رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

رسائل سبتمبر‮:‬ قـناع المــوت ‮ومـوت القـناع


د‮. ‬شاكر عبد الحميد
5/27/2017 9:34:54 AM

هنا،‮ ‬في هذه الرواية‮ "‬رسائل سبتمبر‮"‬،‮ ‬للأديب أحمد عبد المنعم رمضان،‮ ‬رصد عميق لتلك الفوضي التي هي الموت،‮ ‬موت التناغم والهارموني والانسجام والحياة،‮ ‬ذلك الموت الذي‮ ‬يتجسد في كل لحظة في شوارع القاهرة والجيزة والقليوبية وغيرها من المدن المصرية،‮ ‬فوضي الميكروباصات والتكاتك والكلاكسات والزحام،‮ ‬الفوضي التي‮ ‬يزداد حدوثها في شهر سبتمبر مع زيادة الحر والرطوبة والازدحام وبداية العام الدراسي وانقطاع الكهرباء،‮ ‬سبتمبر الذي‮ ‬يجسد نهاية الصيف وبداية الخريف،‮ ‬ومن ثم فإنه شهر‮ "‬بيني‮" ‬لا‮ ‬يوجد طابع مميز له ولا روح،‮ ‬وفي الرواية رصد أيضًا لذلك الحضور الخاص،‮ ‬في حياة الناس،‮ ‬لبرامج التليفزيون الحوارية،‮ ‬وغير الحوارية،‮ ‬مثل برامج الطبخ والأزياء وكرة القدم والمسابقات ونجوم السينما والمسلسلات وغيرها‮. ‬ويتساءل زياد الشافعي ــ الشخصية المحورية في هذه الرواية‮: ‬لماذا‮ ‬يتابع الجمهور تلك البرامج؟ لماذا‮ ‬يهتم الناس أصلاً‮ ‬بأحاديث السياسة والاقتصاد اللانهائية حتي وإن لم‮ ‬يتغير من الواقع شيئًا؟ لماذا لا‮ ‬يكتفون بالاستمتاع بما تيسر لهم من متع؟ ويجيب بأنه‮ "‬يعتقد أن شئيًا‮ ‬غريزيًّا،‮ ‬كمرض جيني أو عيب خلقي،‮ ‬يدفع الإنسان للاستمرار في الاهتمام بتفسير الحياة،‮ ‬حتي وإن بدا هذا الاهتمام دون جدوي‮". ‬
هكذا قد‮ ‬يكون هذا الاهتمام معبرًا عن محاولة ما‮- ‬لدي المشاهدين لتلك البرامج‮- ‬لإضفاء المعني علي كل ما لا معني له،‮ ‬لاستخلاص دلالة ما من فوضي تضرب بجذورها في كل شيء،‮ ‬محاولة لتلمس نوع من الأمل في قلب‮ ‬يأس أصبح مقيمًا ومستقرًّا‮ ‬يومًا بعد‮ ‬يوم،‮ ‬لدي معظم الناس بعد أن أدركوا بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير أنهم قد وقعوا في براثن أقنعة من الزيف والخداع والصور،‮ ‬وكذلك الابتسامات والوعود الكاذبة‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬فإن قوة الحياة،‮ ‬القوة الدافعة للمصريين للاستمرار في الحياة،‮ ‬التي جعلتهم‮ ‬يستمرون أحياء لآلاف السنين،‮ ‬هذه القوة ربما كانت قد توجهت الآن‮- ‬كما تشير الرواية خفية‮- ‬نحو مسارب ومسالك جانبية وهامشية وخداعية،‮ ‬نحو‮ ‬غير ما‮ ‬ينبغي أن تتوجه إليه،‮ ‬أقصد‮: ‬نحو برامج تخدعها،‮ ‬وأقنعة تكذب عليها،‮ ‬وصور تسرق أرواحهم،‮ ‬وابتسامات مزيفة تخدرهم،‮ ‬وموت قد تسربل بقناع الحياة‮ ‬يحيط بهم في كل‮ ‬يوم ولحظة‮. ‬
تبدأ هذه الرواية بمفتتح،‮ ‬أو توطئة تشير إلي وجود قرار رئاسي بتحريم القصص والقصائد والروايات،‮ ‬وكذلك القبض علي أدباء ومفكرين،‮ ‬وإعدام حتي من مات منهم بنبش قبره ونثر ذرات جسده في البحر‮. ‬ومع هيمنة هذا الجو الخانق،‮ ‬يقرر الراوي أو السارد الرئيسي في هذه الرواية‮ (‬الطبيب أحمد عبدالمنعم‮) ‬أن‮ ‬يحكي قصته الخاصة،‮ ‬أن‮ ‬يحكي القصة التي‮ ‬يعرفها أكثر من‮ ‬غيرها،‮ ‬أن‮ ‬يحكي قصة زياد وليلي،‮ ‬أن‮ ‬يحكيها للجميع‮. ‬ومع قصة زيادة الشافعي وليلي السروجي‮ ‬يحكي السارد الرئيسي‮ (‬أو الراوي العليم‮) ‬قصصًا أخري حول شخصيات أخري،‮ ‬ومنها قصة ذلك المرشح الرئاسي المحتمل‮ "‬إسماعيل الفايد‮"‬،‮ ‬ذلك المتأنق أناقة مصطنعة،‮ ‬والمولع أيضًا بالبرامج الحوارية وبفنون اللغة وألاعيبها،‮ ‬بمهارات الخطابة وسحرها،‮ ‬بالتحكم في نبرة الصوت وتقطيع الحروف،‮ ‬الذي لم تكن تعجبه طرائق عبدالناصر وكذلك السادات ومبارك في إلقاء الخطب،‮ ‬بينما كان‮ "‬هتلر‮" ‬في رأيه‮ "‬الخطيب الأبرع والأكثر موهبة‮"‬،‮ ‬وكان‮ ‬يحتفظ أيضًا بخطبه هو الشخصية وبتسجيلات لكل خطاباته الجماهيرية السابقة،‮ ‬يشاهد نفسه بين حين وآخر،‮ ‬قد‮ ‬ينتقد استخدامه لكلمة معينة أو إيماءة بغير موضعها،‮ ‬ثم ما‮ ‬يلبث أن‮ ‬يثني علي مهاراته البلاغية الواضحة،‮ ‬وعلي تموج صوته وإتقانه للغة وتمكنه من ألفاظها،‮ ‬مخارجها ومعانيها،‮ ‬حتي إنه‮ ‬يصفق لنفسه إعجابًا ويبتسم بثقة‮.‬
ويتواصل الرصد عبر الرواية لذلك العالم المزيف،‮ ‬عالم المحاكاة والنسخ،‮ ‬ذلك الواقع الافتراضي الذي‮ ‬يقوم علي أساس السطح والمظهر والإبهار،‮ ‬عالم المحاكاة والأداء المصطنع،‮ ‬وذلك الإيهام بالصدق دون أي صدق،‮ ‬وذلك الإيحاء بالحقيقة دون أية حقيقة،‮ ‬أحيانًا‮ ‬يتم ذلك علي نحو مباشر وأحيانًا من خلال صيغة‮ "‬ذهنية تجريدية كونديرية‮" (‬نسبة إلي ميلان كونديرا‮) ‬واضحة،‮ ‬ومثلما كان إسماعيل الفايد مولعًا بالبرامج الحوارية وعالم المذيعات والتليفزيون وصناعة النجوم والخطابة،‮ ‬وكلها عوالم أقنعة؛ فكذلك كان زياد الشافعي،‮ ‬مذيع التليفزيون،‮ ‬ذاته،‮ ‬مولعًا بعالم الأقنعة،‮ ‬ومعه ندرك علي نحو أكثر عمقًا أننا نعيش في عالم من الوهم والزيف والسراب والخداع،‮ ‬عالم من الكذب والتصنع،‮ ‬وكان‮ ‬يمتلك أقنعة عدة كي تناسب المناسبات المختلفة،‮ ‬فقد كان لديه‮ "‬قناع مبتسم،‮ ‬وقناع متجهم،‮ ‬وقناع قاسٍ،‮ ‬قناع بريء،‮ ‬قناع متأمل،‮ ‬وقناع ولهان‮"‬،‮ ‬لكن القناع الذي كان مفضلاً‮ ‬لديه أكثر من‮ ‬غيره كان هو القناع المبتسم،‮ ‬أما في حالات الوفاة فقد كان‮ ‬يرتدي قناع الحزن،‮ ‬وخلال حواراته مع مالك القناة التي‮ ‬يعمل فيها‮ ‬يرتدي القناع المتجهم،‮ ‬وهكذا‮. ‬ولم‮ ‬يكن زياد‮ ‬يهتم بالناس إلا نادرًا،‮ ‬فقد كان لا مباليًا تجاه كل شيء،‮ ‬فلم‮ ‬يهتم بأسباب متابعة الناس للبرامج،‮ ‬بل لم‮ ‬يهتم ببرنامجه ذاته،‮ ‬وكان‮ ‬يعتقد أن الجماهير تصدق ما تريد أن تصدقه،‮ ‬وأنها تبحث في البرامج عما‮ ‬يدعم ما هو موجود في عقولهم،‮ ‬وأن البرامج والضيوف والمذيعين مجرد آلات،‮ ‬هكذا وصل به الأمر إلي درجة أنه لم‮ ‬يكن‮ ‬ينصت إلي ما‮ ‬يقوله ضيوفه في برنامجه إلا بالقدر الذي‮ ‬يسمح له بمواصلة الحوار‮- ‬ظاهريًّا‮- ‬معهم،‮ ‬هكذا تجسد الوضع كله في موتي‮ ‬يحاورون موتي،‮ ‬ويشاهدهم أيضًا موتي أو أشباه موتي‮.‬
ومثلما تلقي إسماعيل الفايد رسالة تخبره بقرب موته،‮ ‬فكذلك تلقي جاره الذي‮ ‬يقطن في بناية مجاورة رسالة مماثلة،‮ ‬وقد كان جاره ذلك مولعًا أيضًا بالأقنعة،‮ ‬ومثلما ضاع من زياد قناعه المبتسم،‮ ‬فكذلك ضاعت من جاره أقنعته المبتسمة كلها قبل موته‮.‬
ومع وصول زياد إلي منتصف العمر بدأ في الاعتياد علي أنباء الموت،‮ ‬فالبشر صاروا‮ ‬يموتون‮ ‬يوميًّا وبشكل مستمر إلي حد فقدان الموت لهيبته،‮ ‬هكذا توقف عن الذهاب إلي المآتم أو الجنازات،‮ ‬وقاطع كل ما أسماه بالأنشطة الاجتماعية الباردة تمامًا،‮ ‬وكان علي قناعة بأن الجنازات والمآتم ما هي إلا مناسبات اجتماعية مترعة بالكذب والنفاق والمداهنة والتظاهر بالحزن،‮ ‬من بشر‮ ‬يمتلئون بالشماتة والرغبة في الضحك من كل ما‮ ‬يقومون به ويقوم به‮ ‬غيرهم في مثل تلك المناسبات‮.‬
كذلك كان هناك جار آخر‮ ‬يقيم بالشقة اليسري من الدور الأرضي من تلك البناية التي كان زياد‮ ‬يقطنها،‮ ‬وكان لذلك الجار عادة‮ ‬غريبة تتمثل في متابعته لكل أنواع الصحف،‮ ‬القومية والمعارضة والمستقلة وغيرها،‮ ‬ثم‮ ‬يقوم بنقل عناوين الأخبار والمانشيتات في أجندات‮ ‬يأتي بها في بداية كل عام،‮ ‬وظل‮ ‬يقوم بهذه العملية بعدد أعوام عمره،‮ ‬هكذا سجل أخبارًا‮ "‬عن‮: ‬الملك،‮ ‬والإنجليز،‮ ‬وزعيم الأمة،‮ ‬وكوكب الشرق،‮ ‬والحرب العالمية الثانية،‮ ‬وهتلر،‮ ‬والحركة المباركة،‮ ‬والزعيم القائد،‮ ‬والعندليب الأسمر،‮ ‬والرئيس المؤمن،‮ ‬وأخلاق القرية،‮ ‬وزوزو،‮ ‬وقانون العيب،‮ ‬وثورة التصحيح،‮ ‬وانتفاضة الحرامية،‮ ‬وبيبو،‮ ‬ومترو الأنفاق،‮ ‬وعاصفة الصحراء،‮ ‬وتوشكي،‮ ‬والحكومة الذكية،‮ ‬والعملاء،‮ ‬والثورة النظيفة،‮ ‬ودم الشهداء،‮ ‬والمؤامرة الصهيو-أمريكية،‮ ‬وأبو تريكة،‮ ‬وعبده موتة‮". ‬كان ذلك الجار مشغولاً‮ ‬بالعالم،‮ ‬لكن العالم لم‮ ‬يكن مشغولاً‮ ‬به،‮ ‬وقد كان انشغاله بالعالم انشغالاً‮ ‬افتراضيًّا،‮ ‬أي بوصفه مجموعة من الأخبار والمانشيتات،‮ ‬وليس باعتباره مجموعة من الأحداث والوقائع والممارسات الزاخرة بالأحلام وبانكسار الأحلام،‮ ‬بالأمنيات وبانهيار الأمنيات،‮ ‬بالأمل،‮ ‬وكذلك بالخراب والإحباط والدم والعبث‮. ‬ويواصل ذلك القاتل المتسلسل الغامض الذي‮ ‬يطلق علي نفسه اسم‮ "‬عزرائيل‮" ‬إرسال رسائله وقتل ضحاياه،‮ ‬كما لو كان هو نفسه،‮ ‬ذلك‮ "‬القاتل بلا أجر‮" ‬في مسرحية‮ ‬يوجين أونيسكو المعروفة بهذا الاسم،‮ ‬أو كان هو نفسه قناع الموت الذي‮ ‬يتخفي وراء رسائله ويتجلي علي أنحاء شتي في أفلام سينمائية عديدة‮.‬
انتشرت حكايات الرسائل في المدينة كلها،‮ ‬صارت‮ "‬حديث الصحف،‮ ‬البرامج،‮ ‬المقاهي،‮ ‬الفيسبوك،‮ ‬جلسات العمل،‮ ‬وحول الموائد‮"‬،‮ ‬هكذا أصبح الناس‮ ‬يتحدثون عن الموت أكثر من اهتمامهم بالحياة،‮ ‬اختفت الابتسامات والضحكات،‮ ‬بل اختفت حتي أقنعة الابتسام والتعاطف،‮ ‬وزخرت الحياة بمشاعر الخوف والتوجس والترقب والهلع من ذلك الموت الذي‮ ‬يوشك أن‮ ‬يدهم كل شيء‮.‬
كان شراء الأقنعة مقتصرًا في البداية علي زياد وبعض جيرانه،‮ ‬لكنه أصبح بعد ذلك سلعة‮ ‬يتم الإعلان عنها،‮ ‬ويقف الناس صفوفًا كي‮ ‬يحصلوا علي بعضها،‮ ‬وبخاصة تلك الأقنعة الخاصة بالابتسام،‮ ‬هكذا‮ "‬صارت هناك أقنعة صينية تفسد بعد ابتسامتين‮". ‬وبعد‮ ‬غياب الأقنعة صار الناس‮ ‬يستخدمون الكمامات من أجل إخفاء ملامح وجوههم الحقيقية،‮ ‬وأصبح الشارع‮ "‬يعج فجأة بوجوه مكممة،‮ ‬لا‮ ‬يظهر منها إلا عيون زائغة،‮ ‬بعضها اختفي تحت نظارات الشمس،‮ ‬وباتوا‮ ‬ينتشرون بالجوار في خطوط متناثرة ومتداخلة كالعنكبوت‮".‬
ولماذا كان زياد وغيره‮ ‬يفضلون القناع المبتسم؟ ذلك لأن الابتسام هو أكثر التعبيرات الإنسانية قدرة علي الخداع والتلون،‮ ‬فلدي الإنسان‮- ‬كما ذكر دانيال ماكنيل في كتابه عن‮ "‬الوجه‮" (‬1998‮)- ‬أكثر من ثمانية عشر نوعًا من الابتسامات،‮ ‬تقوم،‮ ‬في مجملها،‮ ‬بالتعبير عن انفعالات شتي،‮ ‬منها‮: ‬البهجة،‮ ‬الرضا،‮ ‬الخضوع،‮ ‬التعاون والتشجيع،‮ ‬الغزل،‮ ‬الارتباك،‮ ‬التشفي،‮ ‬المجاملة،‮ ‬الاسترضاء‮...‬إلخ،‮ ‬وقديمًا قال تشارلز بل‮ "‬إن الابتسامة‮ ‬يمكنها أن تنقل آلاف المعاني‮". ‬وترتبط الابتسامات،‮ ‬علي نحو ما،‮ ‬بالأقنعة؛ فهناك في المسرح،‮ ‬قناع الضحك،‮ ‬الخاص بالكوميديا،‮ ‬وقناع البكاء الخاص بالتراجيديا،‮ ‬وقد كتب ألكسندر ديماس الأب رواية بعنوان‮: "‬الرجل ذو القناع الحديدي‮" (‬1802ــ‮ ‬1870‮)‬،‮ ‬وكتب فيكتور هوجو رواية شهيرة بعنوان‮: "‬الرجل الضاحك‮" (‬1869‮)‬،‮ ‬تم خلالها تحويل وجه‮ "‬جوينبلان‮" ‬العادي،‮ ‬بطل تلك الرواية،‮ ‬إلي وجه ضاحك دائمًا بفعل عملية جراحية بدائية عنيفة،‮ ‬وما كان قناعه الضاحك ذلك تعبيرًا عن فرحه أو بهجته،‮ ‬بل تعبيرًا عن مأساته وآلامه التي لم تتوقف أبدًا طيلة حياته‮.‬

ويُستخدم مصطلح قناع‮ ‬Persona ‮ ‬في مجال المسرح كي يشير إلي ذلك الدور الذي يلعبه ممثل ما،‮ ‬وفي مجال الأدب عامة كي يشير إلي تلك الشخصية‮ ‬»‬haracter التي قام مؤلف معين بتكوينها أو تجسديها في عمله،‮ ‬وقد تلعب هذه الشخصية أدوارًا مختلفة وترتدي أقنعة متنوعة‮. ‬كذلك يرتبط مصطلح القناع في الأدب بالصوت أو الراوي،‮ ‬وعندما نتحدث عن أصوات متعددة فإننا قد نشير بذلك إلي تلك الأقنعة أو وجهات النظر التي تقوم بالتعليق علي حدث معين من خلال وجهات نظر مختلفة،‮ ‬كما في رواية‮ "‬المرايا‮" ‬لنجيب محفوظ،‮ ‬تمثيلاً‮ ‬لا حصرًا‮. ‬فأيّ‮ ‬صورة هي أيضًا قناع،‮ ‬وكل شخصية هي قناع،‮ ‬وكل رمز هو أيضًا قناع كما كان هايدجر يقول‮. ‬والقناع لدي يونج هو قناع النفس الجمعي،‮ ‬القناع الذي يخفي الفردية،‮ ‬أو الطبيعة الحقيقية للشخص،‮ ‬ويجعل الآخرين يعتقدون أن هذا القناع الذي يظهر لهم هو الفرد في حقيقته،‮ ‬كما يحب ويحبون أن يظهر أمامهم،‮ ‬في حين أنه يكون مجرد إيهام بالحقيقة أو تظاهر بها،‮ ‬هكذا تظهر الشخصية هنا من وراء حجاب،‮ ‬من وراء قناع،‮ ‬من وراء صيغة تقليدية مألوفة متفق عليها‮. ‬ولماذا يفعل الإنسان ذلك؟ يقول يونج لنا إن ذلك يحدث كي نقوم بالإخفاء للظل‮ ‬Shadow الموجود بداخلنا،‮ ‬وما الظل؟ إنه مصدر الحيوية والإبداع،‮ ‬لكنه أيضًا ذلك الجانب من أعماقنا الذي يتعلق بمعرفتنا الحقيقية بذواتنا،‮ ‬وبكل ما تشتمل عليه هذه الذوات من قوة وضعف،‮ ‬من خير ومن شر،‮ ‬من جشع وجرائم،‮ ‬من‮ ‬غرائز ونزعات مظلمة معتمة تتأجج بداخلنا ولا نريد أن يطلع الآخرون عليها فنخفيها وراء قناع،‮ ‬وراء تظاهر بالخير والمعرفة والفهم والتعاطف والإنكار للذات‮.‬
ولدي ماركس وإنجلز‮: ‬القناع تعبير عن اغتراب الإنسان عن ذاته،‮ ‬وتَـشَـيُّـئِه،‮ ‬وهو تجسيد لغيابه عن ذاته الأصلية الحقيقية،‮ ‬كإنسان،‮ ‬وعن تحول هذه الذات إلي موضوع،‮ ‬إلي شيء،‮ ‬إلي سلعة،‮ ‬إلي حالة مغتربة عن حقيقتها،‮ ‬في عالم رأسمالية السلع والبشر والخدمات والوجود‮.‬
كتب يوكيو مشيما روايته‮ "‬اعترافات قناع‮" (‬ترجمها أسامة الغزولي‮) ‬عن تلك الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية،‮ ‬وجسد خلالها صعود الفاشية اليابانية التي كانت تتخفي وراء قناع القوة،‮ ‬حتي سقوطها الذي كشف عما كانت تخفيه وراء قناعها من ضعف وهشاشة‮. ‬وكتب إدجار آلان بو قصته‮ "‬قناع الموت الأحمر‮" (‬1842‮) ‬كي يجسد ذلك الطاعون الذي اجتاح أمريكا خلال القرن التاسع عشر‮. ‬وكتب ناثانيل هوثورن قصته القصيرة‮ "‬قناع الراهب الأسود‮" (‬1836‮) ‬حول ذلك القناع الذي ظل راهب يرتديه حتي موته والذي قال عنه إنه رآه موجودًا مرتبطًا بالخطيئة علي وجه كل إنسان قابله في حياته،‮ ‬قناع‮ ‬». for vendetta ‮ ‬في الفيلم الشهير،‮ ‬قناع شبح الأوبرا في تلك الرواية التي كتبها جاستون ليرو‮ (‬1910‮) ‬وأعدها للأوبرا أندرو لويد ويبر،‮ ‬وأُخرجت للسينما عدة مرات آخرها عام‮ ‬2004‮ ‬من إخراج جويل شوماخر،‮ ‬ورسم بروجل لوحة شهيرة بعنوان‮ "‬انتصار الموت‮" ‬رسم خلالها هيكلاً‮ ‬عظميًّا يرتدي قناعًا يحصد الأرواح،‮ ‬أما في عالم المسرح فيرتدون أقنعة تفوق الحصر والإحصاء‮.‬
هكذا يرتبط القناع بالصورة،‮ ‬بالمظهر،‮ ‬بالسطح،‮ ‬بالعرض والأداء والإبهار،‮ ‬بقوة التأثير،‮ ‬بعالم البيع والشراء والإعلانات،‮ ‬بذلك العالم،‮ ‬عالم ثقافة الاستهلاك للسلع والبشر،‮ ‬ذلك العالم الذي فقدنا فيه،‮ ‬وكما أشار بودريار وكذلك فردريك جيمسون،‮ ‬الاهتمام بأعماق النفس الإنسانية أو الذات،‮ ‬بل وبالعمق في كل شيء،‮ ‬وذلك لأننا أصبحنا نهتم فقط بالمظهر،‮ ‬بالسطح،‮ ‬بالصورة،‮ ‬بكل ما هو لامع،‮ ‬براق،‮ ‬مبهر،‮ ‬وحيث كل ما يحدث أمامنا يتم استهلاكه عبر شاشات الميديا والتليفزيون،‮ ‬وحيث لم يعد هناك ثبات أو يقين بل تغير وتنوع وإبدال واستبدال،‮ ‬للقيم والبشر والثوابت والأفكار والصور والنماذج وكل شيء،‮ ‬إنه عالم قائم علي الخداع،‮ ‬إنه عصر الصور المحاكية‮ ‬غير ذات الأصل المحدد،‮ ‬عالم البارودي‮ (‬المحاكاة التهكمية‮) ‬والباسيتش‮ (‬التخليط والمزج بين كل ما هو متنافر أو بعيد في الفن والحياة‮)‬،‮ ‬إنه عصر الموسيقي العشوائية،‮ ‬والشعر والقصائد المنتجة بالكمبيوتر،‮ ‬والرقص الإلكتروني،‮ ‬والمتاحف الإلكترونية،‮ ‬والفوتوشوب،‮ ‬ومسارح الهواة،‮ ‬والنحت السائل،‮ ‬وفنون التكوين في الفراغ،‮ ‬والميديا المدمرة لذاتها بذاتها،‮ ‬والفن المفاهيمي،‮ ‬والكيتش،‮ ‬والمرايا التي لا تعكس العالم الخارجي للطبيعة ولا الإنسان،‮ ‬بل التي تتأمل ذاتها في متاهات انعكاسية لا نهائية،‮ ‬وفي ظل ذلك كله اختفي الإنسان وراء قناع أو أقنعة،‮ ‬وأصبحت هويته موجودة هناك في عالم الغياب،‮ ‬بل صارت له أيضًا هوية افتراضية،‮ ‬قناع شخصيته الموجود عبر شبه التواصل الاجتماعي علي الفيس بوك أو التويتر،‮ ‬هويته أو قناعه‮ "‬الأونلاين‮".‬
وهكذا كانت‮ "‬رسائل سبتمبر هي الشغل الشاغل لكل البرامج والصحف والتليفزيونات،‮ ‬حوارات مع مشايخ وفقهاء،‮ ‬مفكرين ومثقفين،‮ ‬فنانين ومدعين،‮ ‬حانوتية وأطباء ومرضي،‮ ‬الكل يدلي بدلوه،‮ ‬محمد صبحي لا يتوقف عن التنظير متنقلاً‮ ‬من قناة لأخري،‮ ‬وعلي جمعة لا يمتنع عن فتوي،‮ ‬وعمرو أديب يستضيف قراء الكف وعلماء الفلك،‮ ‬حالة الهستيريا والسعار الإعلامية ليست مستجدة،‮ ‬هي أيضًا ممتدة منذ سنين،‮ ‬وتصيب أية قصة أو شخص أو بلد أو مؤسسة أو حادث يصلح للتناول الإعلامي‮".‬
تواجهنا في الرواية أيضًا شخصية‮ "‬منصور حرب‮"‬،‮ ‬ذلك القاتل بأجر الذي تصدرت أخباره الصحف بعد أن قتل واحدًا من أشهر رجال الأعمال،‮ ‬فخطفت أخباره الأنظار،‮ ‬وتراجع اهتمام الإعلام والناس بأخبار المظاهرات والمذابح والسجون والمعتقلات والرؤساء والانتخابات والغاز والقنابل واللحي والجنرالات والأحزاب‮...‬إلخ،‮ ‬وكان منصور حرب يربي الثعابين ويدربها علي التسلل إلي مخادع ضحاياه ولدغهم؛ وقد لجأ زياد إليه كي يقتل حبيبته ليلي السحار بعد أن أصابها مرض عضال اعتقد أنه لا شفاء لها منه إلا بقتلها‮. ‬يُقبض علي منصور عندما حاول قتل أحد الوزراء،‮ ‬لكنه يظهر مرة أخري في نهاية الرواية وهو يوفر كمية هائلة من أقنعة الابتسام لطالبيها من الجمهور‮.‬
وقد كانت رسائل الموت التي يتم إرسالها خلال شهر سبتمبر مقترنة دائمًا ببرامج التليفزيونات والإعلانات،‮ ‬حدث هذا في حالة إسماعيل الفايد وعمرو الراوي،‮ ‬وكذلك بمانشيتات الصحف‮ (‬عمر داود‮)‬،‮ ‬ويتساءل زياد بعد أن يري كيف يتبدل وجه عمرو الراوي‮ (‬الممثل‮) ‬بعد أن دارت كاميرات التصوير،‮ ‬فصار أصغر سنًّا وأكثر نضارة وأقوي صوتًا،‮ ‬يتساءل‮: "‬ما هذا السحر الذي تبثه الكاميرات في أرواح البشر حتي لو كانوا علي يقين من موتهم خلال ساعات؟ ما الذي يدفع إنسانًا عاقلاً‮ ‬أن يضيع ساعات عمره الأخيرة في المكياج،‮ ‬التصوير،‮ ‬الحكي والثرثرة والهراء؟‮". ‬كذلك يستغرق جوزيف‮- ‬زميل زياد في فريق إعداد برنامجه،‮ ‬بعد أن يتلقي رسالة من رسائل الموت هذه‮- ‬في استعراض الصور الفوتوغرافية التي سجلت لحظات مهمة من حياته وعلاقاته،‮ ‬كي يختار من بينها صورة تناسب الإعلان عن موته القريب،‮ ‬وكذلك النص الذي سيعلن موته الأكيد‮.‬
وبعد؛ هل كان بلزاك علي حق عندما قال إن الصور تسرق الروح؟‮ (‬وكان يقصد الصور الفوتوغرافية،‮ ‬لأن التليفزيون لم يكن قد ظهر بعد خلال حياته‮ (‬1799‮ ‬ــ‮ ‬1850‮). ‬هل كان آخرون علي صواب عندما قالوا إن الصور والأقنعة تضيف حياة أخري إلي أصحابها ومنهم المنظِّر السينمائي أندريه بازان؟‮ (‬انظر مقدمة كتابه ما هي السينما‮ ‬1968‮)‬؟ هل تُحول الصور الناس إلي أشباح حاضرة وغائبة خلال الوقت نفسه كما قال فالتر بنيامين؟ وهل أصبح المصريون الآن قانعين بمثل هذا الوجود الشبحي لهم؟ هل أصبحوا راضين بأن يكونوا موجودين وغير موجودين خلال الوقت نفسه؟ حاضرين وغائبين أثناء الوقت نفسه؟ أحياء وموتي في قلب الوقت نفسه؟ هل أصبحت حياتهم معلقة الآن برسائل تأتيهم من خلال برامج تليفزيونية أو مانشيتات صحفية أو من وراء أقنعة سياسية وإعلامية زائفة ومخادعة،‮ ‬تحذرهم بقرب موتهم أو وشوك انقراضهم؟ هذه وغيرها مجرد أسئلة قليلة من بين تلك الأسئلة التي طرحتها هذه الرواية وحاولت أن تستكشف الملابسات المصاحبة لها،‮ ‬وعلينا نحن أن نبحث لها عن بعض الإجابات الخاصة بها‮.‬
هكذا يتجلي الموت في هذه الرواية علي أنحاء شتي،‮ ‬فهو يتجلي علي نحو مباشر،‮ ‬ويتجلي أيضًا من وراء قناع،‮ ‬هناك استكشاف لأقنعة الموت،‮ ‬وهناك كذلك رصد لذلك الموت حتي لفكرة القناع،‮ ‬هنا الواقع أصبح مكشوفًا،‮ ‬لا يمكن زخرفته أو تزيينه،‮ ‬أو وضع أي طلاء خادع فوقه،‮ ‬وهنا،‮ ‬في هذه الرواية،‮ ‬رصد للموت ولأقنعة الموت،‮ ‬وتتبع أيضًا للمراحل المتتابعة التي أوصلتنا إلي هذه المرحلة الخاصة التي أسميها مرحلة موت القناع،‮ ‬فلم تعد الأقنعة قادرة علي خداع أحد،‮ ‬لقد ماتت وفقدت قدرتها علي التأثير،‮ ‬وما نراه الآن مجرد جمجمة خلف وجه مبتسم،‮ ‬موت خلف وجه يرتدي قناع الحياة‮.‬