رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية‮:‬اللغة والجسد


د‮. ‬محمد الشحات
3/18/2017 10:31:16 AM

تشتغل دراسة الباحث التونسي الأزهر الزنّاد‮ (‬اللغة والجسد‮) -‬الصادرة عن دار نيبور للطباعة والنشر،‮ ‬2015‮- ‬علي بحث العلاقة بين‮ "‬اللغة‮" ‬والجسد‮"‬،‮ ‬أو لنقل بصفة أدقّ‮ -‬حسب وصف الكاتب في متن دراسته‮- "‬اللغة‮" ‬و"الذهن‮" ‬أو‮ "‬اللغة‮" ‬و"الدماغ‮". ‬وهي دراسة تقع في المنطقة البينيّة بين علم اللغة وعلم وظائف الأعضاء‮ (‬الفيزيولوجي‮)‬،‮ ‬حيث تسعي الدراسة الحالية إلي إعادة موضعة الجسد في قلب الوجود البشري،‮ ‬فالوعي والفكر والتواصل وبناء الحضارات والتفلسف،‮ .. ‬وغيرها،‮ ‬كلها تابعة للجسد،‮ ‬نابعة من الجسد،‮ ‬قابعة في طوايا الجسد وفي ثناياه‮. ‬وللجسد بعدان؛ أحدهما مادي والآخر ثقافي رمزي‮. ‬وهما بعدان متلازمان في وجود الجسد واشتغاله في الكون‮. ‬من هنا،‮ ‬يحاول الباحث موضعة الجسد بوصفه مدخلا أساسيا في تنظيم العالم والواقع المحيط بنا،‮ ‬ببعديهما المادي الفيزيائي والعرفانيّ‮ ‬الرمزي‮. ‬هكذا،‮ ‬يتجلّي الجسد‮ -‬عبر هذه المقاربة النظرية التشريحية‮- ‬كائنًا في الفضاء والزمان والعالم‮.‬
لعل أفضل ما يمكن به تأطير مركبة الجسد في اللغة وفي الذهن القول إن اللغة حادثة بالجسد من حيث كانت من أعماله؛ ولذلك مثَّل الجسد بأعضائه وبأعماله وهيئته أول مورد يمدّها بالأسماء والأدوات والاستراتيجيات في العبارة سبيلا إلي الإمساك بالكون وتعقّله‮. ‬فإذا كانت اللغة في جميع مظاهرها ظاهرة ذهنية،‮ ‬وكانت جزءا من العرفنة‮ (‬المعرفة‮) ‬أو الذكاء في مفهومه العام،‮ ‬وكانت جميعها من إنتاج الدماغ‮ ‬عضوا طبيعيا ماديا،‮ ‬فكيف يمكن الرجوع بالتجريدي الرمزي إلي أرضيته الفيزيائية؟ هذا رهان من رهانات هذا الكتاب‮. ‬ولعل من أبرز النظريات التي التزمت في بنائها وتحليلها ووجهتها واحتكمت في جميع ذلك إلي العلوم بأنواعها بما فيها البيولوجية العصبية والنفسية وما إليها،‮ ‬إنما هي النظرية التوليدية‮. ‬وقد كان ذلك صريحا منذ بداياتها مع ناعوم تشومسكي وآخرين،‮ ‬ممن كانوا يرون ضرورة اعتبار اللسانيات جزءا من علم النفس،‮ ‬بل قسما من البيولوجيا‮ (‬علم الأحياء‮). ‬
هكذا،‮ ‬يتناول هذا الكتاب علاقة اللغة بالجسد عبر أربعة مداخل متراكبة،‮ ‬متداخلة،‮ ‬هي اللغة في الجسد،‮ ‬والجسد في اللغة،‮ ‬وجسد اللغة،‮ ‬ولغة الجسد،‮ ‬في أربعة أبواب كبري متتالية.فالباب الأول‮ (‬اللغة في الجسد‮) ‬يتكون من ثلاثة فصول؛ أولها‮ "‬الأرضية العصبية للملكة اللغوية‮"‬،‮ ‬يتناول بعض المداخل العصبية والتشريحية،‮ ‬مثل هندسة الدماغ،‮ ‬والمراكز الدماغية،‮ ‬ومواقع اللغة في الدماغ،‮ ‬والجينات اللغوية‮. ‬أما الفصل الثاني‮ "‬الأرضية اللسانية للملكة اللغوية‮"‬،‮ ‬فيتناول النحو الكوني،‮ ‬واللسانيات البيولوجية،‮ ‬والتوليفية،‮ ‬والمنظومية‮. ‬أما الفصل الثالث‮ "‬الأرضية البيولوجية والثقافية للملكة اللغوية‮"‬،‮ ‬فيتناول نشوء اللغة،‮ ‬مطاطية الدماغ،‮ ‬والأرضية التشريحية،‮ ‬والتجويف الفمي،‮ ‬والأرضية الثقافية‮. ‬في الباب الثاني‮ (‬الجسد في اللغة‮) ‬ثمة ثلاثة فصول؛ أحدها‮ "‬الجسد في النحو‮: ‬إنحاء الجسد‮"‬،‮ ‬ويتضمن أعضاء الجسد في نظام العدّ،‮ ‬وإنحاء أعضاء الجسد‮. ‬والثاني‮ "‬الجسد في الخطاب‮: ‬استراتيجية التلطيف نموذجا‮"‬،‮ ‬يتناول مفهوم التلطيف،‮ ‬سواء من حيث اجتنابه للمحرم اللغوي،‮ ‬أو من حيث هو ستر لغوي،‮ ‬أو قائم علي التبرير،‮ ‬أو باب للترادف،‮ ‬وكذلك استراتيجيات التلطيف وآلياته،‮ ‬مثل التلطيف بالتغيير الصوتي،‮ ‬والاقتراض المعجمي،‮ ‬والإشارة بالجارحة،‮ ‬واعتماد العلاقات الدلالية.والثالث‮ "‬الجسد في المعجم‮"‬،‮ ‬ويتناول تمثيل الأساس في المعجم العربي،‮ ‬وانتظام الحقل الدلالي‮ "‬جسد/جسم‮". ‬أما الباب الثالث(جسد اللغة‮)‬،‮ ‬فيتضمن ثلاثة فصول؛ أحدها‮ "‬اللغة ظاهرة فينومينولوجية‮"‬،‮ ‬يتناول جسدية اللغة في الزمان،‮ ‬وتوقّعات الألفاظ والمعاني،‮ ‬والتقديم والتأخير،‮ ‬والثاني‮ "‬الكمّية اللغوية‮" ‬يتناول الأيقونية اللغوية،‮ ‬ومبدأ الأيقونية،‮ ‬وأيقونية التكرار والترديد،‮ ‬والثالث‮ "‬عمل الجسد عمل القول‮" ‬يتناول عيوب اللغة والجسد وعنف اللغة والجسد‮. ‬أما الباب الرابع‮ (‬لغة الجسد‮)‬،‮ ‬فيتضمن ثلاثة فصول أيضا؛ أحدها‮ "‬لغة الجسد‮: ‬المفهوم وحدوده‮" ‬يتناول رمزية الجسد وحركات الجوارح،‮ ‬والثاني‮ "‬الجسد متكلّما بالجوارح‮" ‬والثالث‮ "‬الجسد حاملا أيقونيا‮" ‬يتناول أيقونية البشرة والوشم،‮ ‬وأيقونية اللباس،‮ ‬وأيقونية الجسد.إن الجسد اللغوي عمل للجسد البشري؛ ولذلك كان ما له من الخصائص موروثا من طبائع الجسد البشري،‮ ‬نطقا وإتقانا،‮ ‬جمالا وقبحا،‮.. ‬وهلم جرّا‮.‬
وعلي الرغم من جِدّة طروحات هذا الكتاب،‮ ‬فإن الموازاة الدائمة بين عالمي اللغة والجسد،‮ ‬أو بين كينونتيهما،‮ ‬صعودا وهبوطا،‮ ‬أمر ترفضه المنهجية البحثية؛ لأنه يجعل من اللغة تابعًا مخلصا دائما للجسد،‮ ‬أو الجسد تابعا مخلصا دائما للغة‮. ‬وبما أن الجسد أسبق في الوجود من اللغة،‮ ‬فكأنّ‮ ‬الكتاب يقول ببساطة‮: ‬الجسد متبوع واللغة تابع‮. ‬والتفكير بمثل هذه الطريقة،‮ ‬تفكير إستاتيكي،‮ ‬لا تُحمد عقباه‮.‬