رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

شبرا مصر‮:‬ قصائد عن الحنين


نسرين البخشونجي
5/27/2017 9:39:59 AM

في ديوانه الأحدث‮ "‬شبرا مصر‮ ‬36‮ ‬شارع الأفضل‮" ‬يفتش الشاعر مدحت العدل عن علاقته بالبشر،‮ ‬المكان والزمان‮. ‬ويعلن بشكل صريح عن ناصريته وكرهه لأصحاب صكوك الغفران من خلال قصائد تحمل أسماء شخصيات من ماضي الكاتب وحاضره،يعلن محبته للحياة وللخالق‮.‬
الكتاب الذين أثاروا الفكر والإبداع داخل مدحت العدل كان لهم نصيب من قصائد الديوان،‮ ‬مثل قصيدته الأولي التي تحمل اسم‮ "‬نيكوس كازنتزاكس‮"‬،‮ ‬الكاتب اليوناني الشهير،‮ ‬تدور فكرتها حول تأثير تجربة كازنتزاكس حين قرر أن‮ ‬يترهبن ثم أدرك بعد فترة أن إدعاء الدين‮ ‬يختلف عن التدين الحقيقي‮.‬
‮"‬وقع ف إيدي كتاب عنوانه كان زوربا/لكاتب‮ ‬يوناني عاش ف الرهبنة حبه/وشاف بعينه الفقير جي‮ ‬يتبرع/بلقمة عيش عبيطة"ثم اكمل قصة الكاتب‮/"‬قرر وبعد صراع ف نفسه‮..‬يتحرر
خلع جميع الثوابت حتي اللي كان أكبر‮/ ‬هجر حياة الدير نزل الحياة‮ ‬يشارك‮"‬
القصيدة انتهت بإعلان مدحت العدل عن إيمانه بأن جميع العباقرة هم رسل للإنسانية أرسلهم الخالق ليسود الحب والعدل‮. ‬لكن فكرة‮ "‬التجارة بدين‮" ‬ظلت تلح علي عقل المؤلف،‮ ‬لذلك ستجدها مطروحة في أكثر من نص مثل قصيدة بعنوان‮ "‬المسيح‮".‬
‮" ‬دلوقتي عدت سنين اسمك بقي ميدليا‮/‬يبيعوها للسياح ف متاحف الدنيا/وبيزنس الأديان بقاله سعركبير/شيخ قسيس وكاهن وحاجات كتير تانية‮"/"‬وعقول‮ ‬غلابة بتسمع لكهنة نصابين‮/‬يبيعوا صك النعيم للجهلة‮ ‬يفتقروا/وياخدوا هم الثروة والجنة باسم الدين‮"‬
كذلك قصيدة تحمل اسم الكاتب‮ "‬فرج فودة‮" ‬يقول فيها‮:‬
‮" ‬والدين تجارة ومال والكلمة مالكهنوت/بتجيب دولار وريال؟‮! ‬واحنا فزمان الزيف والصفقة للأندال‮"‬
هذه القصيدة القصة،‮ ‬التي عرضت بشكل بسيط أزمة مفكر كبير مع رجال الدين الذين كفروه دون أن‮ ‬يناقشوه في أفكاره‮. ‬فكتب في نهاية القصيدة‮:‬
‮"‬حارب وغالب كإنه عن اليقين مسئول/واللي انتصر ف الآخر كدابين الدين‮"‬
‮ ‬اللافت جدا في الديوان هي وجهة نظر الشاعر المختلفة في بعض الشخصيات الشهيرة مثل نيلسون مانديلا،‮ ‬المسيح والشيطان‮. ‬فقصيدة‮ "‬نيلسون مانديلا‮" ‬علي سبيل المثال جاء مطلعها‮:‬
‮"‬تسمحلي أسأل سؤال خدت إيه من سجنك؟‮!/‬إنك بقيت المثل والرمز في زمنك؟‮!/‬تتكتب عنك قصايد‮  ‬مستلهمة منك؟‮!/‬هل أنت حبيت تثور أو تبقي نبي مثلا؟‮!"‬
بينما في قصيدة‮ "‬إبليس‮" ‬أراد أن‮ ‬يقول أن الشيطان رغم انه رمز العصيان لدي البشر إلا أنه ليس صاحب قرار‮ ‬يكون له بل إن كل أفعاله هي بالأساس إرادة الله وهي ليست سوي تنفيذ لمشيئته‮. ‬جاء مطلع القصيدة‮:‬
‮" ‬إنت اللي قلت اللأ لما الجميع قال آه/قال‮ ‬يعني عندك إرادة تختار ما تتمناه‮" ‬
و في مقطع آخر كتب‮:‬
‮" ‬زيك زي الحياة لا هو بإرادتك تناضل/وتحارب الملكوت ولا بإرادة زمايلك‮/‬يبقوا ملايكة كيوت وسوست مرة لآدم/فساب‮ ‬يوميها النعيم لا كان بأمره وأمرك‮/ ‬تضحك عليه‮ ‬يا لئيم‮"‬
خاطب الشاعر المسيح عليه السلام في قصيدة تحمل اسمه‮ ‬يقول في مطلعها‮:‬
‮"‬إيه اللي خلاك تشيل صليبك علي كتفك وبعد كل العذاب ده
مين بقي ف صفك مين اللي حاسس بيك‮ ‬
وتابع تعاليمك الكل أعمي البصيرة وكإنه مش شايفك‮"  ‬
لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكتب مدحت العدل دون أن‮ ‬يظهر جليا إنتماءه السياسي كناصري،‮ ‬فنجده علي سبيل المثال في قصيدة بعنوان‮ "‬عم سيد بتاع الفول‮" ‬يقول‮:‬
‮"‬ناصر وقال في الخطب الكل ابن النيل‮/ ‬والعدل هو الأمل وأنا قصادكوا دليل‮/ ‬أبويا كان بوسطجي‮  ‬زيه أقل قليل/مكنش فيه كوكاكولا لكن عندنا نخوة/وإحنا كبار بالعلم والفهم والتحصيل/مات البطل وانتهي عصر الشرف والمجد‮"‬
لمستني جدا قصيدة‮ "‬فريدة‮" ‬رغم أنها مختلفة عن مجري الديوان الذي أحتفي فيه الكاتب بالشخصيات التي أثرت في حياته،‮ ‬أو مازالوا عالقين في ذاكرته،‮ ‬إذ أن فريدة بالنسبة له شخصية مجهولة قرأ قصتها منذ سنوات في بريد الأهرام وظلت حكايتها في عقله ربما لانه‮ ‬يكره طغيان الأهل علي أولادهم‮. ‬فالبنت كانت موهوبة في العزف علي آلة الكمان كذلك الرسم‮. ‬لكن الأب قرر فجأة أن‮ ‬يمنعها من الإبداع‮. ‬يقول مدحت العدل في أبيات حوارية‮:‬
‮"‬فريدة‮..‬تعالي‮..‬تؤمر‮ ‬يا بابا‮ .. ‬عايزك تذاكري‮.. ‬بذاكر‮ ‬يا بابا
وبطلع في فصلي‮  ‬كمان من الأوائل‮ .. ‬كفاية رسومك وعزفك وقومك ونومك بريشتك وقوسك‮.. ‬ترد بصدمة ودهشة‮ .. ‬مش فاهمة‮ ‬يا بابا من بكرة خلاص‮.. ‬لا حتروحي حفلة ولا تزوري أوبرا أرجوك‮ ‬يا بابا دي آخر بروفة أنا قلت كلمة ولازم تطيعي‮ ‬يا إما تضيعي‮"‬
يحتوي الديوان علي قصيدتين الراحل سامي العدل موضوعهما،‮ ‬واحدة تنعيه والأخري تتحدث عنه كشخصية اثرت في حياة الكاتب مثل باقي الشخصيات الواردة في الديوان‮. ‬كذلك قصيدة بعنوان‮ "‬آية‮" ‬ابنة مدحت العدل وأخري نعي فيها الكاتب نفسه‮ ‬يقول فيها‮:‬
‮" ‬مدحت اسمه‮..‬ونأبه العدل هم وسعي علشان ما‮ ‬يضل لكن ضل‮..‬أكيد واختل بين أجوبة وسؤال بلا رد‮".‬
ديوان‮ "‬شبرا مصر‮.. ‬36‮ ‬شارع الأفضل‮" ‬الصادر عن دار نهضة مصر للنشر والتوزيع،ممتلئ بالشخصيات والحكايات،‮ ‬علي الرغم من كونه‮ ‬يمثل تجربة الكاتب الحياتيه والذاتية جدا،‮ ‬إلا أن القارئ سيجد فيها ما‮ ‬يمسه بشكل شخصي‮. ‬ربما لأننا جميعا نحن للصبي والشباب،‮ ‬نتذكر شكل الشوارع قديما،‮ ‬الأصدقاء والجيران‮. ‬ربما لأن معظمنا‮ ‬يعشق وطنية صلاح جاهين،‮ ‬ثورية أمل دنقل،‮ ‬نضال فرج فودة،‮ ‬جمال صوت فيروز،‮ ‬عذوبة فاتن حمامة‮. ‬

تعليقات القرّاء