رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

‮ ‬هوامش ثقافية‮:‬رحلات ابن البيطار


د‮. ‬محمد الشحات
6/24/2017 10:03:56 AM

للوهلة الأولي،‮ ‬يُحيل عنوان رواية‮ "‬رحلات ابن البيطار‮" -‬الصادرة عن دار صفصافة،‮ ‬القاهرة إلي أدب الرحلة،‮ ‬في الوقت الذي يصنع في ذهن القارئ أفق توقّع يرتبط بنوع بعينه من السرود الجغرافية أو التاريخية التي يقطع فيها الرواي أو الشخصية،‮ ‬أحدهما أو كلاهما،‮ ‬الزمان والمكان بحثًا عن مصادر الرزق أو متعة المغامرة وحبّ‮ ‬الاكتشاف أو معرفة المجهول والمخبوء من أسرار الكون أو تلمّس حدود الأرض ونهاية العالم،‮ ‬أو بحثًا عن ذلك كله‮. ‬العنوان لافت للنظر،‮ ‬وإن كان المأزق الذي سوف يتورّط فيه النص،‮ ‬مع اطّراد فعل القراءة،‮ ‬هو مدي انشداده المتوتّر إلي مجموعة من الثيمات أو الثنائيات الكبري التي كان يمكن لكل واحدة منها علي حدة أن تصنع نصًّا روائيًا متماسكًا،‮ ‬قائمًا بذاته،‮ ‬لكنّ‮ ‬المؤلف قد‮ ‬غامر،‮ ‬أو قامر،‮ ‬بها جميعًا،‮ ‬فتركها تتصارع في رحم نصّه دون حسم؛ وهي‮: ‬الهوية الإنسانيّة‮/ ‬الهوية الدينيّة،‮ ‬هوية الذّات‮/ ‬هويّة الجماعة،‮ ‬العيش في التاريخ‮/ ‬العيش في الواقع،‮ .. ‬إلخ‮. ‬
في ضوء هذا الصراع الحادّ‮ ‬بين عدد من الثيمات التي هي أشبه بثنائيات متضادّة،‮ ‬سوف تتحرك البنية الروائية للنص عبر محورين متوازيين،‮ ‬يلتقيان في بعض المنعطفات السردية،‮ ‬ويتنافران في أخري‮: ‬أحدهما محور واقعي يحمل عناوين تبئِّر علي الزمان والمكان المعاصرين‮ ("‬هنا روما‮"‬،‮ "‬نزهة المشتاق‮"‬،‮ "‬ترانزيت في لندن‮"‬،‮ "‬ربيع الإسكندرية‮"‬،‮ "‬روما من جديد‮"‬،‮ .. ‬إلخ‮) ‬،‮ ‬تجري أحداثه هنا-الآن في مدينة الإسكندرية قبل ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮  ‬2011م،‮ ‬وفي أثنائها،‮ ‬وبعدها،‮ ‬حيث يتناول الراوي حياة الشخصية الرئيسة التي تحمل قيم الازدواج الثقافي والديني‮ (‬دانيال محمد عبد الرازق‮)‬،‮ ‬ومن ورائه بالطبع شخصية الدكتور عالم الآثار‮ (‬البروفيسور داني رازاك‮) ‬وهو الاسم المحرّف من‮ "‬دانيال عبد الرزاق‮. ‬وثانيهما محور تاريخي يحمل عناوين تبئِّر علي الزمان والمكان التاريخيين في سبع رحلات توازي رحلات السندباد،‮ ‬بحيث تجري أحداثه هناك-حينذاك في فضاء القرن الثالث عشر الميلادي،‮ ‬وتنهض تفصيلاته علي تتبّع طفل مصري هو نجم الدين ابن البيطار الذي ماتت أمه وهو صغير بعد أن أوصته بوجوب العودة إلي أبيه الذي كان واحدًا من الأمراء الفرنسيين في حملة الملك لويس التاسع،‮ ‬بعد أن هربت به أمّه إلي بلاد الشام خوفًا من الفتك بها وابنها،‮ ‬وهناك سوف يلتقي ابن البيطار براهب مصري وبواحد من الحشّاشين،‮ ‬في رحلة بحثه عن هويّته التي لن تنتهي إلا بنهاية الرواية‮.  ‬
في ظنّي،‮ ‬ثمة عدد آخر من المشكلات السردية البنائية؛ منها‮: ‬تناثر الكثير من قصائد أمل دنقل في ثنايا الرواية دون توظيف فنّي كافٍ،‮ ‬مثل‮ "‬الكعكة الحجرية‮" ‬و"كلمات سبارتاكوس الأخيرة‮"‬،‮ ‬فضلا عن قصيدة أحمد فؤاد نجم‮ "‬مصر يا بهيّة‮"‬،‮  ‬وبعض مقتطفات من نصوص أبي منصور الحلّاج‮. ‬تقديم بعض المشاهد التي كان موضعها التأخير،‮ ‬أو العكس،‮ ‬علي سبيل استعراض المهارة في صنع بنية سردية مدهشة‮. ‬كثرة الاقتباسات من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد،‮ ‬وبعض الترنيمات الديموطيقية،‮ ‬وبعض النصوص التاريخية‮. ‬بطء الإيقاع السردي،‮ ‬بعد أن أصبح النص متخمًا بالنصوص والاقتباسات والإحالات‮. ‬وعلي الرغم من أن هذه الرواية ليست العمل الأدبي الأول لمؤلّفها الذي سبق له أن أصدر مجموعةً‮ ‬قصصيةً‮ ‬بعنوان‮ "‬كلام جرايد‮" ‬وروايةً‮ ‬بعنوان‮ "‬مدينة الشمس‮"‬،‮ ‬فإن هذا العمل الروائي الطموح‮ (‬بحقّ‮) ‬قد سقط في مزلق فنّي إشكالي،‮ ‬تمثّل في عدم قدرة الراوي علي ضبطَ‮ ‬إيقاع الرواية،‮ ‬فكان ينشغل أحيانا بالحكي والثرثرة،‮ ‬ويترك شخصياته في زوايا الصمت،‮ ‬فضلًا عن عدم إحكام الخطّين السرديين الرئيسين بدرجة كبيرة‮. ‬
إجمالًا،‮ ‬تنهض الرواية علي رؤية ثقافية تتمثّل في قيمة البحث عن الهويّة المتشظية؛ أقصد إلي تأرجح الهويّة المصرية بين الفرعونية‮ (‬أو القبطية‮) ‬والعربية‮ (‬الإسلامية‮). ‬وقد أكّد الكاتب هذا الأمر عبر عدد من الإشارات والعلامات‮. ‬فضلًا عن ذلك،‮ ‬تعكس لغة الرواية قدرًا‮ ‬غير قليل من الجمال والدقّة،‮ ‬عدا مواضع قليلة هنا أو هناك،‮ ‬كما أن بها عددًا لافتًا من الصور السردية ذات المحمولات الثقافية الدالّة،‮ ‬فالتوازي بين مشهد النهاية الذي يجمع بين ابن البيطار وصاحبيه الهاربَين معه من ناحية،‮ ‬ودانيال المصاب بغيبوبة،‮ ‬وإلي جواره رفيقته وحبيبته ماريا من ناحية أخري،‮ ‬توازٍ‮ ‬دالٌّ،‮ ‬ويمتلك أثره الجمالي الواضح‮.‬