رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية

تياترو ثرفنطيس


د‮. ‬محمد الشحات
5/27/2017 9:37:45 AM

يحيل عنوان رواية الكاتبة والشاعرة المغربية نسيمة الراوي‮ "‬تياترو ثرفنطيس‮" (‬الصادرة عن دار العين بالقاهرة،‮ ‬2017‮) ‬إلي اسم أحد المسارح المغربية المعروفة،‮ ‬حيث يكتسب المكان الروائي حضوره الواقعي من خلال الإحالة إليه أكثر من مرة؛ نظرًا لكونه المكان الذي كان يعمل فيه الجدّ‮ ‬لفترة‮ ‬غير قصيرة‮. ‬ثمة محاولات من قِبَل الراوية لإقامة علاقات توازٍ‮ ‬مباشرة وغير مباشرة بين المكان الأصغر‮ "‬تياترو ثرفنطيس‮" ‬والفضاء الأكبر‮ "‬مدينة طنجة‮"‬،‮ ‬خصوصًا في مدي الانحدار والسقوط الذي آل إليه مسرح ثرفنطيس،‮ ‬وبالتبعية‮ -‬و/أو بالتوازي‮- ‬حالات الرعب والفوضي وبعض الأحداث الدامية والتفجبرات الإرهابية في المدينة،‮ ‬لكنها محاولات بدت‮ -‬من وجهة نظري‮- ‬غير مقنعة من الناحية الجمالية إلا قليلا‮. ‬أما البناء السردي لهذه الرواية فقد تشكّل علي نسقِ‮ ‬زمانٍ‮ ‬بندولي؛ أي نسق يقوم علي مبدأ المراوحة،‮ ‬الذهاب والإياب بين الماضي والحاضر،‮ ‬الـ"هنا‮" ‬والـ"هناك‮". ‬هكذا تبدأ أحداث الرواية من يوم ذكري ميلاد الراوية‮ "‬أحلام‮"‬،‮ ‬ابنة الرفيق العربي؛ ذلك المناضل الذي اعتاد دخول المعتقلات دفاعًا عن حقوق العمال من بحّارة وصيادين وبسطاء ومهمّشين‮. ‬وعبر هذه البنية الزمنية البندولية،‮ ‬تستعرض الرواية التاريخ الشخصي لعائلة أحلام‮ (‬الأم الثكلي،‮ ‬الجد الحاضر الغائب،‮ ‬الجدة القادمة من أعماق الذاكرة،‮ ‬الصديقة لولا،‮ ‬الصديقة آسية،‮ ‬الحبيب الأول مراد،‮ ‬الحبيب الثاني كريم،‮ .. ‬إلخ‮)‬،‮ ‬وذلك بموازاة التاريخ الجمعي لمدينة‮ "‬طنجة‮" ‬بكل أحداثها وانتفاضات الصيّادين بها،‮ ‬ومقاومتها سبل المحو والطمس الذي راحت معالمه تُهيمن علي فضاء المدينة حتي آلت إلي السقوط الذي يوازي سقوط مسرح ثرفنطيس ذاته‮. ‬أما الثيمة الرئيسة للرواية فهي ثيمة البحث عن الأب،‮ ‬أو صورة الأب الذي طالما كان المحرّك الأول في بناء علاقات الراوية بأصدقائها‮.‬
تتكون الرواية من ثمانية فصول قصيرة متتابعة،‮ ‬هي‮ "‬ساحة الأصوات‮"‬،‮ ‬Grand Teatro »‬ervantes،‮ "‬السوق الدخلي‮"‬،‮ "‬الإحساس بالنهاية‮"‬،‮ ‬رسائل البحر‮"‬،‮ "‬نهر بادس‮"‬،‮ "‬جرح قديم‮"‬،‮ "‬يا الراوي‮". ‬وعلي الرغم من تعدّد شخصيات الرواية فقد كانت تتحدّث بلغة متشابهة تقريبا،‮ ‬وذلك بسبب هيمنة الراوي علي الأحداث،‮ ‬جنبًا إلي جنب الرؤية الشعرية للعالم،‮ ‬في فضاء رواية مونولوجية بامتياز،‮ ‬أو هي عبارة عن مونولوج مسرّد‮ ‬Narrated Monologue،‮ ‬قائم علي وجهة نظر واحدة للعالم،‮ ‬وعبر عدد كبير من الاستدعاءات المتلاحقةالمندغمة مع انثيالات الذاكرة.ليست هذه الرواية هي العمل الأدبي الأول للمؤلفة،‮ ‬فهي شاعرة سبق أن أصدرت ديوانًا شعريًا بعنوان‮ "‬قبل أن تستيقظ طنجة‮"(‬صدر عن دار النهضة العربية،‮ ‬بيروت‮ ‬2012‮)‬،‮ ‬لكنّ‮ ‬غواية الرواية الأولي،‮ ‬وكونها شاعرة قبل أن تكون روائية،‮ ‬في ظنّي،‮ ‬ربما دفعها إلي اختيار المنظور الشعري،‮ ‬لا الدرامي أو الملحمي؛ فصاغت شخصياتها بما لا يُشبع نهم القارئ المعتاد علي قراءة رواية الحدث والتشويق والإثارة‮. ‬لذا،‮ ‬فقد جاءت الرواية‮ -‬رغم تماسك الكثير من أجزائها‮- ‬منطوية علي سكونية درامية في البنية السردية نظرا لصياغتها الشعرية،‮ ‬أو تكرار الحدث الواحد بأكثر من طريقة أو زاوية رؤية،‮ ‬والوقوع في أسر اللغة الجميلة التي تنحو منحي شعريًا واضحا في الكثير من المواضع؛ الأمر الذي كان يبطئ إيقاع السرد من وجهة نظري‮.‬
تتمثّل الرؤية النّوعية التي يُنتجها الخطاب الروائي في سعي الكاتبة إلي محاولة صنع علاقة توازٍ‮ ‬جمالية‮/ ‬ثقافية بين فضاء مدينة‮ "‬طنجة‮" (‬المنقسمة إلي روحين‮: ‬طنجة القديمة وطنجة الحديثة‮) ‬وعالم الشخصيات التي تقيم في هذا المكان،‮ ‬وانعكاس الأحداث التي تمرّ‮ ‬بها المدينة التي تعاني من حالات المحو وطمس الذاكرة علي البشر القاطنين فيها‮. ‬وفي الوقت الذي نهضت الرواية علي لغة سردية شعريةوسلسة بشكل واضح،‮ ‬فإنها لم تستطع تفجير مستويات لغوية مائزة خاصة بكل شخصية روائية علي حدة،‮ ‬رغم اختلاف أصولها ومرجعياتها الثقافية والاجتماعية‮.‬
وفي الخاتمة،‮ ‬استطاعت الكاتبة جمع خيوط روايتها التي بدت متباعدة الملامح،‮ ‬فأغلقت قوسها السردي بمهارة،‮ ‬بمثل ما افتتحته به تقريبا؛ أي إعادة إنتاج مشهد عيد الميلاد المحتشد بذكريات مريرة عن فقد الأب،‮ ‬وتعاسة الأم،‮ ‬وحسرة الراوية علي سنواتها المفقودة مع مراد الذي تركها مُخلِفًا وراءه قلبًا جريحًا وروحًا مهشَّمةً،‮ ‬بعد إجهاض حلمها الكبير برجل‮ ‬حقيقيّ‮ ‬وحياة مليئة بالمغامرة والاكتشاف‮.‬