رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

مرايا نيويورك‮:‬ دلالة ‮محورية للمرأة


د‮. ‬أماني فؤاد
6/9/2017 9:29:27 AM

تحتل المرأة في هذا الديوان إذن مستويات وجدانية متفاوتة وكأنها تسكن طبقات متعددة عميقة من وعي الشاعر ووجدانه وغرائزه،‮ ‬لا تنفي إحداهن الأخري،‮ ‬بل‮ ‬يتعايشن بداخله وقد تشكلت لكل منهن منطقة خاصة‮.  ‬

في‮ "‬مرايا نيويورك‮" ‬الديوان الأحدث للشاعر سمير درويش والذي تبلغ‮ ‬قصائده إحدي وثلاثين قصيدة،‮ ‬تتجسد الذكريات والصور وتعاود نبضها فوق المرايا المصقولة لنيويورك،‮ ‬فتتراءي للشاعر النساء اللاتي مررن بحياته وترك لهن خنادق آمنة لا تتآكل مع الزمن،‮ ‬يتذكر فتاته الشابة ويرصد لتغيرها في‮ "‬غواية الفنار‮"‬،‮ ‬ويبقي علي حب أخري في‮"‬عاشق إلكتروني‮"‬،‮ ‬ويصف‮ ‬غواية جسد المرأة ونضج استداراته ووقعه علي صاحبته الفلاحة الفطرية التي تشاهد نضج أنوثتها،‮ ‬ويلحظها معها الشاعر في‮ "‬عيون بهية‮"‬،‮ ‬كما تخاتله‮ ‬غواية صور إحدي النساء في تجربة إشكالية تتضمن صراعها الخاص وتشكل ما‮ ‬يزيد عن نصف قصائد الديوان‮. ‬
تحتل المرأة في هذا الديوان إذن مستويات وجدانية متفاوتة وكأنها تسكن طبقات متعددة عميقة من وعي الشاعر ووجدانه وغرائزه،‮ ‬لا تنفي إحداهن الأخري،‮ ‬بل‮ ‬يتعايشن بداخله وقد تشكلت لكل منهن منطقة خاصة‮.  ‬
‮ ‬تعاود المرأة النفاذ من ذاكرته وعلي مراياه في بعض القصائد مثل‮: " ‬عصفور النار،‮ ‬عيون بهية،‮ ‬غواية الفنار،‮ ‬عاشق إلكتروني‮" ‬و"حور العين‮" ‬فيحضرن الساكنات بالتاريخ النفسي للشاعر بالقصيدة،‮ ‬يقول في‮ "‬عصفور النار‮": " ‬علي الجانب المعتم من ذاكرتي تقف وحيدة‮/ ‬في منطقة وفرت لها أمانا من تقلباتي‮" ‬10‭.‬‮ ‬ويقول حاكيا لامرأة الصور عن فتاته في‮ "‬غواية الفنار‮": "‬هل ترقصين علي الحصي عند الفنار‮/ ‬فتاتي الصغيرة كانت تترك شعرها لريح الشتاء‮/ ‬تحضنني‮/ ‬تأخذني إلي كنوزها المغلقة‮/ ‬وتضحك وتراوغ‮ ‬وتجري‮/ ‬لم تكن صورة بيضاء كالحليب‮/ ‬قبل أن تصير أما لشابين‮/ ‬وتغطي شعرها‮" ‬40‭.‬‮ ‬ولا‮ ‬ينسي الشاعر الساخر الواعي بالتغير الذي‮ ‬يمثل الحقيقة الوحيدة بالوجود أن‮ ‬يرصد التحولات التي طرأت علي نسائه اللاتي مثلن لديه وقتها فتيات الأحلام في حس وجودي‮. ‬
‮ ‬مستوي آخر‮ ‬يتبدي في قصيدة‮ "‬عاشق إلكتروني‮" ‬يقول‮:" ‬لعلني محظوظ لأن امرأة ما في العالم‮/ ‬تنتظر وردة إلكترونية في بريدها‮/ ‬كل صباح‮/ ‬فأقول أنني أحبها‮/ ‬كما لم‮ ‬يحب أحد أحدا‮/ ‬فتبدو فرحانة أكثر مما تحتمل ذاكرتي‮" ‬67‭.‬‮ ‬توفر المرأة في القصيدة قيمة التوازن النفسي،‮ ‬الرصيد الذي لا‮ ‬ينفذ ويتكئ عليه الشاعر في الحياة‮. ‬ويدلل فرحها علي استمرار قدرته علي أن‮ ‬يهب السعادة وهو جانب إنساني رفيع الشعور‮.‬
الصور الصامتة تخلًق سردية شعرية‮: ‬
و تحتل المرأة صاحبة الصور في مستوي حائر‮ ‬غير متشكل نصف ما كتب من قصائد الديوان أو أكثر لأنه حتي بالقصائد التي لا تخصها كأنه‮ ‬يحاورها،‮ ‬يقدم لها بطاقة تعريف بشخصه،‮ ‬ومن خلال صورها‮ ‬يقص الشاعر عن ذاته والعالم من حوله‮. ‬يشيد رغبات مؤجلة لمستقبل‮ ‬يفترض إمكان تحققه معها،‮ ‬ويراوده الشك واليأس أيضا في إمكانية حدوثه ومن هنا‮ ‬يتشكل الصراع ويعاني تذبذبه،‮ ‬يقول في قصيدته‮ "‬الفستان الأزرق‮":" ‬لست متأكدا أنني أنا‮/ ‬وأن العصافير التي علي الأشجار هي العصافير‮/ ‬وأن النيل الذي‮ ‬يرافقنا هو النيل‮/ ‬وأن القهوة قهوة بالفعل‮/ ‬وبسكر قليل‮/ ‬لكنني متيقن أن فستانك الأزرق‮/ ‬الذي‮ ‬يمتد علي السجادة الحمراء‮.. ‬هنا صالح لأكتب قصيدة علي ذيله في آخر الليل‮" ‬52‭.‬‮ ‬يتخيل الشاعر مشاهد تأسيسا علي الصور التي تبدو وكأنها أداة التواصل الوحيدة بينهما،‮ ‬ففي قصيدتيه‮ "‬قهوة الصباح‮" ‬و‮" ‬الفستان الأزرق‮" ‬وغيرهما،‮ ‬تعد الصور مرجعيته التي تثير الإبداع لديه،‮ ‬تحفز الصور القصيدة بداخله،‮ ‬فالأخيرة‮ ‬غايته الحقيقية،‮ ‬فتبعث الصور بالقصيدة النبض والحيوية رغم صمت المرأة وجمودها،‮ ‬يقول في قصيدة‮ "‬الأرائك الصامتة‮":" ‬أنا اليوم كسول بما‮ ‬يكفي لأحزن ومرهق‮/ ‬ليس بي رغبة لأفتح الشباك ولن أراسل امرأة القصيدة حسب رغبتها‮" ‬81،‮ ‬القصيدة لا المرأة هي‮ ‬غاية الشاعر،‮ ‬المرأة وصورها مجرد الجسر الحيوي التي تخطو عليه التراكيب والجمل الشعرية التي‮ ‬ينتظرها الشاعر ويتشوقها‮. ‬
‮ ‬وتسرد القصائد التي شيدت وفق الصور في مجموعها مراحل تلقي الشاعر لكل صورة،‮ ‬وكيف مثلت الصور تتابع تطور رؤية الشاعر لتلك المرأة،‮ ‬فبنظرة بانورامية للديوان‮ ‬يمكننا أن نلحظ مشروع سردي في إهاب شعري،‮ ‬فمثلا تأتي قصيدة‮ "‬أحمر شفاف‮" ‬لتمثل لحظة المباغتة أو الشرارة الأولي،‮ ‬تحكي البدايات،‮ ‬ولذا‮ ‬يسميها بالقصيدة الطائشة،‮ ‬يقول‮:" ‬لماذا أحب الأحمر حين‮ ‬يداهم امرأة‮/ ‬تبدو شفافة،‮ ‬ولينة،‮ ‬ملساء،‮ ‬وأيقونة حزن،‮ ‬وعاشقة كلاسيكية،‮ .../  ‬وربما أحب المرأة التي تداهم الأحمر‮/ ‬حين‮ ‬يكون مستكينا في خزانتها‮/ ‬كي تبدو نمرة أو‮ ‬غزالة أو صورة من القرآن أو حصانا بريا لم‮ ‬يفلح تاريخ الرجولة في ترويضه‮/ ../ ‬القصيدة الطائشة‮  ‬كهذه‮ -/ ‬لا أكتبها إلا حينما أصحو من النوم،‮ ‬مباشرة،‮ ‬محملا بصور برية قذفها الله في أحلامي،‮ ‬وتعمد‮  ‬في تلك الليلة بالذات‮  ‬أن‮ ‬يصبغها بالأحمر جميعها،‮ ‬وأن‮ ‬يقول لي‮: "‬أقرأ‮" ‬و"إنا أرسلناك‮ !" ‬24‭.‬‮ ‬كأن الأحمر بالقصيدة أصبح وحيا،‮ ‬لم‮ ‬يعد لونا فحسب،‮ ‬ربما اجتياحا مزلزلا استدعي انقلابا بوعي الشاعر وأحلامه،‮ ‬واستدعاءا لقصيدته التي هي آلهته ومن أجلها‮ ‬يصطف الجميع قرابين هو والنساء والحياة،‮ ‬ولأنه لا‮ ‬يملك من المرأة سوي صورة ـ فيما أرجح ــ جاءت صيغ‮ ‬بناء الجمل الشعرية كلها تشي بالاحتمالية،‮ ‬وتعدد الافتراضات التي‮ ‬يشيدها الشاعر في وصف المرأة‮ " ‬ربما،‮ ‬وتكرار حرف أو عدد من المرات‮"‬،‮ ‬وعبرت عن بعض التناقض أيضا،‮ ‬كما تدلل صيغ‮ ‬التساؤل عن حالة ملتبسة علي الذات الشاعرة نفسها،‮ ‬وعلي القصيدة أيضا التي بوغتت بالصورة ولذا تأرجحت الاحتمالات والصيغ‮.‬
‮ ‬تتأكد تلك الحيرة والمباغتة في قصيدته‮ "‬عروس البحر‮" ‬لكن ببنية فنية مختلفة،‮ ‬يقول‮:" ‬القصيدة عاشقة كأنها بحر‮/ ‬والبحر عاشق كأنه شمس‮/ ‬والشمس عابثة عاشقة مجنونة كأنها جنية‮/ ‬والجنية كأنها كوكب دري‮/ ‬ترتدي قميصا ورديا مشدودا كقوس‮/ ‬فوق صدر وافر‮ ‬يعشق الشعر الذي‮ ‬يتوغل‮/ ‬باحثا عن جنية عاشقة‮/ ‬ليست قصيدة فقط‮" ‬32‭.‬‮ ‬تأتي صيغ‮ ‬الجمل الشعرية دائرية لا تملك‮ ‬يقينا،‮ ‬وتعود إحداها علي الأخري،‮ ‬حتي أن الشاعر لا‮ ‬يستطيع تمييز الحدود بين امرأة الصور،‮ ‬والأشياء والموجودات حولها‮: ‬البحر والشمس والقصيدة والجنية وبين الشاعر نفسه والشعر،‮ ‬تلك التكوينات الدائرية التي تلتف تنبئ بنيتها الفنية عن حالة وجدانية تجتاح الشاعر،‮ ‬مباغتة لم تزل تتخلق بداخله ولذا تتكرر بها الصيغ‮ ‬التي لا تنمو بقدر ما تتعرقل في مفرداتها أو في صمتها لتعود لمبتدئها‮. ‬
ويتلون شكل تشييد القصيدة وطريقة بنية تراكيبها لدي الشاعر ففي قصيدة‮ "‬عاشق إلكتروني‮" ‬تأتي نهاية القصيدة وكأنها ملخص لمقطوعات القصيدة السابقة،‮ ‬نتائج نهاية البحث عن الذات،‮ ‬إجمال لما فصله في السابق،‮ ‬يقول‮:" ‬لعلني محظوظ لأن الموت المبكر أقل كلفة‮/ ‬ولأن العفاريت تُغني عن الناس أحيانا‮/ ‬ولأن هاتفي لا‮ ‬يرن تقريبا‮/ ‬ولأن الصور أضحت متاحة إليكترونيا‮/ ‬ولأن ورود الديجيتال فاقع ألوانها‮/ ‬ولأني أستطيع أن أقول أحبك ما زلت‮" ‬67‭.‬‮ ‬فتتجمع تلك الجمل الشعرية لتلخص كل واحدة منها فقرة من مقطوعات القصيدة السابقة‮.‬
ويتأكد لايقين الشاعر من شيء أو انطباع أو شعور لدي امرأة الصور حول الذات الشاعرة‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يظل صمتها حاضرا،‮ ‬فتظهر في القصائد المتتالية مجرد جسد وافر وجميل‮ ‬يحمل‮ ‬غوايته للشاعر،‮ ‬ثابت لا‮ ‬يشي بمكنونه،‮ ‬يقول في قصيدة أوتار العود‮:" ‬ولا أضحك إلا نادرا‮/ ‬ولا أقول لشيء كن‮/ ‬لأنني لست إلها كاملا حتي الآن‮/ ‬ولأنني لا أهتم بالأشياء إن كانت أم لم تكن‮/ ‬ولأن السماء لم ترسلني برسالة لأحد‮/ ‬حتي لامرأة تحتفظ بمساحة لأشواقها‮/ ‬وأظنها لن ترسلني أبدا‮ " ‬77‭.‬‮ ‬رغم هذا‮ ‬يستمر‮ ‬يخلق من الصور المشاهد والأحلام ويحاورها ويبثها مواقف متخيلة شتي،‮ ‬تتذبذب فيها مشاعره مستمتعا بلعبة الصور في شكلها السطحي،‮ ‬وساخطا علي صمت المرأة في صراعه الداخلي،‮ ‬يقول في قصيدة‮ "‬كونشرتو البيانو‮" ‬محاولا إقناعها باللعبة واستدراجها لساحته‮:" ‬يمكننا أن نقسم الدنيا إلي مربعات متجاورة‮/ ‬نضع بعضا من نزواتنا فيها‮/ ‬ونتخيل ــ لأننا بعيدين هكذا ـ أننا نستمع إلي موسيقي هادئة لموزارت‮ " ‬83‭.‬‮ ‬ففي رحلة الصور التي بدأت بالمباغتة والاستحواذ علي انتباه الشاعر،‮ ‬ثم الصمت الغالب علي المرأة و حياديتها‮ ‬يقنع الشاعر بمجرد الأحلام وتصبح عوضا في لاوعيه عن اللاتواصل معها،‮ ‬يقول في‮ "‬يلضم المجرات‮":" ‬وأنت تعاركين أمواج البحر كجنية تحب الموسيقي‮/ ‬تذكري أنني أجلس علي كرسي منعزل‮/ ../ ‬وأنت تمشين نحوي بقدمين حافيتين‮/ ‬سيكون ثمة معني لخوفي الفطري‮/ ‬من

‮ ‬التورط في تسجيل الحلم‮/ ‬سأحاول لملمة قطرات الماء قبل انزلاقها إلي الرمل بقسوة‮/ ‬تناسب ارتطام مجرة بقلب شاعر‮/ ‬يلضم المجرات كمسبحة‮/ ‬لست متورطا حتي الأن‮. ‬مما يكفي جنوني‮/ ‬فقط استقبلك في أحلام متتالية‮/ ‬وينساب كونشرتو البيانو‮/ ‬من تلقائه‮" ‬84،‮ ‬85‭.‬‮ ‬ويتسرب ضيق الشاعر بهذا الصمت،‮ ‬يضاف إليه إدراكه للمسافات الفعلية والمعنوية التي بينه وبين امرأة الصور وصمتها،‮ ‬وتوقعه لخوفها من تطورات القصيدة،‮ ‬ومساحة البوح والحرية التي يسبح بها خيال الشاعر،‮ ‬والتصورات التي تخلقها القصيدة،‮ ‬يقول في قصيدة‮ "‬دم البكارة‮":" ‬القصيدة تتخطي الحجب دون إرادتي‮ ‬،‮ ‬فعلا والله‮/ ‬دائما أكون واقفا في الجانب الآمن‮/ ‬أشرب قهوة عند مفترق الشارعين الكبيرين‮/ ‬وأفكر في أهوال السياسة والحزن المجتمعي،‮ ‬وأسعار الدولار‮/ ‬فتأخذني إلي أماكن لم أفكر في اقتحامها‮/ ‬ظاهريا علي الأقل‮./ ‬هل سنتوقف تماما عن لعبة الصور؟‮/ ‬هل ثم قواعد لم نقلها تخص المدي المسموح؟ وهل الشاعر راغبا في القطيفة‮/ ‬حين يحاول اختراقها؟ الشاعر ـ صدقيني ـ يشرب قهوته فقط‮/ ‬وينظر للناس بعمق تارة‮/ ‬وتارة يترك إحساسه للصور المتصارعة التي تقوده إلي عوالمها‮" ‬44‭.‬
الحس السردي
في القصائد يتبدي الحس السردي الذي يطبع شعرية هذا الديوان ولذا يتخير الشاعر تكوين الجمل والمفردات في مستوي أقرب إلي الكلام العادي‮ "‬فعلا والله‮ "‬،‮ ‬وتطغي اللغة التقريرية‮ ‬غالبا،‮ ‬وتأتي في مستواها التداولي اليومي ولا يلجأ الشاعر إلي الكنايات أو الاستعارة أو الرمز إلا حينما يتلافي التصريح ببعض المشاعر والرغبات الغريزية‮. ‬يقول في قصيدة‮ "‬عازفة الجيتار‮": " ‬تدخل من الباب بقميص أسود واسع‮/ ‬مشدود بإحكام أسفل صدرها‮/ ‬فيطير نهداها كأوزتين بريتين‮/ ‬ويمتلئ سريري بالقصائد‮/ ‬ألم أغلق الباب من الداخل؟ تضع الجيتار مائلا علي الحائط الذي بدا أخضرا‮/ ‬تفتح ذراعيها الأبيضين فينشق القميص كبحر موسي‮/ ‬ثم موسيقي أسبانية تصدح‮/ ‬وراقصات في قمصان سود ـ كقميصها‮» ‬56،‮ ‬57‭.‬
تعد قصيدة‮ "‬عازفة الجيتار‮" ‬من القصائد التي حفلت بتقنيات الشعر المجازية الفنية المتنوعة،‮ ‬فتأخذ القصيدة شكل الحلم بتكويناته السردية،‮ ‬وتحفل بالتناصات والاقتباسات مع الموروثات الدينية المقدسة التي يقتنص الشاعر طقسها السردي والغرائبي ليضفيه علي حلمه مع امرأة الصور،‮ ‬ووقعه علي ذاته وسمتها المقدس لديه،‮ ‬مثل قصة موسي وانتصاف البحر،‮ ‬و يغزل من عجائب قصص الأنبياء ما يصور أساطيره التي يخلقها من وقع اختراق المرأة لغرفته بملابسها،‮ ‬والراقصات اللائي صحبنها وموسيقاها الإسبانية والأوز الأبيض الذي يغادر جسدها لعلو فوق سقف خيال الشاعر وغرفته،‮ ‬تمثل الملابس والألوان بالقصائد محورا تشكيليا مهما يعوض صمت المرأة ويلعب علي فاعلية الصورة وعناصرها في تشكيل الشاعرية في قصيدة ما بعد الحداثة والثقافة المعاصرة‮.‬
‮ ‬وتمضي قصيدة"عازفة الجيتار‮" ‬في فقراتها الشعرية لتبدأ إحداها بكلمة اقرأ في استمرارا للتناص مع النص القرآني المقدس،‮ ‬يكتب الشاعر وحيه الخاص،‮ ‬ويتنزل عليه جبريله الشعري ليقرئه هذا الوحي الذي يزلزل نفسه وقصائده وحلمه يقول‮:" (‬اقرأ‮)/‬ثم ضوء ساطع ينفلت من فتحات القميص‮/ ‬ونغمات تتمشي علي سجادة الأرض‮/ (‬اقرأ‮)/ ‬كيف ينفتح الباب من تلقائه يارب‮/ ‬وكيف تساقط الأوز بغتة من فتحة بالسماء‮/ ( ‬إني قد آنست نارا‮)" ‬57‭.‬‮  ‬
في قصيدة‮ "‬الموعد الأول‮" ‬يتخيل ما قد يقوله لامرأة الصور‮:" ‬ما الذي سيقوله شاعر هرم في موعده الأول‮/ ‬بينما المرأة تتخفي خلف تايير كلاسيكي‮/ ‬ووقار يناسب موقعها‮/ ../ ‬ويفكر فقط أن عليه تقبيلها‮/ ‬كي يمضيا إلي طاولة الحوار مباشرة‮" ‬55،‮ ‬طبيعة العلاقة الصامتة المتباعدة حيث عز اللقاء أوجدت صيغ‮ ‬لغوية قائمة علي الاحتمالية والتوقعات والتأويلات،‮ ‬أطلقت خيال الشاعر ليقيم هو عوالمه معها التي يشك أنها يمكن أن تحدث من الأساس وهو ما أكسب هذا الديوان صراعا له طبيعته الخاصة‮.‬
ففي نهاية الديوان في قصيدة‮ "‬المصابيح الحمراء‮" ‬يقول‮:" " ‬هذا الوقت مناسب جدا لكي أنام دون دموع مالحة ومصابيح حمراء‮/ ‬ودون أفكار مغروسة بامتداد الأرصفة‮/ ‬ودون الغرف المظلمة‮/ ‬تلك التي يزرعها الله بأجنحة بيضاء‮/ ‬لا تناسب شاعرا يغني أغنيات حزينة‮/ ‬لنهار يعرف أنه لن يجيئ‮" ‬92‮ .‬
‮ ‬يتعمد الشاعر أن تأتي قصيدته منقاة من أي تقص للشعرية الكلاسيكية أو التي تتغيا خلق عالم لغوي مجازي خاص بها،‮ ‬فيتوسل بلغة الحديث اليومي في رغبة لوضع قصائده في برنامج حمية‮ ‬غذائية يسلبها كل مقومات شعرية قصيدة الحداثة وتكويناتها الاستعارية وأساليبها المجازية وتركيباتها الخاصة‮. ‬
ولا يلجأ الشاعر لهذه التكوينات اللغوية المجازية إلا قليلا،‮ ‬وذلك لخلق رموز تهب دلالات تتعلق بمحاولة تصوير وتجسيد معان مجردة تنتاب الذات الشاعرة من وقع الصور،‮ ‬أو بعض استدعاءات ذاكرته لمشاهد تخص نساء أخريات بحياته في قصائد مثل‮ "‬عيون بهية‮" ‬أو‮ "‬عاشق إلكتروني‮".‬
‮ ‬كما نلحظ تعمدا من الشاعر ألا ينفذ خلف سطح الصور،‮ ‬ألا يعيش سوي في الافتراضات التي يخلقها مكتفيا بهذا،‮ ‬راصدا من مسافة،‮ ‬أو عاشقا افتراضيا،‮ ‬أو يخلق حياة وصراعا من خلال مجموعة من صور امرأة لا يتعامل إلا مع بعد وحيد بها،‮ ‬سطحها الخارجي،‮ ‬شاعر تيار ما بعد الحداثة لا يرغب في فعل حقيقي،‮ ‬ينسحب من الانخراط بالوجود بالفعل‮.‬
ولذا تصبح تقنية الحلم بديلا عن الواقع الذي لا يملك الشاعر أن يحياه‮.‬
المرايا في الديوان ليست لنيويورك،‮ ‬المدينة بطبيعتها المغسولة المنظمة محفزا ليري الشاعر مرايا ذاته وتأويلاته الخاصة،‮ ‬وعلي أسطحها المتعددة تتحرك مشاهده لتجسد انطباعاته حول العالم المحيط به وليس المنخرط فيه،‮ ‬كما أن قصائد الديوان كتبت معظمها في فترة زمنية متقاربة للغاية وكأنها دفقة حيوية شعرية حفزتها المدينة واحتضنتها‮.‬
سمات الشعر في تيار مابعد الحداثة
‮ ‬‮ ‬كما تتميز شعرية ديوان مرايا نيويورك بالعديد من سمات الشعر في تيار ما بعد الحداثة مثل‮:‬
ــ محاولة إظهار اللا اكتراث بالعالم والتخفف من الرغبة في حمل رسالة إصلاحية،‮ ‬والاحتفاء بالوحدة والانعزال،‮ ‬كما تسعد الذات الشاعرة بكائنات أخري تخلقها وتعيش معها أقل إزعاجا من البشر،‮ ‬وتعد تلك الرؤية مناقضة لنهج الشاعر في كتاباته الفكرية والاجتماعية،‮ ‬كما تخالف المشروع الذي يؤديه في مقالات تنشر مسلسلة بجريدة‮ "‬المقال‮" ‬اليومية،‮ ‬وفيه يتحلي بروح علمية منضبطة تقوم علي تفنيد الكثير من المقولات والموروثات وتفكيكها دون استعداء مباشر وفج للمؤسسات الدينية في المجتمع المتزمت،‮ ‬ويتحري فيها التحليلات الموضوعية والعودة للمراجع والمصادر التي اكتسبت قداسة رغم أنها من وضع البشر،‮ ‬ويقوم بتعرية الكثير من الأساطير التي صاحبت أعلام ورجال الدين وتأويلاتهم في وعي بظروف وملابسات كثير من مقولات التراث الديني وأعلامه ومفسريه‮. ‬كما أن هذه الذات الشاعرة التي تبدو حيادية لا تضع خطوطا حمراء وهي تتصدي للتحليلات السياسية في الكتابات الصحفية‮. ‬وهو ما يشير إلي اختلافات وتناقضات الذات المبدعة في مستواها الشعري والفكري الحياتي‮.‬
كيف تجتمع النقائض؟ كيف يجسد ويسرد قصته التي احتدمت مع الصور برؤية حالمة رومانسية وهو الذات الشاعرة ما بعد الحداثية الساخرة التي لا تكترث!؟‮ ‬
كما يضاف إلي هذه المتجاورات التي تشكل مجموع اقتناعاته قدرته علي الكتابة الفكرية وهموم الشأن العام‮. ‬وربما أيضا تلك بعض الأقنعة التي تتكشف له عن ذاته بمرايا نيويورك،‮ ‬لكن الشاعر فيه يأخذ موقعا آخر‮.‬
ــ تحضر الأشياء المهملة وتحتل موقعا في شعرية الديوان مثل أن يتحدث عن عوادم السيارات وأعمدة الإنارة وعلب المشروبات الغازية الفارغة في قصيدته‮ "‬مطرب العواطف‮" ‬وتتبدي ثقافة السلعة وطغيان مظاهرها حين يرصد للوحات الإعلانية‮. ‬كما تتبدي طريقة تعامل خاصة مع الأشياء الصغيرة فلا يكتفي الشاعر بها لمجرد الرصد بل من أجل الرمز‮.‬
ــ الاحتفاء بالجسد حيث أنه الكيان المادي الإنساني الذي من خلاله تنتقل الكثير من قدراتنا وتلقينا للعالم،‮ ‬كما يشكل الجسد الصورة بهذا الديوان أيقونة صامتة تحمل‮ ‬غموضها وإثارتها في آن واحد‮.‬
ــ القصيدة هي المعشوقة أم المرأة ؟؟ لا كيان يؤمن به الشاعر قدر حرصه علي تدفق قصائده يقول‮:" ‬ربما لأنني أبالغ‮ ‬في اعتناق دين قصائدي‮"‬70،‮ ‬يعد هدف الشاعر الجوهري الحياة،‮ ‬وحياته في شعره،‮ ‬والمرأة هي الطاقة التي يدفعها بالقصيدة،‮ ‬لتتخلق القصيدة‮.‬
في النهاية ماذا لو أن هناك إمكانية لاستنطاق المرأة الصامتة في الديوان،‮ ‬المرأة التي اكتفي الشاعر بسجنها في الصور والألوان،‮ ‬يقرأ ما تومئ به أزياؤها أو تخفيه،‮ ‬نظرتها أو ملامح جسدها،‮ ‬المرأة التي وصفها بأنها‮  ‬المكتفية،‮ ‬والمغرورة،‮ ‬التي لا تعد بشيء،‮ ‬وتحتار أين تضع يديها مثل نساء لوحات موديلياني؟
‮ ‬تحاور الذات الشاعرة صورها فقط،‮ ‬وترسم مشاهد لهما معا متخيلة دون أن تكون شريكا حقيقيا،‮ ‬ويحلق معها بمشاعره ورغباته،‮ ‬فيتبدي نزق قصائده المستند علي الأحلام والمتخيل،‮ ‬وتحتفي قراءة الصور بالجسد ليس بالمفهوم المادي،‮ ‬بل جسرا لعوالم أكثر تحررا ونورانية،‮ ‬فيرسم عوالم سحرية تحتفي بكائنات أخري أسطورية يستدعيها الحلم وما وراء الصور من حيوات مأمولة تغري بها صور معشوقة كلاسيكية شفافة‮. ‬ويتوالي بالقصائد صراع بداخل الرائي الشاعر لا تدري المرأة عنه شيء‮ ‬،‮ ‬فمنذ الإهداء يقر الشاعر بأن نصف ما كتبه مهدي إليها وله هو رغبة مؤجلة‮. ‬أتراها ارتضت حصرها في مجرد تأويل الشاعر لمجموعة من الصور ذات البعد الواحد،‮ ‬الجسد الذي يحضر بسطوته فقط ؟؟‮!!‬
أتصور لو أنها نطقت بعد تأمل تجربة الصور والقصائد لشعرت بالغبن فالتجربة بالأساس ملك لشاعر قلص كيانها في مجموعة صور دون أن يداهم حقيقتها وأبعادها مكتملة،‮ ‬واكتفي برصدها من مسافة تضمن له ألا ينخرط ويحافظ علي حياديته،‮ ‬فالشاعر ليس إلها كما أنه لا يحتمل صراع الأنبياء‮. ‬أو ربما احتفظت بهم بخزانتها مجموعة من اللآلئ المشغولة بعناية تذكرها بشاعر يراها امرأة تحتار في أي مكان تضع يديها،‮ ‬وتلك صورة من سيولة تيار ما بعد الحداثة وحياديته‮. ‬