رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

فتاة البحر‮:‬ الرسائل الُمغلّفة


إبراهيم حمزة
6/17/2017 10:02:06 AM

يحكي شيخنا‮ ‬يحيي حقي أنه ظل أسبوعا كاملا‮ ‬يبحث عن كلمة‮ ‬يمكن ان‮ ‬يقولها إسماعيل بطل روايته الفاتنة‮ "‬قنديل أم هاشم‮" ‬حين كسر القنديل واجتمع عليه الناس ليضربوه،‮ ‬وتحكي الكاتبة‮ "‬باتريشيا هامبل‮" ‬أن صديقا لها‮ ‬يكتب القصة،‮ ‬اخبرها أنه قضي‮ ‬يوما كاملا‮ ‬يحاول ما إذا كان سيجعل بطله‮ ‬ينادي صديقه بـ‮ "‬يا صديقي‮" ‬أو بـ‮ "‬يا صديقي الحميم‮".‬
وهو ما‮ ‬يعني دور الكلمة في بناء السرد،‮ ‬الكلمة المفردة بذاتها،‮ ‬خاصة في القصة القصيرة التي توزن كما قال سيدها‮ "‬يوسف إدريس‮  ‬بميزان الذهب‮"‬،‮ ‬وبهذه الكيفية‮ ‬يتعامل الكاتب ذو الرهافة والحس القصصي مع اللفظ،‮ ‬بإحساس داخلي رفيع،‮ ‬يستشعر الإيقاع كما‮ ‬يستشعر الشاعر الوزن،‮ ‬ولذا سنتلمس هذه الرهافة في تعامل الكاتب أحمد طوسون مع لغته في مجموعته‮ "‬فتاة البحر‮" ‬الصادرة عن دار أرابيسك‮ ".‬
علي باب‮ "‬قربانة‮ ":‬
قصة حب طفل مسلم لشابة مسيحية،‮ ‬هذا هو الهيكل العام لقصة‮ " ‬قربانة‮ "‬،‮ ‬أحداث القصة قليلة تماما،‮ ‬ولكن اللغة والرسائل المغلفة بأبعاد فكرية جمالية تعطي للقصة تميزا راقيا،‮ ‬حيث‮ ‬يلعب اللفظ دوره الجمالي،‮ ‬يستخدم‮ "‬أحمد طوسون‮ " ‬المحطة والقطار والديزل معادلا موضوعيا للقاء وللفراق،‮ ‬لكنه‮ ‬يجعل كافة عناصر الطبيعة تتعاطف مع أبطاله،‮ ‬الزهور عنصر بنائي،‮ ‬يتكامل مع استخدامه للألوان،‮ ‬انظر لتوالي الحدث بهذه الكيفية‮:‬
‮"‬كنت أجمع زهرات ذقن الباشا‮" ‬
‮  ‬البداية‮. "‬ذابت زهرات ذقن الباشا بين أصابعي‮"        ‬‮       ‬مفاجأة الحب الأول‮.‬
‮"‬سقطت زهرة ذقن الباشا فوق وجهي‮"‬
‮ ‬ظهور الحبيبة بعد‮ ‬غياب‮.‬
التركيب‮  ‬البنائي للقصة عبقري،‮ ‬مع تكرارالحدث بدرجاته المتفاوتة،‮ ‬انظر للأم وهي‮ " ‬ترش الماء بأركان البيت،‮ ‬فيطل الربيع من نوافذنا المفتوحة علي مصاريعها‮ ".. ‬رسالة مغلفة بالمحبة،‮ ‬إن النوافذ مفتوحة للمحبة،‮ ‬مهما كان اختلاف الدين أو العمر،‮ ‬ولذا فكل محاولات الفتي الراوي من خلال صديقه‮ "‬عامر‮ " ‬تتكسر علي صوت شخص‮ ‬يراه داخلا الكنيسة‮ ‬يقوده فؤاده،‮ ‬فيصرخ‮: "‬ولد مسلم‮ ‬غريب،‮ ‬أمسكوه قبل أن‮ ‬يسرق شيئا‮".‬
بناءان سامقان:الحبيبة زهرة،‮ ‬والأب خادم الكنيسة،‮ ‬والأم صانعة القرابين رموز للعمل والعطاء في مقابل نموذج مسيحي آخر‮ "‬ولد مسلم‮ ‬غريب‮.. ‬أمكسوه‮"   ‬وهكذا‮ ‬يغلف الكاتب رسالته الحريرية بلغم انفجاره،‮ ‬لماذا لا‮ ‬يحب الناس بعضهم بعضا ؟الأم تصنع القرابين،‮ ‬والقرابين تشبه الخبز‮ ‬غير أنه ذو دلالة دينية،‮ ‬ولهذا‮ ‬يسعي الطفل الراوي للحصول علي قربان،‮ ‬وكأنه‮ ‬يتكامل به مع هذه الحبيبة،‮ ‬لكن المجتمع كله‮ ‬يقف ضد هذا الحب،‮ ‬فيتعفن القربان الذي‮ ‬يحصل عليه الطفل بعد تعب،‮ ‬ويكون‮ (‬كل شيء صغير قد تحطم في قلبه‮) ‬بهذه الرهافة‮ ‬يعالج أحمد طوسون موضوعا عولج‮  ‬بالطبع‮  ‬كثيرا،‮ ‬لكنه‮ ‬يتخذ الطفل راويا،‮ ‬بريئا،‮ ‬نقيا،‮ ‬ومن هنا‮ ‬يجدد طرحه ببراعة البراءة،‮ ‬حيث‮ ‬يري في حوار له أن‮ "‬السارد الطفل‮ ‬يعطي شعورا بالصدق الفني وله عين ترصد من منطقة وعي مختلفة ظننتها ضرورية بالنسبة للعمل،‮ ‬الوصف ببراءة وبكارة قد‮ ‬يبدو ساذجا إن ورد علي لسان سارد آخر بوعي ورؤية‮ ‬يختلفان عن وعي السارد في القصة‮".‬
الولع بالمكان‮:‬
هذا الولع بالمكان‮ ‬ينتقل إلي‮ "‬تعريشة سندس‮".. ‬مقهي‮ ‬يلتقي‮ ‬فيه الراوي بشخص لا‮ ‬يعرف له اسما ولا عملا،‮ ‬لكن الرغبة في السفر تجمعهما،‮ ‬بل صارت الهجرة‮ /‬الموت سبيلا للحياة،‮ ‬الشاي الأسود مع الدخان الأزرق:المرارة والضياع معا،‮ ‬الألوان صارت لغة ذات دلالات ذكية،‮ ‬لونان للحياة‮ ‬يجمعان الأسي والشجن،‮ ‬ربما طغي قليلا صوت الكاتب علي صوت الراوي،‮ ‬فالمعروف أن الفاعل في الرواية أو القصة ليس الفاعل النحوي،‮ ‬غنما هو الفاعل البنائي‮  ‬كما‮ ‬يذكر باختين في‮ "‬الخطاب الروائي‮"  ‬بما‮ ‬يعني ارتفاع صوت الفكر علي صوت الشخصية،‮ ‬يقول‮ (‬في بلادنا اللصوص‮ ‬يسرقون الأحلام،‮ ‬ويلقون الأفكار بالحجارة،‮ ‬وينعتونها بالكفر‮) ‬صوت المؤلف هنا انفجار حاد وآلام عميقة‮ ‬يستشعرها الكاتب نتيجة للقهر الذي‮ ‬يراه حوله،‮ ‬بما‮ ‬يكفي لإدانة واقعه بكل شكل،‮ ‬ربما هذا الاضطراب انطبع علي المستوي اللغوي في الحوار،‮ ‬فتراوح بين الفصحي والعامية بلا مبرر فني،‮ ‬القصة تتناول التضحية التي‮ ‬يقدمها‮  ‬المضطر للهجرة مرغما،‮ ‬حتي‮ ‬يصل الحال لبيع إحدي كليتيه،‮ ‬بينما تخلع زوجة الراوي ذهبها وتبيعه لأجل سفر الزوج،‮ ‬ثم بعد ذلك لا نجد سفرا،‮ ‬بل تهريبا مهينا،‮ ‬من خلال صناديق مغلقة ؛ لاحظ التشابه بين الصناديق وبين النعوش،‮ ‬وكأن الوصول للحياة‮ ‬يتم عبر الموت،‮ ‬رسائل اللغة لا تنتهي في قصص أحمد طوسون،ويصل الأمر لذروته حين تتحطم السفينة في لمحة لغوية راقية تحذر من تحطم هذا المجتمع،‮ ‬ورمزية السفينة للمجتمع واضحة وقديمة،‮ ‬ثم‮ ‬يبحث كل واحد عن طوق للنجاة،‮ ‬ليلتقي الراوي مرة أخري مع صديق البؤس والأسي،‮ ‬صديقه الذي لا‮ ‬يعرف له اسما ولا عملا،‮ ‬ويطمئنه الراوي بقوله‮:‬
‮(‬لابد أن أحدا سيأتي لإنقاذنا‮) ‬تعبير محمل بدلالات عامة محذرة ومؤملة في وقت واحد،‮ ‬الرسالة تؤكد أن المجتمع لابد من إنقاذه،‮ ‬وانه متهالك وفاسد وقائم علي الغش وفي أشد الحاجة لمنقذ،‮ ‬وهذا المنقذ‮ ‬غير محدد،‮ ‬لكنه ضروري‮.‬
القصة‮  ‬رغم تسجيليتها للواقع الفعلي‮  ‬فإنها قصة،‮ ‬بمعني أنها لا تشير إلي حقيقة تجريبية كما‮ ‬يقول‮ " ‬ليفي شتراوس‮ " ‬وإنما إلي نماذج تتآلف طبقا لهذه الحقيقة‮ "‬وذلك لأن الاعتماد علي البنية المباشرة‮ ‬يقود إلي العقم،‮ ‬وينتهي إلي مجرد تصنيف محدود لا أكثر،‮ ‬ولذا لا‮ ‬يمكن أن نصنف قصة شيقة مثل‮ " ‬السيرة السمعية لأذن مواطن صالح‮ " ‬أنها قصة تجريبية أو رمزية،‮ ‬إنها قصة ذهنية تعتمد‮  ‬بصرف النظر عن طبيعة العنوان الكاشف للفكرة‮  ‬علي مرض أصاب أذن موظف،‮ ‬مما‮ ‬يجعله محروما من الاستماع إلي ما حوله،‮ ‬ويتخذ الكاتب الحدث البسيط متكأ،‮ ‬ليعرض من خلاله هموم المواطن البسيط،‮ ‬ومشكلاته الحياتية بشكل رهيف وعرضي،‮ ‬بلا مباشرة ولا تسطيح،‮ ‬ثم‮ ‬يختتم القصة بلمحة فانتازيا حين‮ ‬يجعل طاقات السمع للمواطن بعد علاجه تتسع لسماع كل شيء مخبوء،‮ ‬ولذلك نجده‮ (‬مع الوقت بات‮ ‬يجيب محدثيه بإجابات لا علاقة لها بأسئلتهم‮.. ‬يطلب منه زميله أن‮ ‬ينهي الأوراق التي‮ ‬يطلبها المدير منه فيرد:ابن الكلب‮) ‬كان‮ ‬يمكن للكاتب أن‮ ‬يتوقف بقصته عند اللحظة النورانية الباهرة،‮ ‬في طبيعة الرضا التي‮ ‬يستشعره الموظف،‮ ‬ورغبته في أن‮ ‬يظل مواطنا صالحا،‮ ‬لكن الحدث الأساسي اهتز قليلا حين دخل الإطار السريالي بلا ضرورة سردية للفانتازيا‮.‬
‮>>>‬
يملك أحمد طوسون صوتا قصصيا منفردا،‮ ‬صوته‮ ‬يقوم علي الصدق الخارق،‮ ‬ومن هنا‮ ‬يأخذ تأثيره الفعلي علي القاريء،‮ ‬عبر لغة محكمة متزنة،‮ ‬بعيدة عن التقليدية،‮ ‬وكأنها استجابة لتحذير أمير الرواية العربية نجيب محفوظ،‮ ‬حين كان‮ ‬يقول‮ ‬‮"‬الآن لا شيء‮ ‬يثير أعصابي قدر التقليد‮".‬