. ‬وهنا،‮ ‬تتجسّد الرؤية التي تنتجها الرواية،‮ ‬حيث الموت امتداد للحياة،‮ ‬وحيث تحولات الجسد لا تعني النهاية أبدا،‮ ‬بل بلوغ‮ ‬مرحلة لها‮ ‬غوايتها في كل زاوية من زواياها،‮ ‬وما علي الإنسان سوي التكيّف والبحث عن مصادر السعادة أو مكامن البهجة‮. ‬وعلي الرغم من كون هذه الرؤية ذات صلة وطيدة بالرؤية القَدَرية للعالم،‮ ‬فقد جاءت‮ -‬من الناحية الفنية‮- ‬متماسكة.لقد استطاعت رواية‮ "‬النوم الأبيض‮" ‬أن تقدّم‮ -‬عبر لغتها وتمثيلاها السردية‮- ‬صورة دقيقة لهموم المرأة المعاصرة المذبذبة بين نداءات الجسد وعذابات الروح التوّاقة إلي تجاوز مشكلاتها وتطهير روحها مما علق بها من أدران العلاقات العابرة،‮ ‬والراغبة في استئناف الحياة بروح‮ ‬مغايرة‮.‬

تعليقات القرّاء