رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

خريفُ‮ ‬البلد الكبير‮:‬ لعبة سردية شائقة


د‮. ‬رسول محمَّد رسول
6/17/2017 9:56:35 AM

يعود الروائي المصري‮ "‬محمود الورواري‮" ‬في روايته الجديدة‮ (‬خريفُ‮ ‬البلد الكبير‮) ‬الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة‮ ‬2017،‮ ‬إلي الأنا الإنسيَّة في موجوديتها المتشظية بين أزمنة متعدِّدة ليكسِب السَّرد في تجربته طراوة الحرية في اختراق زمانيَّة المعيش ليس في آنيته الراهنة فحسب إنما الماضية كون المبني الحكائي فيها‮ ‬يرتد إلي أسلوبيَّة السَّرد المفتون بذاته‮ ‬Metafiction) ‮ ) ‬وهو‮ ‬يستعين بمخطوط جلدي أتي به صديق قديم للراوي اسمه‮ "‬سليم‮" ‬في لقاء بعد انقطاع طويل بينهما؛ الراوي أو‮ "‬رشدي الشيخ‮" ‬الذي‮ ‬يعمل في السلك الدبلوماسي سفيراً‮ ‬لوطنه بالخارج،‮ ‬وعاد إلي القاهرة في إجازته السنوية حتي‮ ‬يجد وطنه مختلفة أو اصره بُعيد الثورة إيّاها،‮ ‬فلا النظام السياسي بقي،‮ ‬ولا حال مصر بقي كما هو؛ مصر هذا البلد الكبير الذي اهتزت عروشه الذاتيةوالموضوعية فيه حتي بدت متلاطمة في حيرة وقلق صوب تشظٍّ‮ ‬غريب لحال‮. ‬
المبني الجسدي
عشرون مفصلاً‮ ‬يتوخّاه المبني الجسدي للمتن الحكائي تتخلَّله حكاية المخطوط الجلدي أو‮ "‬الوليمة الأثرية‮" (‬ص‮ ‬27‮) ‬التي أحالها‮ "‬رشدي‮" ‬إلي صديق متخصِّص اسمه‮ "‬الدكتور عبد النبي الهادي‮"‬،‮ ‬والذي بدوره استعان بتلميذ له اسمه‮ "‬الدكتور فراج البيومي‮" - ‬سيموت في السجن لاحقاً‮ - ‬لفك ألغاز المخطوط وتبييض مسوداته،‮ ‬وصار هذان العالِمان‮ ‬يرسلان لرشدي الشيخ نص المخطوط تباعاًحتي وصل عدد الورقات أو الفصول فيه إلي ثمانية عشر فصلاً‮ ‬حرص الناص‮ ‬Textor) ‮ ) ‬أو‮ "‬محمود الورواري‮" ‬علي تسريدها تباعاً‮ ‬كلّما تقدم المبني الحكائي في مساراته،‮ ‬فأصبح القارئ بإزاء‮ "‬ذات حالة حكائيَّة‮" ‬يفردها الراوي لتسريد ذاته،‮ ‬و"ذات حالة حكائية‮" ‬أيضاً‮ ‬يجود بها المخطوط ليسردها تباعاً‮ ‬علي نحو متواتر،‮ ‬بمعني أن الناص خلق موازاة بين حكايتين لكنهما معاً‮ ‬مثَّلا المتن الحكائي المركزي في رواية الورواري‮ (‬خريف البلد الكبير‮)‬،‮ ‬وهو العنوان الذي اختاره الناص لها‮ (‬ص‮ ‬309‮)‬،‮ ‬وبالتالي اختاره كعنوان لروايته هذه‮.‬
وإذا بدت لعبة الحكي بهذه الجماليَّة السَّردية المشوِّقة،‮ ‬فإننا‮ - ‬كقرّاء‮ - ‬سنجد لدي الورواري أكثر من مجرد لعبة سرديَّة شائقة؛ إذ ومنذ بداية الرواية ستأسرك لغة الحكي الممشوقة تصريحاً‮ ‬تارة وتلميحاً‮ ‬تارة أخري،‮ ‬ولعل سحر اللغة الواصفة لديه بدا أكثر تعبيراً‮ ‬عن الحالة الموصوفة،‮ ‬لا سيما أن الراوي نفسه كان‮ ‬يتمنّي أن‮ ‬يكتب رواية،‮ ‬ليقول‮: "‬أكتبُ‮ ‬رواية تدور كلّها عني،‮ ‬عني أنا الذي لستُ‮ ‬واحداً،‮ ‬أنا رشدي الشيخ الذي أصبحَ‮ ‬كثيرين،‮ ‬أنا الطفل،‮ ‬وأنا الشاب،‮ ‬وأنا الطالب،‮ ‬وأنا القَلِق بأحلامه،‮ ‬وأنا الآن‮" (‬ص‮ ‬12‮)‬،‮ ‬ويقصد رشدي السفير والدبلوماسي الذي راحت موجوديته تتهاوي بين قديمها وجديدها‮.‬
التمرُّد الوجودي
هذا ما حصل بكل ما لذات الحالة المسرودة‮ "‬حالة رشدي الشيخ وما حوله وشأنه"؛ فبين مدار حكائي وآخر‮ ‬يظهر‮ - ‬هذا الدبلوماسي‮ - ‬بكل أنواته التي له،‮ ‬داخل مصر وخارجها،‮ ‬مع زوجته‮ "‬فريدة‮" ‬التي‮ ‬يصفها بأنها‮ "‬الزوجة النزقة المتحوصلة خلف قشرتها التافهة‮" (‬ص‮ ‬303‮)‬،‮ ‬وابنته‮ "‬ملك"التي كانت تتأرجح بين عالمًين مثَّلاالداخل والخارج،‮ ‬ومثَّلا كذلك الأب الفلاح أصلاً‮ ‬والأم البرجوازية ابنة سفير سابق،‮ ‬وبعيد عنهما قريب من هذا الفلاح السفير وحكاية والديه وقد رحلا،‮ ‬ومع حبيبته الراحلة‮ "‬فاطمة‮"‬،‮ ‬ومع ابنتها‮ "‬فاطمة‮" ‬أيضاً‮ ‬التي فجَّرت فيه نشيد الأمس الغرامي عندما كان‮ ‬يعشق والدتها‮ "‬فاطمة‮" ‬الأم،‮ ‬ومع حياته داخل الوظيفة وخارجها،‮ ‬في القاهرة أو في القرية،‮ ‬وفي كل ذلك بدت‮ "‬الذات المسرودة‮" ‬متشظية الحال وهي تنتج موجوديتها التاريخانيَّة بحس مأسوي نافر الوجود لكنها ستتخذ مصيرها بالعودة إلي أصلانيَّة بدت أكثر احتواء للتشظي الذاتي في عالَم بدا مخيفاً‮ ‬للبطل الثائر علي مصيره الذي هو عليه‮.‬
تبدو عودة‮ "‬السفير‮" ‬رشدي الشيخ إلي مجرد‮ "‬رشدي الشيخ‮" ‬الإنسان من‮ ‬غير ألقاب وظيفيَّة أو‮ "‬عودته إلي نفسه من جديد‮" (‬ص‮ ‬304‮) ‬تبدو استراتيجية هذا البطل وفي كل مسارات الحكي،‮ ‬حتي إنه صار‮ ‬يصف ذلك بـ‮ "‬مرض العودة إلي القديم‮" (‬ص‮ ‬120‮) ‬أو التخلي عن‮ "‬القشرة الإسمنتية‮" (‬ص‮ ‬120‮) ‬التي ابتلي بها كهمٍّ‮ ‬جهوي في حياته الوظيفيَّة؛ فهو سيتخلي عن وظيفته كسفير بعد أن طلبت منه وزارة الخارجية المصرية العودة للعمل في مقرها‮ (‬ص‮ ‬42‮)‬،‮ ‬كما أن عودته إلي قريته الأصل ستبعثُ‮ ‬في نفسه استراتيجية البقاء ليس بعيداً‮ ‬عنها دفئها البدئي،‮ ‬ومن ثم اشتعال الأزمة بينه وزوجته المتعالية‮ "‬فريدة‮" ‬لتصل إلي حدِّ‮ ‬الطلاق‮ (‬304‮)‬،‮ ‬وفي خضم ذلك اكتشافهل‮ "‬فاطمة‮" ‬الابنة،‮ ‬ابنة‮ "‬فاطمة‮" ‬الراحلة،‮ ‬حبيبته التي تعالي عليها‮ ‬يوماً‮ ‬بغرور ندم عليه فماتت كمداً‮ ‬في نهاية المطاف من دون تصريف عشقها له قولاً‮ ‬وفعلاً،‮ "‬فاطمة‮" ‬الابنة التي كانت دافعه الوجودي الجديد للتشبث أكثر بواقع بلده الكبير وقريته الصغيرة معاً‮ ‬في ظل اشتعال حنينه الغرامي المزدوج لفاطمة الأم عبر فاطمة الابنةحتي حسمت هذه الفاطمة الصغيرة بجرأة أنثي شغوفة الفكرة في ذهنه عندما قالت له‮: "‬أنا فاطمة الجديدة وفقط،‮ ‬أنا لن أؤدي دور‮ ‬غيري في الحياة،‮ ‬فكُن معي إنْ‮ ‬شئت‮"‬،‮ ‬ومن ثم‮ "‬أنا،‮ ‬أنا فقط‮. ‬فاطمتُك ماتت،‮ ‬فلا تبحث في داخِلكَ‮ ‬عن‮ ‬غيري‮"! (‬ص‮ ‬284‮)‬،‮ ‬وهي رسالة أنثويَّة واضحة أوحت لرشدي الجديد بأنها أنثي عصره الذاتي الجديد،‮ ‬وعندما اقترح عليه صديقه رجل الأعمال‮ "‬زياد الحسين‮" ‬إنشاء مركز دراسات‮ ‬يقوده‮ "‬رشدي الشيخ"نفسه بالقاهرة سرعان ما سيوافق ويختار‮ "‬فاطمة‮" ‬سكرتيرته،‮ ‬ليختم حكاية عودته إلي‮ "‬نفسه‮" ‬من جديد وهو في خريف العُمر كما‮ "‬مصر‮" ‬في خريف ما‮ ‬يجري بعد ربيعها الثوري المخطوف عنها‮ ‬غدرا‮.‬
‮"‬البلد الكبير‮"‬
في خضم تواصل مسارات السَّرد،‮ ‬كان عنوان‮ "‬البلد الكبير‮" ‬يتردد منذ الصفحة‮ ‬34،‮ ‬ثم‮ ‬38،‮ ‬ثم‮ ‬40‭.‬‮ ‬جاء ذلك في متن الحكاية الأصل وليس في الرواية التالية التي‮ ‬يمثلها‮ "‬المخطوط الجلدي‮". ‬لكنَّ‮ ‬هذ الملفوظ العنواني السَّردي‮ "‬البلد الكبير‮" ‬أخذ‮ ‬يظهر في متن المخطوط بالصفحة‮ ‬57‮ ‬أو في‮ "‬الورقة الثانية‮" ‬من أوراق المخطوط،‮ ‬وتحديداً‮ ‬علي لسان ذلك الشخص المجهول الذي‮ ‬يروي حكاية المخطوط الذي قال‮: "‬تبدأ قصَّة ذلك البلد الكبير ببذرة أو لعلّها فكرة‮ ‬غرست في هذا المكان فأنبتت‮ ‬يوماً‮ ‬وطناً‮ ‬بحجم الذي كانت عليه‮.." (‬ص‮ ‬57‮).‬
لقد كانت موضوعة الوطن،‮ ‬كما خيانته،‮ ‬وحب الأرض وبناء أوصاله،‮ ‬وذب المخاطر عنه،‮ ‬وكذلك حب الإنسان للمرأة،‮ ‬وغيرها من الأهواء المرتبطة بكينونة الوطن،‮ ‬بدا كل ذلك عاملاً‮ ‬مُشتركاً‮ ‬بين الحكاية التالية‮ "‬حكاية المخطوط‮" ‬وحكاية الرواية الكبري لتجيء التسمية أخيراً‮ ‬من جانب‮ "‬رشدي الشيخ‮" ‬بوصفه الإنسان الجديد العاري من شكله الإسمنتي في الفصل العشرين عندما اكتملت أوراق المخطوط‮ (‬18‮ ‬ورقة‮/ ‬فصلاً‮) ‬تحريراً‮ ‬من جانب الدكتور‮ "‬الهادي‮" ‬المتخصِّص بالمخطوطات القديمة،‮ ‬والذي تركَ‮ ‬الإسكندرية عائداً‮ ‬إلي مسقط رأسه في‮ "‬محافظة الشرقية‮" ‬بعد وفاة صديقه وتلميذه الشهيد‮ "‬البيومي‮"‬،‮ ‬جاءت التسمية بـ‮ "‬خريف البلد الكبير‮" ‬ليصبح‮  ‬هذا العنوان‮ - ‬معادلاً‮ ‬موضوعياً‮ ‬من داخل الحكي،‮ ‬وتخرج رواية المخطوط إلي نور حكاية الرواية الكبري،‮ ‬رواية‮ (‬خريفُ‮ ‬البلد الكبير‮) ‬لمحمود الورواري‮.‬
علي أنَّنا نمنح أنفسنا‮ - ‬بوصفنا قراء‮ -‬،‮ ‬وفي نهاية هذه القراءة،‮ ‬حق التأويل فنقول إن عنوان‮ "‬خريف البلد لكبير‮" ‬ربما‮ ‬ينطبق علي شخصية‮ "‬رشدي الشيخ‮" ‬نفسها،‮ ‬وكذلك علي‮ "‬مصر‮" ‬التي تعيش خريفاً‮ ‬بعد ربيع لم‮ ‬يأت عليها إلّا بالقلق الذي ترتد فيه الذوات إلي أصلانيتها المكانيَّة وجودياً،‮ ‬وبذلك تكتسب تجربة الورواري في هذه الرواية؛ رواية‮ (‬خريفُ‮ ‬البلد الكبير‮)‬،‮ ‬تاريخانيَّة الفعل الإبداعي‮.‬

تعليقات القرّاء