رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية

الفَكَه في قصص كرامات الصوفيّة‮ ‬


د‮. ‬محمد الشحات
6/17/2017 10:04:00 AM

تشتغل دراسة الباحثة التونسية أسماء خوالدية‮ "‬الفَكَه في قصص كرامات الصوفية بين التقديس والتحميق‮"‬،‮ ‬الصادرة عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف،‮ ‬علي موضوع كرامات المتصوّفة الذي طالما اشتغل عليه الباحثون العرب المعاصرون من زوايا ومقاربات مختلفة،‮ ‬بنيوية،‮ ‬وسيميولوجية،‮ ‬وتأويلية،‮ .. ‬وغيرها‮. ‬لكنّ‮ ‬الباحثة تري أن قصة الكرامة الصوفية تنتمي إلي قطاع واسع من الإنتاج الثقافي العربي الذي ظل مهمشًا ومغيَّبًا من دائرة الاهتمام والبحث؛ إذ قَلَّتْ‮ ‬فيه المصنَّفات المستقلة‮. ‬وهو كلام مردود عليه بالنظر في قائمة المصادر والمراجع التي ذيّلت بها كتابها لمعرفة بعض الدراسات التي تناولت هذا الموضوع‮. ‬إن قصص الكرامات ليست مجرد آثار للحكي،‮ ‬أو مسرودات قصصية قابلة للدرس،‮ ‬بل هي أيضًا طرائق للتفكير وإعمال النظر.في هذا السياق،‮ ‬تَعُدّ‮ ‬الباحثة كتابها الحالي أول دراسة أكاديمية تختص بدراسة الفَكَه في الكرامة،‮ ‬متعلّلة بأن‮ "‬المتوفر من الدراسات لا‮ ‬يعدو أن‮ ‬يكون مجرد إشارات خاطفة هنا وهناك لنص الكرامة ومضامينها دون أدني تنبيه لروح الفَكَه فيها‮". ‬لكنها تراجع نفسها قائلة إن ثمة عددا من الدراسات السابقة قد تناولت طرفا من الموضوع؛ مثل‮: ‬دراسة ناهضة ستار"بنية السرد في القصص الصوفي،‮ ‬المكونات والوظائف والتقنيات‮" ‬التي تفحصت فيها الكرامة فحصا بنيويا هيكليا،‮ ‬مُنَوِّهة بخصائص المنهج البنيوي وأهليته لاستخدامه في مستويات إجرائية متعددة ومتباينة بحكم ما تتوافر عليه مستوياته التحليلية من أبعاد لها إمكانية الإحاطة والتعمق في جوهر العملية الأدبية،‮ ‬و دراسة الباحث علي زيعور الذي انشغل بـ"أنا الصوفي‮"‬،‮ ‬كراماته وأحواله،‮ ‬من حيث هي الممثل الأكبر للقطاع اللاواعي والعائق الأكبر أمام عوالم العقلانية والتفسيرات الموضوعاتية للظواهر والعلائق والموجودات،‮ ‬وذلك وفق مناهج التحليل النفسي‮ ‬والإناسيوالأنثروبولوجي،‮ ‬ثم دراسة الميلودي شغموم الذي أقام عمله علي فرضية مدارها أن الكرامة أو البركة تحاكي ثلاثة أنماط أساسية،‮ ‬هي طرز أو نماذج أصلية تتم محاكاتها‮: ‬النمط النبوي،‮ ‬النمط الإبليسي،‮ ‬النمط النعيمي‮. ‬فضلا عن ذلك،‮ ‬تعترف الباحثة بقيمة الجهود التي بذلها محمد مفتاح في‮ "‬التلقي والتأويل‮" ‬و"دينامية النص‮" ‬و"النص من القراءة إلي التنظير‮"‬،‮ ‬حيث حاول تطبيق المنهج السيميائي علي الكرامات،‮ ‬ودراسة آمنة بالعلي"الحركية التواصلية في الخطاب الصوفي‮"‬،‮ ‬مستثمرة آليات علم السرد الحديث،‮ ‬وأخيرا دراسة الباحث محمد أبو الفضل بدران في كتابه‮ "‬أدبيات الكرامة الصوفية‮".‬
من هنا،‮ ‬تصرّح الباحثة بأنها لن تنظر في موضوع الكرامة إلا من حيث جماليات الفَكَه فيها تقديسًا أو تحميقًا‮ (‬والأصوب في رأيي‮ "‬التحامق‮"‬،‮ ‬لا‮ "‬التحميق‮"‬،‮ ‬لكنها أرادت مجاراة السجع الناشئ بين كلمتي‮ "‬التقديس‮" ‬و"التحميق"علي وزن‮ "‬التفعيل‮")‬؛ أي أنها ستهتم بالمستوي التعبيري لتكون منطلقاتها أدبية وبلاغية وجمالية،‮ ‬وتحديدًا مادة الحكي ومحتواها،‮ ‬سواء أكانت علي لسان الوليّ‮ ‬أو الشخوص المحيطة به،‮ ‬والمشارِكة في الأحداث أو الراوية لها.لقد سعت الباحثة إلي تدبّر الفَكَه في قصة الكرامة انطلاقا من فرضيتين اثنتين جعلتهما مدار كتابها‮: ‬إحداهما النظر إلي الكرامة بوصفها مسرودة قصصية لها خصوصيتها التي تميزها عن باقي الأنواع السردية،‮ ‬وثانيتهما النظر إلي الكرامة بوصفها نصًا ثقافيًا إيمانيًا ودنيويًا له خصوصيته المتفاعلة باستمرار مع آفاق المتقبّلين المتعاقبين‮.‬
اختارت الباحثة مدونة نصية محددة؛ هي‮: ‬أبو القاسم القشيري‮ (‬456‮ ‬هـ‮): "‬الرسالة القشرية‮"‬،‮ ‬أبو‮ ‬يعقوب‮ ‬يوسف بن‮ ‬يحيي التادلي،‮ ‬المعروف بابن الزيات‮ (‬ت‮ ‬617‮ ‬هـ‮): "‬التشوف إلي رجال التصوف وأخبار أبي العباسي السبتي‮"‬،‮ ‬أبو نصر السراج الطوسي‮: "‬اللُّمَع‮"‬،‮ ‬أبو البركات عبد الرحمان الجامي‮: "‬نفحات الأنس من حضرات القدس‮". ‬ولذلك،‮ ‬فقد قسّمت بحثها إلي أربعة فصول،‮ ‬خصصت كل واحد منها لجانب من جوانب الظاهرة‮. ‬فالباب الأول‮ (‬في ماهية الكرامة الوصفية‮)‬،‮ ‬يدرس مفهوم‮ "‬الكرامة‮" ‬ماهيةًولغة وقرآنا وتصوفا.أما الباب الثاني‮ (‬الكرامة قصة مسرودة‮) ‬فمنظاره سردي قصصي محض،‮ ‬حيث تنزاح الكرامة عن إطارهاالضيق إلي إطار قصصي‮.‬أما الباب الثالث‮ (‬آليات الفَكَه والتفكيه في قصة الكرامة‮)‬،‮ ‬ففيه بحث في آليات الفَكَه والتفكيه،‮ ‬لغةً‮ ‬ودلالةً‮ ‬فلسفيةً‮ ‬وقرآنيةً‮.‬أما الباب الرابع‮ (‬صورة الوليّ‮ ‬بين التقديس والتحميق‮) ‬فقد أفردت له الباحثة حرية التحرّك بين طرفي الثنائية الحاضرة،‮ ‬تلك الثناية التي قيّدت صورة الوليّ‮ ‬بين قطبين؛ أحدهما قطب التقديس والتسلية،‮ ‬والآخر قطب التحميق والهزء والتسخيف‮.‬