رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

عطر الغرام‮:‬ تمكُُّن السرد بين استباقات الزمن وسياقات النص


حمزة قناوي
6/17/2017 9:58:26 AM

ساد اعتقادٌ‮ ‬منذ وقتٍ‮ ‬طويل بأن نجم الرواية الرومانسية قد خَفَت في ظل تسيُّد وانتشار الرواية الاجتماعيَّة،‮ ‬فأصبح السائد من الروايات هو ما‮ ‬يتناول هُموم المعاناة البشرية،‮ ‬وتعقيدات الحياة الاجتماعية الحديثة،‮ ‬وعندما تُتَناوَل سِيَر العاطفة والحب في عمل روائي،‮ ‬فإنها تحضر كمُكوِّن ثانوي من مكونات الحبكة الروائية،‮ ‬لكن أن‮ ‬يتم تخصيص رواية بأكملها،‮ ‬حافلة بالوصف ومحاولة استكناه الذات،‮ ‬للحديث عن الغرام ــ ذلك التأكيد الأولي علي موضوع الرواية الذي‮ ‬يطالعنا منذ عنوانها‮- ‬هو أمرٌ‮ ‬يفاجئنا به الكاتب محمد العون في روايته‮ (‬عطر الغرام‮) ‬،‮ ‬الصادرة عن دار الحضارة للنشر،‮ ‬تلك الرواية التي نشعر كأنها معزوفة‮ »‬‬كونشرتو‮» ‬تُقدِّم ألحانَها بمفردِها بعيداً‮ ‬عن سيل السيمفونيات الروائية الاجتماعية‮.‬
من الضروري إذن أن نقف أمام عَنوَنَة ذلك العمل،‮ ‬تلك العَنوَنَة التي تحمل مفردتين تؤديان معاً‮ ‬إلي الشعور بالانغماس في فضاء المشاعر،‮ ‬فالعطر‮ ‬يستدعي في النفس ذكرياتٍ،‮ ‬أغلبُها‮ ‬يرتبِط بمشاعر لها سمتٌ‮ ‬خَاص،‮ ‬فضلًا عن ارتباطِه أيضاً‮ ‬بمحاولة التواصل مع الجنس الآخر،‮ ‬فسواء كان من‮ ‬يضع العطر رجلاً‮ ‬أم امرأة،‮ ‬فإنه‮ ‬يضعه لكي‮ ‬يصل الشذي إلي الآخر،‮ ‬إلي الطرف الثاني الذي سيلتقيه،‮ ‬ومِن ثمَّ‮ ‬فإن مفردة‮ «عطر‮»‬ ‬منذ البداية تحيلنا إلي الذات الثانية التي سيصل إليها عبير هذا العطر،‮ ‬أما‮ «الغرم‮»‬‬،‮ ‬فهي الكلمة المعروفة التي تحمل في مكنوناتها ميراثاً‮ ‬طويلاً‮ ‬من التغنِّي به في الأدبِ‮ ‬العربي،‮ ‬إنها مرادفُ‮ ‬الحيرة والوَلَع والشعور الجميل بالانجذاب ناحية المحبوب،‮ ‬وكأننا بتراكب المفردتين معاً،‮ ‬نشعر بأننا مدعوُّون إلي استشعار ريح المحبوب،‮ ‬وكأننا نشم عبيره،‮ ‬أو أننا مدعوُّون لكي نضع من عطرنا الذي نخصصه للمحبوب ونرغب في أن‮ ‬يشمه،‮ ‬إنني أتفق هنا مع جميل حمداوي من أن اوظيفة العنوان هي إثارة التساؤلات التي لا نلقي لها إجابة إلا مع نهاية العمل الفني‮()‬،‮ ‬وقد نجح العنوان في أن‮ ‬يثير في النفس‮. ‬وفقَ‮ ‬التحليلات السابقة‮- ‬المشاعر والانفعالات،‮ ‬بل تساؤلات تكتمل إجابتها مع انتهاء الرواية‮. ‬
مع القراءة سنكتشف أن‮ «العطر‮»‬ ‬يحمل مفارقةً‮ ‬جوهريةً‮ ‬في ثَنايا الرواية،‮ ‬فكلاً‮ ‬من‮ (‬ياسمين‮) ‬و(فريدة‮) ‬كانتا تستخدمان النوع ذاته من العطر،‮ ‬كلتاهما شاهد الراوي،‮ ‬الذي‮ ‬يحكي عن نفسه بأسلوب‮ ‬يقترب من السيرة الذاتية،‮ ‬في داخل حقيبتيهما زجاجة عطر سوداء بغطاء ذهبي،‮ ‬هل كان ما جعله‮ ‬يعشق كلاً‮ ‬منهما بالتناوب هو العِطر المشترك بينهما؟ أم أن هذا التشابه هو ما أربكه في الوصول إلي حقيقة مشاعره ومعرفة مَن كان‮ ‬يحبها فعلاً؟‮ «فوجئت بأحاسيس‮ ‬غريبة تنتابني وأنا أفتح الدولاب عندما‮ ‬يكون بالطو فريدة به،‮ ‬رائِحتها كانت تملأ فراغ‮ ‬الدولاب وتفوح منه،‮ ‬رائحة عطرها ممتزجة برائحة جسدها تتسرب إلي حواسي فتثيرها،‮ ‬أمر‮ ‬غريب‮!‬
الرائحة بمفردها لها تأثيرها الخاص بها،‮ ‬يختلف عنها وهي مقترنة بالشخص،‮ ‬أشعر بدفء أنوثتها‮ ‬يدغدغ‮ ‬مشاعري وأنا أقف أمام الدولاب المفتوح،‮ ‬البالطو المطوي بعناية داخل كيسه البلاستيك‮ ‬يثيرني بأكثر مما تثيرني صاحبته ذاتها؟‮!»‬ ‬بصـ135
هذه الكلمات حول عطر‮ (‬فريدة‮) ‬وعبقها الذي تتركه في دولاب الراوي،‮ ‬برغم كونه العطر ذاته الذي تستخدمه‮ (‬ياسمين‮)‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكن له الأثر نفسه عليه؛ تجعلنا نتساءل عن طبيعة إدراك الأشياء بالنسبة للحب؟ علينا ألا ننسي أن الراوي قد أحب‮ (‬ياسمين‮) ‬في البداية،‮ ‬أولِع بها،‮ ‬برغم أنه كان‮ ‬يضع لذاته مقياساً‮ ‬محدداً‮ ‬لجمال الأنثي،‮ ‬يقول‮: «لم‮ ‬يكن هذا النوع من الجمال‮ ‬يستهويني وقتها،‮ ‬وأحس بحياد مشاعري تجاهه،‮ ‬كنت أميل للشقراوات وأحلم بفتاة زرقاء العينين ذات شعر ذهبي طويل وجسد‮ ‬يتفجر بالأنوثة،‮ ‬تلوي أعناق الرجال إذا مرَّت في الطريق،‮ ‬أمشي بجانبها مزهوَّاً‮ ‬والجميع‮ ‬يحسدونني‮»‬.‬
علي رغم هذا المقياس الذي اختطه لنفسه من معيار للمحبوبة،‮ ‬فإنه مع الوقت‮ ‬يقع تحت أسر‮ (‬ياسمين‮)‬،‮ ‬تلك التي تأتي مواصفاتها علي النحو التالي‮: »... ‬بيضاء ناصعة اللون،‮ ‬معتدلة القامة ليست بالطويلة ولا القصيرة،‮ ‬رشيقة الجسد تميل للنحافة لكنها بضَّة اليدين والكفين،‮ ‬شعرها أسود قصير بالكاد‮ ‬يلامس كتفيها،‮ ‬ليس ناعماً‮ ‬تماماً،‮ ‬لكنه مُصفَّف بعِناية،‮ ‬أنيقة المظهر،‮ ‬ثيابها راقية الذوق‮ ‬غالية الثمن،‮ ‬ملامحها دقيقة‮.. ‬أنفها صغير مستقيم،‮ ‬فمها الصغير‮ ‬يبدو دائرياً‮ ‬كالخاتَم،‮ ‬أما عيناها السوداوان فناعستان حالمتان كثيفتا الأهداب،‮ ‬لكن أهم ما‮ ‬يميزها هذه الرقة المفرطة التي تبدو في كل ملمح منها،‮ ‬كما أنها تعطي هذا الشعور بالبراءة والطهر الذي‮ ‬يجبر أي شاب علي احترامها‮»‬. ‬صـ10
هذه هي صفات المحبوبة‮ (‬ياسمين‮) ‬التي ظن الراوي أنها فعلاً‮ ‬حبه الأول،‮ ‬لكن القطيعة التي حدثت بينه وبينها جعلت الأمور تخرج عن نصابِها،‮ ‬وبعد صراع طويل من المعاناة وعذابات الحب الجميلة نضجت مشاعر الراوي،‮ ‬فاكتسب خبرةً‮ ‬يستطيع بها أن‮ ‬يعرف معني وقيمة الحب من ناحية،‮ ‬والوقوف علي حقيقة مشاعره تجاه‮ (‬فريدة‮) ‬من ناحية أخري،‮ ‬لقد استطاع أن‮ ‬يصل إلي مؤشر الحقيقة لبوصلة مشاعره،‮ ‬نستحضر هنا وصفه لـ(فريدة‮): »... ‬كانت هناك فتاة شقراء ممشوقة القوام ذات شعر ذهبي طويل داكن اللون،‮ ‬ترتدي علي الدوام بنطلون جينز ضيقاً‮ ‬يُظهِر جمال ساقيها وتناسق جسدها،‮ ‬كنت أراها في الأتوبيس أحياناً‮ ‬سواء في طريق الذهاب أو العودة من الكلية‮...»‬ ‬صـ12
إذا ما عقدنا مقارنة بين المواصفات العابرة لـ(فريدة‮) ‬والتي من الطريف أن الراوي لم‮ ‬يستغرق في وصفِها بالدقة ذاتها التي استغرق فيها وصف‮ (‬ياسمين‮) ‬سنجد أنها تُحقِّق ذات الصفات التي كان‮ ‬يحلم بها لمحبوبته،‮ ‬لكنَّ‮ ‬طريقه انعطف عنها،‮ ‬وتوجه ناحية‮ (‬ياسمين)؛ إن الوصف هنا‮ ‬يظهر كأحد العناصر الأساسية التي تسهم ليس في إيجاد حالة من حالات التشويق داخل الرواية فحسب،‮ ‬وإنما كأحد مكونات الحبكة،‮ ‬عنصر رئيسي فاعل‮ ‬يجعل من نفسه شريكاً‮ ‬في عقدة الأحداث،‮ ‬إننا إزاء حالة من حالات‮ «الوصف الموجَّه من قِبَل السرد‮»‬()‬،‮ ‬حيث‮ ‬يمسك الراوي الوصف في قبضته،‮ ‬ويستخدمه لتوضيح خلفيات المشاعر وعلاقات الأحاسيس والنقاط الغامضة التي تذهب بنا أبعد من عين الراوي‮.‬
إذن هناك تداخل بين عنصري الوصف،‮ ‬والراوي،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعلنا نقول بأن‮ «الراوي هنا‮ ‬يختزن في ذاته كلاً‮ ‬من زاوية الرؤية والذات الراوية‮»‬ ()‬،‮ ‬بل إن الأمر‮ ‬يمضي أبعد من ذلك،‮ ‬حتي نشعر بالراوي كأنه‮ ‬يحكي لصديق،‮ ‬فأسلوب السرد السلِس القائم علي عدم التعقيد،‮ ‬والمباشرة،‮ ‬يجعل القارئ‮ ‬يشعر أنه‮ ‬يجلس مع صديق له‮ ‬يحكي له عن مغامراته العاطفية الأولي،‮ ‬وكأننا إزاء حالة من حالات المصارحة بين الأصدقاء،‮ ‬مثل تلك الحالات التي‮ ‬يصفها الراوي وهو‮ ‬يجلس مع أصدقائِه ليحكي لهم عن عذاباته في الحب ووقوعه تحت أسر‮ (‬ياسمين‮)‬،‮ ‬لكنه في المرة الثانية لم‮ ‬يبُح بشيء عن حبه لـ(فريدة‮)‬،‮ ‬الحقيقة أنه هو ذاته لم‮ ‬يكن‮ ‬يعلم أنه‮ ‬يحب‮ (‬فريدة‮) ‬لولا مقلب‮ ‬دبَّره فيه أصدقاؤه في الدفعة‮.‬

هناك نقطة مهمة‮ ‬يجب أن ننتبه لها،‮ ‬تتعلق بتلقي العمل،‮ ‬فنوعيَّة قارئ الرواية‮- ‬زمنياً‮- ‬ستفرق كثيراً‮ ‬في تلقيها،‮ ‬فلو كان القارئ عاصر حقبة الثمانينيات،‮ ‬أو كان في المرحلة الجامعية في تلك الفترة،‮ ‬التي لها طبيعتها الخاصة،‮ ‬سواء في التعامل بين الشبان والشابات من ناحية،‮ ‬أو من جهة انفتاح أفق ذلك الجيل لحلم العمل بعد الجامعة من ناحية أخري،‮ ‬بحيث تصبح خطبة طالب وهو في سنته الجامعية الثالثة أو الرابعة أمراً‮ ‬مقبولاً‮ ‬لكون العمل‮ ‬ينتظره بداهةً‮ ‬بعد الجامعة،‮ ‬سيختلف ذلك كثيراً‮ ‬عن قارئ أيامنا الراهنة من الأجيال اللاحقة علي جيل الثمانينيات،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن كون الجامعة الآن اختلفت كثيراً‮ ‬عن الصورة‮ "‬الكلاسيكية‮" ‬التي استعرضها العمل،‮ ‬والعلاقات بين الشباب والشابات قد اتخذت منحيً‮ ‬أكثر تعقيداً،‮ ‬كطبيعة العصر الذي نعيشه،‮ ‬فـ"الزمن النوعي‮" ‬هنا بطلٌ‮ ‬فاعلٌ‮ ‬في أحداث الرواية،‮ ‬وله حضوره المؤثِّر،‮ ‬وطبيعته،‮ ‬وتوجيهه للأحداث وفق طبيعة العصر وطبائع البشر آنذاك‮. ‬
يقول‮ (‬عبد العالي بوطيب‮): «يمكن اعتبار الزمن العنصر الأساسي المميِّز للنصوص الحكائية بشكل عام،‮ ‬لا باعتبارها الشكل التعبيري القائم علي سرد أحداث تقع في الزمن فقط،‮ ‬ولا لأنها كذلك فِعلٌ‮ ‬تلفُّظِيٌّ‮ ‬يخضع الأحداث والوقائع المروية لتوالٍ‮ ‬زمني،‮ ‬وإنما لكونها بالإضافة لهذا وذاك تداخلاً‮ ‬وتفاعلاً‮ ‬بين مستويات زمنية متعددة ومختلفة‮»‬ ‬ولسنا في حاجة هنا للتدليل علي أهمية عنصر الزمن في النصوص الحكائية،‮ ‬وإنما في تحليلنا للزمن هنا نجد أنه زَمَن خطِّي،‮ ‬فأحداث الرواية تدور في سنوات محددة،‮ ‬هي سنوات الجامعة،‮ ‬تبدأ مع أولي لحظات الالتحاق بالجامعة،‮ ‬وتنتهي بلحظة ختامية في بداية الفصل الدراسي الأول للفرقة الرابعة،‮ ‬مع مصارحة الراوي لـ(فريدة‮) ‬برغبته في الارتباط بها،‮ ‬وانقضاء المشهد علي لحظة تُبدي فيها‮ (‬الفرس الجامح أنثي الصقر الجارح‮) ‬ــ بحسب تعبيرات الراوي ــ موافقتها المبدئية علي هذا الارتباط،‮ ‬وما بينهما كان القليل جداً‮ ‬من الاسترجاعات‮ (‬الفلاش باك‮)‬،‮ ‬قليلة الأحداث التي عاد فيها الراوي للوراء لكي‮ ‬يحكي عن جذورها وعن تفاصيلها،‮ ‬وإنما كان هناك الكثير من الاستباقات،‮ ‬والطريف أن جميع الاستباقات جاءت خارج سياق النص بتعبير جيرار جينيه،‮ ‬كلها جاءت خارج مساق الحكي،‮ ‬خاصة عندما‮ ‬ينوِّه الراوي عن أحد أصدقائه الذين سيصبحون في المستقبل كذا أو كذا،‮ ‬ما بين وظائف متعددة‮ ‬يؤكد لنا الراوي أنه‮ ‬يروي لنا ما حدث من موقع زمني بعيد عن أيامه الجامعية،‮ ‬من موقع تسلُّم كلٍّ‮ ‬من تلك الشخصيات وظائفه واستمرت علاقته بالراوي حتي أنه‮ ‬يعرفه،‮ ‬وهو ما‮ ‬يوحي بأن هناك تكملة ما قادمة لهذه الراوية،‮ ‬تكملة تخبرنا بما حدث للراوي و(فريدة‮) ‬بعد أن اتفقا علي الزواج من ناحية،‮ ‬وما حدث مع هذه الشخصيات التي احتلَّت موقعها في المجتمع،‮ ‬ما بين فنان أو مستشار أو مهندس حسب ما أخبر الراوي،‮ ‬فهل ستكون هناك تكملة فعلاً‮ ‬لرواية‮ (‬عطر الغرام‮)‬،‮ ‬تواصل نهج السرد وفق موضعة الشخصيات في أماكنها التي خطَّها الزمن ومسار الأحداث،‮ ‬أم أن المبدع محمد العون اكتفي برسم هذه اللوحة المجتزأة من الزمن حين كانت العاطفة صفته الأقرب لبشرِه مما نري الآن من المشاعر السريعة المُنمَّطة والمتشابهة كأيام هذا الزمن؟




تعليقات القرّاء