رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هكـذا تكـلم محمـد بـرادة‮ : ‬ مـوت مختلـف‮..‬رواية إبـداع مختلـف


أسامـة الصغيـر
3/18/2017 10:27:17 AM

‮" ‬تغمرني رغبة كاسحة في أن أسرد رحلتي بطريقة ما،‮ ‬لتبدو المراحل والقسمات ماثلة بارزة،‮ ‬فتسعفني ربما علي أن استوعب مسارا خضع للارتجال والنزوة والجري وراء أحلام عزيزة المنال‮ "  ‬ص‮ ‬9‭.‬‮ ‬كانت هذه التعويذةَ‮ ‬الروائية التي أجراها المؤلف علي لسان سارده الرئيسي،‮ ‬ليبرر بها دواعي خروج النص إلي التلقي،‮ ‬غير أن أستاذَ‮ ‬الفلسفة منير في رحلة استرجاعه لهذا المسار الدال والطويل،‮ ‬لا‮ ‬يغفل ملابسات الذاكرة وقدرتها علي التمويه،‮ ‬فيقول‮: " ‬أعرف أن استعادة حياتنا بأي شكل نختاره،‮ ‬لا تساعدنا علي حذف مقطع أو صورة من فيلم الذاكرة المشتبك مع تفاصيل واستيهامات لا ندري من أين تنبثق‮ "‬،‮ ‬بهذا الشكل‮  ‬يفتح أمامنا محكيات ومخفيات العلبة السوداء القابعة في أعماقه،‮ ‬ويستدرجنا إلي مسقط الرأس،‮ ‬فضاء الانتماء الأولي للهوية،‮ ‬تلك الهوية التي‮ " ‬تبدأ واضحة،‮ ‬رنانة،‮ ‬قبل أن تسلك مسارب الالتباس والتحول وتنحسر في نطاق فقدان اليقين‮. " ‬ص‮ ‬9
من آيات نباهة وفرادة هذا العمل،‮ ‬أن بنية النص وهندسته تخدمان الرهان الروائي بشكل مكين،‮ ‬إذ نحس كأننا في متاهة وجود سردي‮  ‬وتجربة حياة متفلسفة لا استقرار فيها ولا ثبات،‮ ‬وهو ما تبغي الرواية إبلاغه جماليا‮. ‬من حيث الوفاء لروح النص الفلسفي التحليلي،‮ ‬بدأ السارد بصيغة الأنا في مقدمة تمهيدية حدد فيها الحكاية‮ / ‬الأطروحة الإطار،‮ ‬إذ منير رجل‮ ‬غادر دبدو مسقط رأسه متجها إلي فرنسا عام‮ ‬1965،‮ ‬تم ها هو‮ ‬يعود إليها بعد‮ ‬47‮ ‬سنة من الغياب الكامل‮. ‬في هذه المقدمة‮ ‬يطرح السارد الأسئلة الإشكالية التي ستنبري أطوارُ‮ ‬السرد لبحثها وتحليلها،‮ ‬من هناك‮ ‬يبدأ منير كتابة مساره ببحث دواعي سفره واختياره الحضورَ‮ ‬في محيط وثقافة الآخر‮.‬
في الجزء الأول من العرض الروائي المعنون‮: " ‬في بلاد الأنوار‮"‬،‮ ‬يعرض منير رحلة الولع المعرفي إلي فرنسا،‮ ‬هناك حيث انخرط في حومة النضال والمناخ الثقافي والسياسي حالما بتحصين واسترجاع قيم الأنوار مُعوّلا في ذلك علي الاتجاه اليساري التقدمي‮. ‬
وبالانتقال إلي الجزء الثاني من العرض الروائي المعنون‮ " ‬العودة إلي مسقط الرأس‮"‬،‮ ‬تتناسل أسئلة المراجعة والمساءلة بعد ما‮ ‬يقارب نصف قرن من التجربة والالتزام العضوي في النسق الثقافي الغربي‮. ‬وصولا إلي الختم،‮ ‬يفتح السارد المحموم بالفلسفة الأفقَ‮ ‬الإنساني المشترك،‮ ‬مُتّبعا في ذلك الجدل الهيغلي،‮ ‬فمن فكرة الولع التام بالغرب/الأنوار،‮ ‬إلي نقيض الفكرة ومناقشة الإبدال الثاني بتأييد مرحلي للولع بموروث الأنا الثقافي والقيمي،‮ ‬تم الخروج بالطرح الثالث،‮ ‬ذلك الأفق الحضاري المشترك الذي‮ ‬يتصادي مع دعوات هومي بابا في موقع الثقافة‮.‬
‮ ‬في تصدّيه لقلق مبرر الرواية وتحديد حاضرها،‮ ‬ابتدع الروائي عبر الخطاب المعروض حيلةَ‮ ‬رسالةٍ‮ ‬الكترونية،‮ ‬اقترحت من خلالها العشيقة المومأ إليها‮ " ‬م‮ . ‬ف‮ " ‬علي البطل الممزق منير أن‮ ‬يجرب الكتابة‮: " ‬لماذا لا تحاول أن ترتاد مجال الكتابة لتحتمي من الملالة وشكوك الوجود ؟ ص‮ ‬45،‮ ‬حينها‮ ‬يصير منير مسرودا بضمير الغائب،‮ ‬عبر راوي الرواة،‮ ‬الذي‮ ‬يتوكأ كثيرا علي أشكال الخطاب المعروض،‮ ‬من قبيل‮ : ‬يوميات منير ورسائله الالكترونية مع رفيقه الفرنسي ألبير وابنه بدر وخاصة مع عشيقته‮ " ‬م‮ . ‬ف‮ "‬،‮ ‬حيث نلج عالم كتابة الكتابة أو الكتابة حول الكتابة،‮ ‬ويبدأ منير‮ ‬يُنفذ مقترح خليلته م‮ . ‬ف المغربية،‮ ‬فنفهم لماذا استجاب السارد لهذا المحفز المغربي في الكتابة‮: ‬لأن الذات المغربية في مسيس الحاجة إلي هذه الخبرة والمعرفة والمساءلة،‮ ‬بذلك كانت رحلةُ‮ ‬البحث في الذات عن الذات‮. ‬ولأن السارد‮ ‬يعيش حالة التوزع بين أنوات/مراحل مختلفة،‮ ‬باحثا عما‮ ‬يُنسقها ويستجمعها في كيان له معني وغاية،‮ ‬منشغلا بالجواب علي سؤال‮ : ‬من أنا وكيف أكون أنا،‮ ‬فإنه‮ ‬يسترجع ذكرياته بشكل مقروء،‮ ‬من هنا‮  ‬يختبر مدي صفاء محكيات الذاكرة واسترجاعاتها،‮ ‬ومدي خلوها من التهيؤات والتخييلات،‮ ‬يقول‮ " ‬المحكيات المركبة،‮ ‬المنقحة هي التي تطغي أثناء التذكر‮" ‬ص‮ ‬122،‮ ‬يضيف مختبرا‮  ‬قدرة الذاكرة ومستوياتها‮ : " ‬هل‮ ‬يبقي في ذاكرتنا جزء من التاريخ الذي عشناه ؟ أم إن ما‮ ‬يبقي هو مزيج زئبقي‮ ‬يشوش الصورة المصفاة التي نختزنها منذ اللحظات الأولي للقائنا بالأشياء‮" ‬ص‮ ‬125‭.‬‮ ‬هذا الحرص علي الذاكرة والتخييل‮ ‬يقربنا من احتمال كون النص سيرة ذهنية ثقافية،‮ ‬ذاتية وغيرية في الآن،‮ ‬من خلالها‮ ‬يحاول القبض علي النسق والنسغ‮ ‬الحياتي الوجودي الذي تمضي به وعبره الأشياء،‮ ‬إنها كتابة من الدرجة العالية في التركيب والتعاطي الفلسفي مع المحسوسات،‮ ‬يطبعها التجريد والتكثيف الشاهق،‮ ‬لذلك فهي تلتهب بالصهد والاحتراق الطالعين من جوانها،‮ ‬إنها رواية الأسئلة الحضارية الكبري،‮ ‬التي تظهر من خللها حيرة الكاتب وهو‮  ‬يتلظي بالوعي‮  ‬الشقي‮.‬
بحثا عن مواقيت هذا المنجز السردي،‮ ‬نجد أن الزمن الرئيسي للحكاية‮ ‬يبدأ من‮ ‬1965‮ ‬ممتدا إلي بداية‮ ‬2016،‮ ‬أما زمن الرواية فيبدأ من‮ ‬2014‮ ‬إلي بداية‮ ‬2016،‮ ‬رغم ذلك نجد استحضارا في مرويات راوي الرواة لمقاطع‮  ‬من رسائل مؤرخة في السبعينيات والتسعينيات،‮ ‬فكأنما ميقات الرواية أقدم من الميقات المذكور أو الموهم به جماليا‮.‬
‮ ‬بعد إرساء البُني الجمالية الصلدة،‮ ‬تمضي الرواية عبر أربعة خيوط سردية أساسية مربوطة إلي مخيلة السارد المرجعي بحذق ومهارة‮:  ‬زمن السرد إبان المقام الباريسي في الحاضر،‮ ‬ثم زمن السرد المسترجَع إبان النشأة‮ / ‬الهوية الأولي بمنطقة دبدو،‮ ‬وزمن السرد خلال رحلة العودة إلي دبدو،‮ ‬ثم زمن السرد بعد الإياب إلي فرنسا في أفق الرجوع إلي دبدو للإقامة الدورية فيها مدة النصف من كل سنة،‮ ‬هنا‮ ‬ينفتح السرد علي المستقبل،‮ ‬ذلك الآتي اللامتوقع‮ . ‬وهناك استراتيجية‮  ‬جمالية وخطابية دقيقة‮  ‬يتوسلها الروائي‮  ‬لتقديم أطروحة النص عبر لعبة التقابلات،‮ ‬أو الجدلية الحضارية‮  ‬بين وضع فرنسا الآخر ووضع المغرب الأنا،‮ ‬كما نلقاه‮ ‬يستدعي‮: ‬المسرح،‮ ‬التشكيل،‮ ‬الموسيقي،‮ ‬الشعر،‮ ‬أدب الرسائل،‮ ‬اليوميات،‮ ‬السينما،‮ ‬التوثيق‮. ‬وإذا كان لا مناص للسرد من آليات الوصف،‮ ‬فإن ما‮ ‬يشد النظر في سرد برادة أنه لا‮ ‬ينجرّ‮ ‬إلي وصف الأفضية والأشكال الظاهرة من الشخوص والعالم الروائي التخييلي أو المرجعي،‮ ‬بل نجده منشغلا بوصف ورصد عالم الأفكار والمشاعر مما‮ ‬يزيد من فرادة هذا المنجز الإبداعي،‮ ‬حيث‮ ‬يتحدث السارد كأنما حاملا كاميرا داخلية تسجل وتلتقط وتوثق الهزات والاختلاجات النفسية والذهنية المستعصية علي
‮ ‬التقييد والتدوين،‮ ‬فنغدو في حالة ارتقاء وتجريد‮ ‬غرضُها القبض علي الأنساق المجردة والبنيات الكبري التي تُشيّد العالم في ارتباط مع الذات ساردةً‮ ‬ومسرودة‮.‬
هذا وقد توسل الكاتبُ‮ ‬لشخصياته أسماء بصفات ودلالات إيجابية مثل‮:  ‬منير ورابح وصادق،‮ ‬وبدر،‮ ‬لأنه‮  ‬مراهن علي القادم والأمل‮. ‬كما لا‮ ‬يفوتنا التنبيه إلي أن المقطع الأخير‮  ‬يسجل عودةَ‮  ‬السرد بصيغة ضمير الأنا من خلال العنوان الفرعي‮ : " ‬يقول منير‮ "‬،‮ ‬حيث‮ ‬يتكلم هذا الأخير بأريحية وحميمية كانت وراء الروح الشاعرية التي وسمت خاتمة الرواية‮. ‬من هنا،‮ ‬فهذه الورقة النقدية،‮ ‬ستكون وفية لهذا التقسيم الفني الفلسفي،‮ ‬بأن تقف بعد هذه المقدمة المنهجية‮ / ‬الهيكلية عند التمفصلات الثلاث التي ذكرناها،‮ ‬وأولاها‮ :‬
هجـرة عنفـوان الشـباب والافتـتان بالكـونية‮.‬
السارد المحوري منير،‮ ‬شاب من أم ذات أصل أمازيغي وأب كسّاب من أصل عربي،‮ ‬بعد الباكالوريا سنة‮ ‬1965‮ ‬يغادر وطنه متوجها إلي فرنسا طالبَ‮ ‬ثم مُدرّس فلسفة‮. ‬هناك انخرط في‮  ‬حومة النضال داخل مجتمع فيه‮  " ‬أسلاك الجدلية سارية دوما‮ " ‬ص‮ ‬14،‮ ‬قضي زمنه حالِماً‮  ‬من أجل انتصار الحزب الاشتراكي الذي انتمي إليه إيمانا بأن هذه هي الخطوة‮  ‬التصحيحية الضرورية التي تحتاجها‮  "‬فرنسا لكي لا تنحرف سريعا نحو رأسمالية عمياء،‮ ‬وعنصرية كاسحة تغتال مبادئ التنوير التي قامت عليها ثورة‮ ‬1789‮" ‬ص‮ ‬18‭.‬‮ ‬سيتزوج منير الفرنسية كاترين،‮ ‬بعد أن التقيا في‮ ‬غمرة انتفاضة الطلاب التي اندلعت سنة‮  ‬1968،‮ ‬وكانا من حجيج كعبة كوليت،‮ ‬حيث تمارَس طقوس الحرياتية،‮ ‬بعد التخرج ستمتهن زوجته المحاماة،‮ ‬وتكون نتيجةُ‮ ‬هذا اللقاء الحضاري بينهما ميلاد ابنهما‮ : ‬بدر،‮ ‬غير أن كاترين تنحدر في علاقة‮ ‬غرام مع سكرتيرتها لويز،‮ ‬علي إثر ذلك تقرر الانفصال عن زوجها منير،‮ ‬مؤْثرة‮ ‬غواية لذة الجسد الأنثوي المماثل،‮ ‬إلي هنا نتساءل‮ : ‬إذا كان منير‮ ‬يدعو إلي تبني قيم التحرر،‮ ‬ومنها تحرر العلاقات الجنسية والاجتماعية من مؤسسة الأسرة والمجتمع والدين،‮ ‬فلماذا‮  ‬أَحسَّ‮ " ‬بما‮ ‬يشبه الصدمة‮ " ‬و‮ " ‬بزلزال المفاجـأة‮ " " ‬ص‮ ‬133،‮ ‬عندما أخبرته كاترين بقرار انفصالهما وارتباطها‮  ‬في علاقة مثلية مع لويز ؟،‮ ‬لكن‮  ‬السارد سيُجيبنا بعد الصدمة،‮ ‬إذ‮  ‬يؤوب منير إلي قاعدة اختياراته الوجودية،‮ ‬ليتشرب الرّجّة ويؤمن بنتائجها الحرياتية‮. ‬ونحن ندقق مستويات الخطاب،‮ ‬نجد السارد ليصَف هذا الترحال الثقافي،‮ ‬يستعمل عبارة‮ " ‬هجرتي إلي بلاد الإفرنج‮ " ‬ص‮ ‬26،‮ ‬التي تُحيلنا إلي المصطلح التراثي‮/ ‬النهضوي في نعت بلاد الآخر الغربي إبان اللقاء معه‮ ‬،‮ ‬خلال سرديات الهجرة والوفود الأولي،‮ ‬سيما مع البعثات العلمية والطلابية‮. ‬
إذا كان منير قد انخرط في حومة النضال الفرنسية،‮ ‬فإنه وضعَ‮ ‬المغرب في خانة المؤجلات كما‮ ‬يقول راوي الرواة،‮ ‬وظل‮ ‬يتابع عن بعد أنباء القمع وفصول أزمنة الرصاص‮. ‬لكن حتي وهو في المهجر لم نعرف عن تواصله أو علاقته مع المناضلين الوطنيين في الخارج من أجل الداخل،‮ ‬ونتساءل لماذا هذا الفطام والقطيعة الباتة ؟‮. ‬هذا ما‮ ‬يبدو في ظاهر العلاقة مع الوطن،‮ ‬ومع الأم والأب بما قد‮ ‬يرمزان إليه من قيم الهوية والنبع،‮ ‬لكن في القرارات الوئيدة تلتهب الأسئلة حول القيم الهوياتية،‮ ‬وكأن صلابة المعرفة قد هوت‮ " ‬أمام هشاشة كامنة‮ " ‬وعادت لا نهائية الأسئلة لتَفتح أبواب اللايقين،‮ ‬فبهاجس الوعي الشقي نسمع السارد‮ ‬يتساءل‮ : " ‬هل كل هذا الصرح أصبح في مهب الريح‮ " ‬ص‮ ‬133،‮  ‬ويزيد متحيرا‮ " ‬لماذا هذا التعثر،‮ ‬وأين‮ ‬يكمن الخطأ إذن ؟‮ "‬،‮ ‬وغزلا علي نول الأسئلة،‮ ‬نقول‮ : ‬هل نهاية الزواج والانفصال بين منير وكاترين،‮ ‬هي النتيجة المتوقَّعة لهذا اللقاء الثقافي بين نسقين متخالفين ؟ هذا السؤال المفترض،‮ ‬يقربنا من عمق هذه الرواية الإشكالية المهمومة بشواغل الأسئلة الحضارية والثقافية في العلاقة بين الغرب والشرق ومفهوم الهوية وتحدياتها‮. ‬
الإيـاب إلـي الـذات ومسـاءلة
‮ ‬التجـربة فـي عالـم الآخــر
‮ ‬بعد أن أحيل علي التقاعد،‮ ‬وخفّت‮  ‬الضوضاء من حوله،‮ ‬اقترب منير من السكات،‮ ‬يتأمل مساره ويقول‮ " ‬ندم عارم‮ ‬يحاصرني وأنا أستعيد هذا الغياب المقترن باليتم‮ " ‬ص‮ ‬18‭.‬‮ ‬وفي ذروة المراجعة لدورة حياته وتجربته الراهنة،‮ ‬يدرك أنه أغفل جذوره الأولي‮ " ‬وما‮ ‬يحيط بها من شروط مغايرة لمجتمع فرنسا‮ " ‬ص‮ ‬154،‮ ‬إثر ذلك وبعد‮ ‬47‮ ‬سنة‮ ‬يعود إلي بلدته دبدو وقد توفيت والدته ثم تبعها والده بعد خمس سنوات،‮ ‬فنتساءل حول رمزية هذه الإماتة للأم وللأب،‮ ‬ولماذا ترويض الذات علي الغياب والابتعاد عن سلطة الأم والأهل‮: ‬هل هي مسافة الفطام اللازمة من أجل تحقيق الذات واجتراح القطيعة في أبعادها الكبري،‮ ‬وهل مرض الأم وموتها نتيجةَ‮ ‬فشل طبيب المستوصف المحلي،‮ ‬قد‮ ‬يُعدُّ‮ ‬رمزا علي أنها حملت في جيناتها أسباب موتها متكئة علي المعرفة والخبرة المحلية اللامجدية والأصلانية المنكفئة،‮ ‬وهل رفضُ‮ ‬الأب الإقامة المؤقتة في فرنسا بدعوة من ابنه منير،‮ ‬هو ما جعله‮ ‬يلقي حتفه بما‮ ‬يفيد أن‮ ‬من عزلتها وانكفائها تموت الثقافات والمجتمعات ؟‮.‬
في بداية هذا الإياب إلي الذات‮ ‬يَبرُز فشل واضطراب العلاقة مع المجال،‮ ‬فيلجأ منير إلي الاستيعاض بأحلام اليقظة والتخيلات،‮ ‬يضع عنه جبة المنشغل بالفلسفة ومجرداتها،‮ ‬وبقوة الإيحاء الفنتاستيكي‮ ‬يصير مهندسا‮ ‬يبني ويشيّد صرح ميكالوبوليس قريته دبدو،‮ ‬هنا نجده‮ ‬يبني معمار داعية التقنية كما حدده المفكر عبد الله العروي،‮ ‬ليقوِّضه فيما بعد،‮ ‬وينسف دعواه في نشدان التغيير‮. ‬بذلك‮ ‬يضعنا المؤلف في صلب حركة الأنسنة وفلسفة الأنوار التي هي الطور الأول اللازم لتحرير الإنسان وانعتاقه نحو الأفق الإنساني‮. ‬إن صوت الحكمة والتعقل‮ ‬يصّاعد من أعماق التجربة والممارسة ويقول منير‮: "  ‬ما موقع دبدو من نفسي لأني أحسها متغلغلة ما تزال،‮ ‬في السويداء والوجدان ؟ أعود إليها وقد انجلت أحلام الشباب،‮ ‬وتعبت من الجري وراء أحلام الثورة وتغيير الجلد،‮ ‬وأريد أن أعرف حقيقة شعوري داخل عالم ملتبس الحدود،‮ ‬مختل الإيقاع كل‮ ‬يوم هو في شأن ؟‮ " ‬ص‮ ‬23،‮ ‬هذه المساءلة والجرأة الفكرية في الاقتراب من‮ " ‬قفير الأسئلة اللاسعة‮ " ‬ص‮ ‬54،‮ ‬تجعله‮ ‬يدرك أن‮ " ‬العالم أوسع من أن تلخصه ثورة،‮ ‬أو مذهب فكري‮ " ‬ص‮ ‬153،‮ ‬ويُشرِع الكوي علي‮ " ‬اللامتوقع،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬يفاجئنا بحدوثه وينبهنا إلي إمكانات أخري،‮ ‬إلي فضاء لم‮ ‬يكن‮ ‬يخطر علي البال ونحن سجناء الفضاء المألوف ص‮ ‬43‭.‬‮ ‬
‮  ‬في محاورة المراجعة الحضارية مع ابنه بدر،‮ ‬يُقرّ‮ ‬الأب أنه أخطأ التقدير،‮ ‬وأن‮ " ‬معركة الأنوار ليست‮ ‬يوتوبيا جاهزة شيدها فلاسفة ودبجوا فيها نصوصا مقدسة،‮ ‬بل هي قيم إنسانية متجددة تستدعي نضالا جدليا دؤوبا‮ "‬،‮ ‬ويلتفت إلي منجز الذات/الهوية،‮ ‬إلي‮ " ‬كنوز ثمينة تتمثل في صفحات جديرة بإيقاظ الهمة والتلويح بمستقبل زاهر‮ ‬ينبعث من أطلال بني مرين وعين اشبيلية‮ " ‬ص‮ ‬32‭.‬‮ ‬إنه عاد عبر رحلة تاريخية‮ ‬يفلي الأنساق المعرفية لمسقط رأسه الثقافي ويستنطق التاريخ حول منطقة دبدو في عصر المرينيين والوطاسيين،‮ ‬وتعايش العرب والأمازيغ‮ ‬واليهود والمسلمين بعد هجرة الموريسكيين من الأندلس،‮ ‬وكأننا بالرواية والراوي،‮ ‬بعد رحلة الإياب والمراجعة،‮ ‬معا‮ ‬يتساءلان‮ : ‬هل تستطيع الذات أن تحقق نفسها إن هي محت حمولاتها الذاكرية وقطعت كل آصرة مع ماضيها وبدايتها ؟ ثم ألا‮ ‬يكون منير هو الكينونة العربية الباحثة عن مخرج من حالة التيه الحضاري‮/ ‬الهوياتي؟‮.‬
نجد أن الكاتب‮ ‬يسائل ماضي المغرب،‮ ‬يُرهّن الأسئلة،‮ ‬ويدعو إلي استلهام روح التاريخ ولحظاته المجيدة الفارقة من أجل بعث الحياة في الجسد/الحاضر المغربي العائش خارج صيرورة التطور التاريخي ودينامية العصر،‮ ‬ولكنا نتساءل هل للأب الكسّاب،‮ ‬كل تلك المعرفة والقدرة الذهنية لتثمين المقدرات التاريخية الحضارية والتراث اللامادي لمنطقة دبدو أثناء حكم المرينيين والسعديين وأثناء استقلالها كإمارة ووفودِ‮ ‬اليهود إليها،‮ ‬ومن ثم التحسر الدائم علي هذا المجد الضائع ؟،‮ ‬ألا‮ ‬يكون هذا الوعي أكبر من الوعي المفترض لدي رجل بسيط ؟،‮ ‬وعلي ضوء هذا التفسير‮  ‬ندرك تسرب رؤية منير إلي رؤية والده،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬ينسجم مع رهان الكاتب علي رمزية قتل الأب وموضعة الرؤية الحداثية العالمة موضع الرؤية العامية‮. ‬ورغم إيمان السارد بالقيم الحضارية الكونية والأنوار المنبعثة من فرنسا،‮ ‬فهو لا‮ ‬يغفل التجربة الكولونيالية لحضارة الأنوار وقيمها،‮ ‬بل‮ ‬يُحمِّلها عبء تجربتها الاستعمارية،‮ ‬وقد كان الكاتب متفطّنا إلي هذا الخطاب عندما ضَمّنه في رسائله إلي زميله في النضال،‮ ‬الفرنسي ألبير،‮ ‬محددا المرسَل إليه بدقة وغائية،‮ ‬مقدّما دراسة ثقافية عن فرنسا بدءا بما بعد مرحلة الأنوار،‮ ‬وانقلاب نابليون في حملاته التوسعية علي دعاوي الأخوة والحرية،‮ ‬ليتركز الطرح النقدي علي فرنسا المعاصرة مع دوكول،‮ ‬ثم الحكومات الاشتراكية وقد خانت وعود وآمال النخبة التي خابت وانزوت في الضواحي تتجرع مرارة النكسة والانكسار وخفوت‮ ‬قيم الأنوار‮.‬
‮  ‬في سياق النقد المعرفي للنسق الثقافي الفرنسي،‮ ‬يقف منير عند أحزمة الضواحي مع تلاميذ المهاجرين الأفارقة والآسيويين،‮ ‬أبناء وأحفاد‮ " ‬الثقافات الأخري التي‮  ‬لقّحت حضارة الغرب عندما كان‮ ‬يغادر القرون الوسطي‮"‬،‮ ‬إنه‮ ‬يفضح انقلاب الغرب علي مبادئه واستبدالها بأطاريح اللامساواة والعنصرية،‮ ‬بهذا،‮ ‬فالكاتب‮ ‬يمضي في حركة نقد مزدوج عبر تقنية السرد المرآوي التقابلي بين الأنا المغربي والآخر الفرنسي،‮ ‬مراهنا علي الآتي،‮ ‬علي اللامتوقع‮. ‬في أتون هذا الاصطلاء بضراوة الوعي الشقي،‮ ‬وسط‮ ‬غلالة الهشاشة والشك واللايقين،‮ ‬وفي متاهة الحيرة،‮ ‬تُشكِّل رمزيةُ‮ ‬الجسد الأنثوي دورَ‮ ‬المنبه الموقظ،‮ ‬فكُلما خبا منير في حالة‮ " ‬الاختفاء‮"‬،‮ ‬إلا ونجده‮ ‬يستدعي الجسد،‮ ‬حتي لكأنه ذلك الحَجر الذي اكتشفه الإنسان ونقله من طور إلي آخر،‮ ‬ومن ظلام إلي نور،‮ ‬إذ مع عملية الاحتكاك والشحذ أثناء معاشرة‮  ‬المرأة،‮ ‬تُقدَح شرارة الأنوار وتتدفق إرادة الحياة متجاوِزة حالة‮  " ‬النفاذ والنضوب‮ ". ‬
‮  ‬وقد كانت استراتيجية منسجمة أن‮ ‬يصير منير طالبَ‮ ‬ثم أستاذَ‮ ‬فلسفة حتي تكون له الأهلية المعرفية لاستيعاب ونقاش الإرث الحضاري والثقافي الفرنسي‮/‬الغربي والمغربي‮/‬الشرقي‮. ‬هنا‮ ‬يَستثمر برادة بصفته راوي الرواة المرجعي،‮ ‬تجربته المخضرمة في الأوساط الفرنسية والمغربية،‮ ‬وإن كان‮ ‬ينسف الأطاريح المتطرفة الإرهابية،‮ ‬فهو لا‮ ‬ينجرُّ‮ ‬إلي التأويلات الفوقية لما‮ ‬يُسمّيه الساردُ‮ " ‬مفكري الشاشة الصغري‮" ‬المأخوذين بآنية التلقي والتأويل،‮ ‬بل إنه‮ ‬ينظر إلي الأنساق ويحلل الظواهر وفق رؤية حضارية مُركَّبة،‮ ‬يتحمل عبأها الغربُ‮ ‬نفسه،‮ ‬في ابتكار جنون الإفناء والتمزيق وصناعة الكابوس،‮ ‬ذلك‮ " ‬المسكوت عنه الذي‮ ‬ينهك العالم‮". ‬ونحن لمّا نصغي للسارد بعد رحلة العودة،‮ ‬نجده قد تحرر من أن‮ ‬يكون واقعا ضحية استلاب في النموذج الحضاري الغربي ومتحررا أيضا من معاداته،‮ ‬إنه بعبارة طرابيشي ليس مريضا بالغرب ولا مريضا منه،‮ ‬إنه‮ ‬يتساءل بوعي وتيقظ‮ " ‬لماذا‮ ‬يحاصرني هذا الهوس بما حققه الغرب من معجزات في العلم والمعمار ؟ ص‮ ‬29‭.‬‮ ‬بتجميع ما سبق،‮ ‬نُجمل القول حول هذا المنجز بأنه بحث روائي رؤيوي‮ ‬يتوسل المعرفة،‮ ‬وأنها معرفة تتوسل البحث الروائي في جدلية إبداعية مائزة،‮ ‬الشيء الذي‮ ‬يمنح النص صلابة وتماسكا عزّ‮ ‬نظيره،‮ ‬بعيدا عن التفجُّع الوجداني والمراثي العاطفية وعويل الخواطر السردية،‮ ‬التي حوّلت الرواية العربية إلي حائط مبكي تخييلي‮.‬
رهـان الأفـق الإنسانـي المشتـرك وشاعـرية الخـتام
‮ ‬‮  ‬أشرنا في المقدمة إلي كون بنية أزمنةِ‮ ‬السرد وخيوطه تنتهي عند المستقبل وتُبقي بنيةَ‮ ‬الرواية مشرعة عليه وفيه،‮ ‬ومن ثمة ما خلصنا إليه أن بنية السرد وهندسته تخدمان الرهان الثقافي المستقبلي للرواية عبر أطروحة‮ " ‬الانتقال من ماض إلي حاضر منفتح علي ما هو قيد التشكل‮" ‬ص‮ ‬77‭.‬‮ ‬فبعد المراجعة الفكرية الجريئة،‮ ‬وبحافز من محاوَرته مع نفسه وابنه،‮ ‬يقرر منير تقسيم إقامته بين دبدو وفرنسا في رحلة بحث ثقافي عما تكون الذات،‮ ‬مع الوعي بأن الجوهر ليس شيئا ثابتا،‮ ‬مكتملا وليس معطي دفعة واحدة،‮ ‬بل هو مشدود إلي الصيرورة والتحول‮" ‬وهو‮ " ‬ينضج بتجربة الحياة مع الآخرين‮" ‬ص‮ ‬236‭.‬‮ ‬إنها إذن حركة‮  ‬تفكير طباقية،‮ ‬وفلسفة ذهاب وإياب حضاري بين‮ " ‬فضاءين متباينين قد‮ ‬يلتقيان عند أفق مشترك‮ "  ‬ص‮ ‬240،‮ ‬ودعوة إلي استحضار قيم الخير والحق والجمال،‮ ‬من هنا الارتباط بالأفق والرهان علي القادم‮. ‬إننا مع رواية أُسُّها المستقبل،‮ ‬بعيدا عن المناحات،‮ ‬ونوستالجيات التفجع علي الفائت وعبادة الذكريات‮ ‬،‮  ‬بل هو الشوق إلي القادم،‮ ‬والتوق إلي اللامتوقع‮.‬
‮ ‬يقول بدر‮ " ‬أشعر أن قلبي‮  ‬يتسع لاحتواء كل البشر والثقافات والأديان من دون أسيجة أو حدود‮ "‬،‮ ‬غير أنه‮ ‬يعيش حالةَ‮ ‬رعب خوفا من الابتلاع والإلغاء ويضيف‮ " ‬كأنما هناك مصادرة لحقي في المزج بين هويات متعددة تمنحني الانفتاح والتوازن من خلال التهجين المخصب الذي علمْتني إياه‮ " ‬ص‮ ‬201‭.‬‮ ‬هذا الانطلاق والتحرر الذي لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتأتي إلا عبر‮ " ‬القيام بتفريغ‮ ‬شامل لما امتلأت به عقول الناس من معارف ومقولات،‮ ‬كثيرا ما تحجب عنهم الرؤية الواضحة وتمنعهم من الانفتاح علي وعي مغاير‮ ‬يضيء الواقع‮ "‬،‮ ‬لهذا عَمّد الكاتبُ‮ ‬ساردَه الأول باسم منير،‮ ‬مُحمِّلا إياه صفةَ‮ ‬وهدف رسالة‮  ‬الأنوار والتنوير‮. ‬في مستوي آخر قد‮ ‬يرمز بدر إلي المعرفة‮/ ‬المحصَّلة من لقاء النسق المغربي بآخَره الغربي الفرنسي،‮ ‬بالتالي فهي معرفة مهتزة،‮ ‬قلقة في حيرة متجاذبة،‮ ‬كما هو شأن الهوية المتحركة،‮ ‬ثم قد‮ ‬يكون بدر هو ذاك الموقع الثالث للثقافة الناجم عن التخصيب الحضاري بين أنا مغربي‮ ‬يجسده منير وآخر فرنسي ترمز إليه كاترين،‮ ‬لذلك فهذا البدر‮ ‬يقف في المنطقة القلقة،‮ ‬وهو لا‮ ‬يُذكَر أو‮ ‬يُستحضَر إلا في المنطقة البينية الحرجة والفوارة‮. ‬نلمس ذلك الخوفَ‮ ‬من الابتلاع‮ ‬يُقلق الشاب بدر في حواره مع والده منير،‮ ‬حيث‮ ‬يعيش حالة التوزع،‮ ‬ولا‮ ‬يدري أيعود إلي النسق الثقافي الأصل‮  ‬ويدنو منه أكثر،‮ ‬أم‮ ‬ينصهر في النسق الفرنسي،‮ ‬مُعِّبرا عن حالة الثقافة الكونية اليوم‮. ‬في هذا الحوار ذاته‮ ‬،‮ ‬يُصرّح الأب لابنه‮  " ‬لقد كنتَ‮ ‬تربة خصبة لما زرعناه فيك من توجهات تتطلع إلي تحرير الفرد وربطه بأفق مجتمعي‮ ‬يعزز رهانا تاريخيا أفضل‮" ‬ص158،‮ ‬فهو إذن‮ ‬يَعتبره ضوءا وامتدادا لأحلامه،‮ ‬لذلك‮  ‬نستشف دلالة تسميته‮ : ‬بدر،‮ ‬ولأن الأب المرجعي للنص‮ ‬يراهن علي خطاب وقيم الأنوار،‮ ‬فهو من جهته أيضا سمّي ابنه التخييلي،‮ ‬وسارد‮  ‬حلمِه الأدبي‮:  ‬منير‮. ‬ولا بد من تأكيد أن الحلم هنا لا‮ ‬يرتبط بالحالم،‮ ‬بل هو جدلية مستمرة،‮ ‬تتجاوز‮ " ‬الذات المحدودة‮ "‬،‮ ‬وهو فوق أي‮ " ‬أقانيم ثابتة‮ "‬،‮ ‬لذلك قلنا إنها‮  ‬كتابة الأفق،‮ ‬كتابة مرتبطة‮ " ‬بالديمومة المتخطية لراهنية الزمن الظرفي‮ " ‬ص‮ ‬175‭.‬
‮ ‬عندما ندنو من نهاية أطوار المكتوب الروائي،‮ ‬تُحَل مستغلقات العنوان‮ " ‬موت مختلف‮ "‬،‮ ‬حيث تُهيمن هذه التيمة عبر مستويين،‮ ‬أولهما كابوس الموت‮: ‬إفناء الإنسان واغتيال الطبيعة،‮ ‬الكابوس الذي صار الروزنامة اليومية لإنسان العالم المعاصر،‮ ‬وباستغوار معرفي‮ ‬يحفر الكاتب في جينالوجيا الكابوس الذي‮" ‬خرج من أحشاء حضارة إنسانية شيدت دعائم العلم والتكنولوجيا المتقدمة والحكامة‮  ‬والديموقراطية ص‮ ‬190،‮ ‬هو كابوس الإفناء الذي بزغ‮ ‬من رحم الحربين العالميتين واستمرت مخلفاته السياسية والاقتصادية التي أفرزت هذه الأوضاع الإنسانية،‮ ‬حيث انتشر الكابوس وران علي العالم متخذا أشكال ردود الأفعال المدمرة والمتطرفة‮. ‬أما المستوي الثاني من حضور تيمة الموت،‮ ‬فيبدأ بإشكال الموت وأرقه‮  ‬الذي‮ ‬يشغل منير وهو‮ ‬يرسم ملامح الموت المختلف،‮ ‬ويدخل في‮  " ‬ورطة‮  ‬التأويلات الفلسفية المتصلة بميتافيزيقيا الوجود والعدم‮ " ‬ص‮ ‬232‭.‬‮ ‬
في آخر القول الروائي،‮ ‬يبتدع السارد ويتخيل ذلك الحوارَ‮ ‬المستقبلي الذي قد‮ ‬يدور بينه وبين بعض الشبان في دبدو بعد أن‮ ‬يستقر فيها بشكل دوري كما خطط لذلك،‮ ‬هنا تتصادي المحكيات مع بنية ومضمون رسالة الوداع التي صاغها‮ ‬غارسيا ماركيز إلي العالم‮: " ‬لو أن الله وهبني حياة أخري‮"‬،‮ ‬فهذا‮ ‬يطلب الله لو منحه حياة أخري،‮ ‬والآخر‮ ‬يطلب من‮  ‬ممثل الموت عزرائيل وفتا مضافا،‮ ‬ومع‮  ‬محاورة الموت كما‮ ‬يمثله وينفذه عزرائيل،‮ ‬نعود إلي جدارية محمود درويش وهو‮ ‬يروض الموت،‮ ‬يحاوره،‮ ‬يستفزه،‮ ‬وينتصر عليه بالكتابة والفن وإرادة الحياة‮. ‬خلال هذا الحوار الأنطولوجي مع الموت،‮ ‬ندرك مغزي عبارة العنوان‮ : ‬موت مختلف،‮ ‬هذا الذي‮ ‬يأمل السارد في تحققه،‮ ‬عبر أمنية استئناف قرار الموت،‮ ‬ليغنم وقتا إضافيا‮  ‬يحاور فيه ملاك الموت عزرائيل،‮ ‬يُخبره بطموحاته وأحلامه الإنسانية النبيلة،‮ ‬ويفتح فيه أشرعة نحو عالم مستنير قادم‮. ‬ونري السارد‮ ‬يدفعه الروائي ليستمسك بالعروة الوثقي للأمل‮/ ‬الغد،‮ ‬فيختم الرواية في منزلة عالية من الشاعرية،‮ ‬إذ وقفت بيارق الأمل واستفاق الضمير من خلال تقليد‮  "‬الليالي الواقفة‮ " ‬التي تُحْيي النقاش الثقافي والقيمي،‮ ‬وتضُخ دماء الديمومة والجدلية في ساحة الجمهورية،‮ ‬هكذا‮ ‬يبقي النص روايةَ‮ ‬موت مختلف،‮ ‬يحمل جدلية الشك الفلسفي،‮ ‬وحيرة الوجود وأمل الأنوار‮.‬