رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

السهو والخطأ‮:‬كتابة كابوسية بيضاء


مصطفي الشيمي
6/24/2017 10:03:19 AM

‮"‬السهو والخطأ‮" ‬للكاتب حسن عبد الموجود‮ (‬دار الكتب خان‮)‬،‮ ‬مجموعة قصصية مميزة،‮ ‬كتابة لا يمكن المرور عليها،‮ ‬ونسيانها،‮ ‬فصورها تعلق في الأعين،‮ ‬وفي الذاكرة‮. ‬كتابة من الصعب وصفها‮ - ‬باطمئنان‮- ‬أنها كتابة كابوسية،‮ ‬سوداوية،‮ ‬فالأسود ليس حاضرًا،‮ ‬بل الأبيض؛ العدم،‮ ‬اللاجدوي،‮ ‬العزلة التي يشعر بها إنسان هذا العصر،‮ ‬والوحدة التي تجعلنا نرغب في الحكي،‮ ‬حكيٌ‮ ‬يبدو‮ ‬غير هادف،‮ ‬حتي ينقض الحدث،‮ ‬القصص لا تبالي بالتكثيف،‮ ‬بل تفرض روحها وتتحكم في الإيقاع الهادئ الذي يعبر عن الوحدة،‮ ‬أو انتظار المعجزة،‮ ‬لا تهتم بالقواعد المفروضة سلفًا،‮ ‬ولا تفهمها،‮ ‬بقدر ما تهتم بأبطالها،‮ ‬إنها رحيمةٌ‮ ‬بهم‮. ‬تتركهم يسترسلون في الحكي،‮ ‬باعتباره طريقة للاطمئنان إلي وجودنا،‮ ‬ووجود الآخر‮. ‬إذا كنا موجودين حقًا فلماذا لا يسمعنا أحدٌ،‮ ‬أو يرانا؟‮. ‬مثل هذا الحكي يطمئن أحد الأبطال،‮ ‬وهو يفكر في شواهد وجوده،‮ ‬يبحث عن أدلة تثبت ذلك،‮ ‬والبحث عن أدلة يكشف حجم الأزمة،‮ ‬وحجم الفزع‮. (‬السكر في فراغات الشاي‮)‬،‮ ‬ليس الحكي فقط هو الطريقة الوحيدة للاطمئنان إلي وجودنا،‮ ‬بل الرائحة،‮ ‬الرائحة المقززة،‮ ‬العفنة،‮ ‬القوية،‮ ‬تطمئن بعضهم أيضًا‮ (‬قصة الرائحة‮). ‬وبهذا فإن المجموعة تشكل عالمها،‮ ‬لا تصيب الهدف مباشرة،‮ ‬ولا تبلغ‮ ‬الذروة سريعًا،‮ ‬تعرف كيف تتحكم في الإيقاع،‮ ‬ولا تتعجل الوصول إلي اكتمالها‮.‬
أبطال العمل،‮ ‬هنا،‮ ‬يبدون مثل المرضي،‮ ‬هلاوس تملأ رؤوسهم،‮ ‬بل إن أحد الأبطال يمتلك وحده ثمانية رؤوس،‮ ‬يختار من بينها الرأس المناسب كل يوم‮. ‬ويضع في الدولاب سبع جماجم عظمية،‮ ‬لا يقطع رأسه كل يوم ويرتدي جمجمة،‮ ‬فهو ليس مخبولا،‮ ‬فهذه الجماجم مجرد رمز،‮ ‬للفكرة التي يؤمن بها‮ (‬ثمانية رؤوس‮)‬،‮ ‬وهذا حال جميع الأبطال،‮ ‬لا يشعرون باندماج مع العالم،‮ ‬والعالم يبادلهم ذات الشعور وينبذهم أكثر‮. ‬هنا عالم من اللااستجابة،‮ ‬البرود الذي يحولك إلي تمثال‮ (‬تمرين علي رفع اليد‮)‬،‮ ‬أو يحولك إلي شخص بدين يشعر بالكسل من الحركة أو التفكير،‮ ‬مجرد التفكير‮ (‬جماعة النباتيين المتطرفة‮) . ‬
عادة،‮ ‬فإن الكتابة الكابوسية تلقي بسوادها في القارئ،‮ ‬أو في النص،‮ ‬بينما هنا‮ - ‬في السهو والخطأ‮- ‬كان الأبيض هو اللون الذي أراه،‮ ‬النص لا يلقي بالدخان،‮ ‬أو بعوادم العالم،‮ ‬فيكَ‮. ‬بل إن الكتابة هنا تتسلل إلي روحك،‮ ‬بخفةٍ،‮ ‬حتي إنك تشعر وكأنك داخل حلم،‮ ‬أو كابوس أبيض‮. ‬لغة حسن عبد الموجود تضع نفسها في مسافة بعيدة،‮ ‬إنها لا تتورط في هذا الكابوس،‮ ‬بل تبدو متعالية،‮ ‬وساخرة أحيانًا‮. ‬هذه السخرية واللامبالاة،‮ ‬جعلت من هذه الكتابة الكابوسية مغايرة،‮ ‬فهنا لا نري أحد الأبطال يصرخون‮ - ‬أمام محاكمة كافكاوية‮- ‬وإذا ما صرخوا فإننا لا نسمع صراخهم،‮ ‬هو كابوس هادئ،‮ ‬محبب إلي القلب،‮ ‬وربما نحن ساديون في قراءتنا‮. ‬العالم يبدو مفزعًا،‮ ‬حين يصير لينا،‮ ‬ويستجيب إلي هواجس الأبطال ويجسدها،‮ ‬تتحول هذه الهلاوس من صورة،‮ ‬أو شعور،‮ ‬إلي واقع،‮ ‬ويبدو الأبطال طول الوقت بحاجة إلي البحث عن مخرج للطوارئ،‮ ‬أو منفذ للهروب،‮ ‬وفي مجموعة السهو والخطأ،‮ ‬لا يوجد هذا المنفذ،‮ ‬فلا الحب،‮ ‬لا السلام،‮ ‬لا الحرب،‮ ‬لا أي شيء آخر،‮ ‬سوي الاستسلام للموتِ،‮ ‬ربما،‮ ‬للمساحات الصفراء،‮ ‬أو الخضراء الفاتحة،‮ ‬أو الداكنة‮ (‬غربان‮)‬،‮ ‬أو الاستسلام لهواجسنا التي تتحقق،‮ ‬أو لأقدارنا التي تسخر منا‮ (‬شجرة نائمة‮)‬،‮ ‬علي أية حال،‮ ‬فإن نهايات قصص المجموعة تترك الباب مفتوحًا دائمًا،‮ ‬لاحتمالات لا نهاية لها،‮ ‬وكوابيس أخري،‮ ‬قد تخرج من عقل القارئ هذه المرة،‮ ‬وتنفجر‮.‬

تعليقات القرّاء