رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

بحيرة الكبريت ‮ ‬شعب يحركه الأمل‮!‬


نسرين البخشونجي
3/18/2017 10:30:14 AM

اكتمال العمل الأدبي لا يمكن تحديده بعدد الصفحات وكثرة الكلمات‮. ‬هكذا ستشعر وأنت تقرأ رواية‮ "‬بحيرة الكبريت‮". ‬اختار الكاتب محمد الفارسي في عمله الأدبي الأحدث أن يجعل من السنوات التي سبقت ثورة يناير‮ ‬2011‮ ‬موضوعا مستخدما البطل‮ "‬خديوي‮" ‬كمحرك رئيسي في بداية النص وآخره‮. ‬
يأتي العنوان لافتا فبحيرة الكبريت هي المرادف المسيحي لنار جهنم في الثقافة الإسلامية‮. ‬ربما لهذا السبب تصدرت صورة السيد المسيح‮ ‬غلاف الرواية،‮ ‬ربما اختاره الكاتب للتعبيرعن حالة الغليان التي أصابت الشعب قبل ثورة يناير،‮ ‬وربما أراد ان يعبرعن حالة‮ "‬الفتنة الطائفية‮" ‬التي أصابت القرية وأشعلتها‮.‬
أعمال أدبية كثيرة ناقشت العلاقة بين المسلم والمسيحي،‮ ‬وربما بدأ القارئ يشعر أنها تيمة مفتعلة،‮ ‬لكن الفارسي أراد أن يستخدمها بشكل مختلف بأن يجعل اشتعالها إحدي إرهاصات الثورة‮. ‬ليوضح دور رجال الدين من ناحية ودور رجال الداخلية الفاسدين من ناحية أخري‮. ‬فاشتعال فتيل الأزمة وانشغال الناس بها كان بالنسبة لمأمور القرية أفضل من أن ينشغل الناس بهم،‮ ‬يقصد جهاز الشرطة‮.‬
استخدم الكاتب لكل فصل من فصول روايته اسما لشخصية‮  ‬ليسرد كل التفاصيل عنها،‮ ‬ربما سيشعر القارئ في البداية بعدم ترابط‮ "‬الحدوتة‮" ‬ولكن الكاتب جمع كل الخيوط في نهاية النص السردي‮. ‬بدأت بخديوي،‮ ‬ثم المأمور،‮ ‬حمد،‮ ‬بيشوي وهكذا‮. "‬خديوي‮" ‬اسم ليس علي مسمي أطلقه الكاتب لبطله ربما ليصف رغبة الناس الدفينة في الصعود لسدة الحكم،‮ ‬فخديوي لم يكن سوي عسكري في قسم شرطة إحدي قري الصعيد‮. ‬وليصنع الكاتب المفارقة جعل الاسم الحركي لخديوي‮ "‬قطران‮"‬،‮ ‬حتي صفاته الجسدية لم تكن سوي انعكاس لفقره وبساطة حاله‮. "‬يتعاقب عليه المأمورون‮.. ‬ثلاثين عامًا يطأون كرامته‮.. ‬يجيء أحدهم ويذهب دون معرفة اسمه الحقيقي‮ (‬خديوي السيد طنّاب‮).. ‬يكتفون بـ‮ ( ‬قطران‮ )." ‬لشدة الهوان الذي عاشه‮ "‬خديوي‮" ‬حلم بأن يلتحق ابنه بكلية الشرطة،‮ ‬وحين تم رفض قبوله،‮ ‬سعي لأن يلحقه بكلية الحقوق لكي يصير وكيل نيابة يبجله العامة ويهابه حتي مأمور القسم‮.‬
لا يمكن أن ينسي أحد حادثة عبارة السلام،‮ ‬وهي الحدث الأكبر والأهم في الرواية،‮ ‬استفاض الفارسي في وصف الحادثة مستخدما‮ "‬حمد‮" ‬الشاب الذي عاد هاربا من قبضة الأمير‮. "‬حمد‮" ‬الذي تمسك في عتمة الليل بشيء كي لا يغرق وفي الصباح اكتشف أنها جثة طفل‮. ‬المشهد كان مؤلما،‮ ‬فتسببت الحادثة في إصابة‮ "‬حمد‮" ‬بصدمة نفسية دفعته لاعتزال الحياة الاجتماعية لمدة‮  ‬خمس سنوات،‮ ‬ثم عودته بعدما قرأ في كتاب‮ "‬القاهرة في ألف عام‮" ‬للكاتب الراحل جمال الغيطاني عن طغيان الناصر محمد بن قايتباي وكيف أن مصر استطاعت رغم الظلم أن تعود،‮ ‬مرددا‮: "‬فيه أمل‮..‬فيه أمل‮". ‬بخروجه من‮ ‬غرفته باحثا عن صديق عمره وأخيه في الرضاعة‮ "‬بيشوي‮" ‬يكتشف أن كل شيء تغير فقد أصبح‮ "‬بيشوي‮" ‬شخصا آخر،‮ ‬ولكن من ناحية أخري مازال‮ "‬الأمل‮" ‬موجودا متمثلا في حركة‮ "‬كفاية‮". ‬
اللغة المستخدمة في النص شديدة التكثيف ربما لذلك أتت الرواية في‮ ‬135‮ ‬صفحة،ندر فيها الحوار بين الشخصيات معتمدا علي تقنية الراوي العليم الذي يروي الأحداث دون أن يكون طرفا فيها‮. ‬رغم قصر النص الروائي إلا أن‮  ‬الكاتب محمد نجار الفارسي ناقش عدة موضوعات مثل‮ "‬الفساد وزواج المال بالسلطة‮" ‬من خلال حادثة عبّارة السلام،‮ ‬مشكلات العمالة المصرية في دول الخليج وفكرة‮ "‬الكفيل‮" ‬التي أطلق عليها الكاتب اسم‮ "‬الرق العصري‮". ‬مرورا بالحراك السياسي ثم اندلاع ثورة يناير‮ ‬2011‮ .‬
‮"‬بحيرة الكبريت‮" ‬هي العمل الإبداعي الثامن في مسيرة الكاتب محمد نجار الفارسي،‮ ‬سبقها عدة أعمال منها‮ "‬القاهرة‮..‬روما‮" ‬التي صدرت عام‮ ‬2014‮ ‬والمجموعة القصصية‮ "‬الفوارس‮" ‬عام‮ ‬1999‮ ..‬تم تكريمه برئاسة الجمهورية عام‮ ‬2008،‮ ‬وحصل علي جائزة أدب الطفل مسابقة كتاب الجمهورية الكبري عام‮ ‬2010،‮ ‬وجائزة الرواية‮ ‬في مسابقة الناقد ربيع مفتاح عام‮ ‬2016‮ .‬

تعليقات القرّاء