رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

أزمنة الريح والقلق والحرية‮:‬حياة عارية


نبيل عبد الفتاح
6/24/2017 10:05:55 AM

هذا الكتاب هو واحد من كتب السيرة الذاتية المرموقة في المكتبة العربية،‮ ‬علي قلة هذه النصوص التي أرادت الطريق إلي البوح الصريح الحر الرصين عن مسار الذات في الحياة الشخصية والعامة وتطوراتها وتقلباتها وأعاصيرها الهادرة في مراحل زمنية فارقة في تطور عصرنا،‮ ‬وفي إطاره السودان الشقيق وعالمه العربي ومجتمعات الجنوب عمومًا‮.‬
الكاتب والمفكر السوداني حيدر إبراهيم علي هو تعبير أمين عن المزاج والخلطة الثقافية والاجتماعية والعرقية واللغوية التي‮ ‬يتشكل منها هذا المزاج المؤتلف السوداني التاريخ والتركيب والتعدد والمذاق والرائحة‮. ‬ثقافة متعددة المنابع والمصادر والتشكيلات وذات رونق وألق خاص‮. ‬انحاز تاريخيَّا مثل كل الذين عاشوا القلق والرياح بحثًا عن الحرية للذات والوطن معًا‮  ‬إلي اليسار السوداني العربي الأفريقي الأممي التوجه،‮ ‬ومن ثم تمثل مصادر تكوينية متعددة الانتماءات إلي ثقافات وفروع معرفية تواشجت فيما بينها وانصهرت في تكوينه ومقاربات متميزة تجلت في عديد كتبه ومقالاته العلمية‮.‬
استطاع الكاتب أن‮ ‬يلعب دورًا تاريخيًّا‮  ‬ضمن آخرين‮  ‬في نقل الثقافة السودانية من دائرة الشفاهية إلي الكتابية من خلال تأسيسه لمركز الدراسات السودانية،‮ ‬ولو اقتصر عمله علي هذا الإنجاز لكفاه في ميزان عمله الفكري والبحثي،‮ ‬إلا أن دوره الذي‮ ‬يذكره له الثقات هو أبحاثه وكتبه المتميزة التي تمور بالتجديد الفكري والتأصيل وعمق المعالجة كما‮ ‬يظهر في عديد مؤلفاته ومنها تمثيلًا لا حصر ما‮ ‬يلي‮: ‬سقوط المشروع الحضاري،‮ ‬التيارات الإسلامية والديمقراطية،‮ ‬لاهوت التحرير‮: ‬الدين والثورة في العالم الثالث،‮ ‬الديمقراطية السودانية‮  ‬المفهوم‮/ ‬التاريخ‮/ ‬الممارسة،‮ ‬سوسيولوجية الفتوي‮... ‬المرأة والفنون‮.‬
أما كتابه‮ "‬أزمنة الريح والقلق والحرية‮"‬،‮ ‬الصادر عن دار الحضارة للنشر،‮ ‬والذي‮ ‬يضم عشرة فصول فهو ليس محض سيرة ذاتية أو مسار حياة للكاتب والإنسان حيدر إبراهيم علي،‮ ‬وإنما‮ ‬يشكل مدخلاً‮ ‬لفهم السودان وثقافته وقيمه المتعددة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يبدأ من عتبات الكتابة والكتاب ومداخلهما،‮ ‬وذلك علي النحو التالي‮:-‬
عتبات الكتابة
نقصد بها مداخلها وعلاماتها الحاملة لدلالاتها،‮ ‬وتبدو من الغلاف،‮ ‬وصورة الكاتب والزمن تداخل فيها،‮ ‬ونظرته فيها من التأمل الشاك،‮ ‬وبعض من العبثية والحزن،‮ ‬والآمال الخائبة أو الضائعة‮. ‬نظرة فيها الحزن المعتق علي وجه أسمر نبيل وكادح في جده صوب المعرفة وفي مصاولة الحياة وصروفها المعقدة‮. ‬نظرة وجودية بامتياز عن أزمنة الحكمة والخبرة والوعي والمعرفة‮. ‬وستكتشف هذا الهاجس الوجودي في متن الكتاب وفصله الرابع‮: ‬عن‮ (‬التكوين وبحثه عن رؤية‮)‬،‮ ‬وتأثير الفيلسوف الفرنسي سارتر،‮ ‬وتربية سلامة موسي وغيرها من المصادر التكوينية التي شكلت معرفته ووعيه بذاته وبالعالم حوله‮.‬
2‮- ‬عنوان الكتاب‮/ ‬السيرة صريح‮ ‬يغيُم فيه الذاتي ويتداخل لصالح الموضوعي ومعه،‮ ‬والفردي فيما وراء العنوان المدخل،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتماهي مع مقولة أنطون تشيكوف‮: ‬يُقرأ الكتاب من عنوانه علي ما أتذكر‮ (‬أزمنة الريح والقلق والحرية‮)‬،‮ ‬ثمة تركيز علي الزمن وصراعاته وحضوره داخل الذاتي حيث تصخُب الريح ويصاحبها القلق،‮ ‬والسعي إلي الحرية التي رامها كاتب السيرة‮.‬
السيرة ذاتية،‮ ‬ولكنها حاملة بشر وأزمنة وأمكنة وسياقات عوالم معقدة ومتغيرة،‮ ‬والبشر هم مركز السيرة الذاتية علي نحو ما‮ ‬يطلق كاتبنا علي كتابه‮. ‬والسؤال الذي‮ ‬يتبادر إلي ذهن قارئ الكتاب حول تحديد هوية الكتاب وتجنيسه إلي أي أنماط الكتابة‮ ‬ينتمي؟
أولًا‮:- ‬حول تجنيس الكتاب؟ هل نحن إزاء سيرة ذاتية أم نوع آخر من الكتابة؟
1‮- ‬السير الذاتية عمومًا في العالم هي رصد لمسارات حياة الشخص بكل ما فيها من آلام وأزمات،‮ ‬ونجاحات،‮ ‬وإخفاقات،‮ ‬وعشق وهوي وشهوانية منفلتة،‮ ‬وغالبًا مركزها المرأة والحب واللذة،‮ ‬والأسرة،‮ ‬والصداقات،‮ ‬والمحبة والشرور والتسامح،‮ ‬والغلظة والنعومة،‮ ‬والقيم والقيم المضادة،‮ ‬وشظاياها،‮ ‬والأشياء والأمكنة والشراب والأكل،‮ ‬والموسيقي،‮ ‬والأدب،‮ ‬والتخصص،‮ ‬والسياسة أو اللا سياسة،‮ ‬وسنوات التكوين والتشكيل،‮ ‬واليفاعة وصباباتها وإخفاقاتها وجروحها‮.. ‬إلخ‮. ‬هي كتابة ذاتية محضة في الغالب،‮ ‬وهي كتابة أزمنة وعلاماتها وصدماتها الكبري وانفراجاتها،‮ ‬لكن من خلال الذاتي والوجودي‮. ‬والعالم الأدبي مضيء بسير حياة قلقة ومتوترة وقاسية ومؤلمة إلي حد العذاب،‮ ‬حيوات عند الحافة وأخري عند القمة‮.. ‬إلخ‮.‬
2‮- ‬فن السيرة الذاتية جنس أدبي فاتن في الأدب العربي الحديث والمعاصر علي قلته،‮ ‬وتفاهة عديد النصوص التي كتبته إلي درجة أن كتاب مذكرات عربجي،‮ ‬لمواطن مصري‮ ‬يدعي الأسطي حنفي أبو محمود وهو اسم مستعار لسليمان نجيب الممثل الكبير،‮ ‬تبدو أكثر قيمة وواقعية من بعض ما كتب‮. ‬تبدأ السير الفاتنة بالأستاذ العميد طه حسين،‮ ‬في الأيام،‮ ‬وأحمد أمين برصانته في‮ "‬حياتي‮"‬،‮ ‬ومرورًا بمذكرات عبد الرحمن بدوي سيرة حياتي الصاخبة،‮ ‬الضاجة بالعذاب الذاتي،‮ ‬وبنصوص من تعبيرات الكراهية إزاء بعض مجايليه،‮ ‬إلي مذكرات جابر عصفور المتقشفة،‮ ‬ولكن من‮ "‬الأيام‮" ‬إلي مذكرات‮ "‬أوراق العمر‮" ‬للويس عوض الفاتنة الجريئة،‮ ‬ومذكرات محمد شكري‮ ‬for breaD alone ‮ ‬والتي كتبت بالعربية تحت عنوان‮ "‬الخبز الحافي‮"‬،‮ ‬المذكرات العارية الأكثر جرأة في تاريخ الأدب العربي،‮ ‬ثم كتاب تربية عبد القادر الجنابي؛ الجريء والصادم مثل كتابه‮.‬
3‮- ‬السرد لمسارات الحياة الشخصية‮  ‬أو فن السيرة‮  ‬غالبًا ما‮ ‬يميل إلي التدفق الأسلوبي،‮ ‬والمشاعري والحواسي،‮ ‬والإيقاعات السريعة واللغة التي تميل إلي الأوصاف والسرود الذاتية،‮ ‬وهي لغة ذاكرة،‮ ‬فيها من العفوية والقصدية والحذف لوقائع وأحداث ومشاعر،‮ ‬فيها حينًا من الجرأة الصادمة وفيها من التحشم حينًا،‮ ‬والمزاوجة بين كلا الحدين الجرأة العارية والصادقة والصارمة والتحشم‮. ‬إستراتيجية كتابة السيرة فيها عمدية وقصدية،‮ ‬من هنا نستطيع القول إنه في عالم المحرمات العربية نادرة الكتابة العارية والصادمة والخادشة لحياء الرصانة الكاذبة والتحشم المصطنع من هنا كانت سير محمد شكري وعبد القادر الجنابي ولويس عوض في مقدمة هذه السير وعلامات علي هذا الفن والجنس الأدبي‮.‬
4‮- ‬أين نضع‮ "‬أزمنة الريح والقلق والحرية‮" ‬لحيدر إبراهيم علي؟
حيَّرني هذا الكتاب‮/ ‬الخطابات المفتوحة علي بعضها والمتداخلة التي بها بعض التمايز،‮ ‬هل نحن إزاء سيرة ذاتية؟ أم أن الكاتب أخذ ذاته وذاكرته ومحمولاتها مركزًا للانطلاق ليقدم من خلال الذات رؤية سوسيو‮  ‬سياسية،‮ ‬وسوسيو‮  ‬أنثروبولوجية وثقافية للمجتمع السوداني من خلال الذات،‮ ‬الحبوبات،‮ ‬والأم القوية الذكية‮ "‬بت أحمد‮"‬،‮ ‬والأب،‮ ‬والعمات،‮ ‬ليطرح ملاحظات الباحث الواعية مع تداعيات السارد‮.‬
5‮- ‬ثمة ميل لتشريح الشخصية السودانية‮/ ‬المجتمع‮/ ‬الأسرة‮/ ‬العائلة الممتدة،‮ ‬وهي شخصية تبدو لبعضهم بسيطة عفوية ومتسامحة،‮ ‬إلا أنها مركبة ومعقدة وتجمع بين الأسطوري والواقعي،‮ ‬بين المتخيل والواقعي،‮ ‬حيث تختلط‮ "‬الميتافيزيقا بالواقع الحي‮" ‬وفق وصف حيدر‮ (‬إبراهيم ص‮ ‬29‮).‬
6‮- ‬هل هي سيرة ذاتية كما‮ ‬يعاودني السؤال؟ أم كتاب أنثربولوجيا السودان الحديث والمعاصر من خلال الراوية‮/ ‬الباحث حيدر إبراهيم؟ هل هو كتاب سرد وتحليل سوسيو‮  ‬تاريخي لذاكرة وحيوات أسرة وعائلة وأصدقاء وحزب وتعليم‮: ‬خذ مثلًا‮ ‬کiteD of passaye وصفه لطقوس الزواج المتعددة،‮ ‬والحمل والميلاد علي نحو ما روتها الأم القوية الذكية‮ (‬بت أحمد‮)‬،‮ ‬وطقوس الزار والزي الأحمر الفاقع‮.. ‬إلخ‮. ‬
الكتاب هو نص مفتوح والأحري خطابات ذاتية وموضوعية مفتوحة ومشرَّعة نحو داخلها وخارجها،‮ ‬خطاب‮  ‬ينطوي علي خطابات‮  ‬متعدد المستويات والطبقات ويتسم بعمق معالجة باحث لتاريخه الشخصي والعائلي،‮ ‬والمهني‮.‬
ثمة ملاحظة أخري أن الكتاب وسروده‮ ‬يتسم بالنزعة المترعة بالحنان في تناوله للشخوص التي مرت عبر الذات العالمة والواعية‮. ‬إنه كتاب في سرد الحنان‮ (‬انظر عندما‮ ‬يتحدث عن أولاد عمومته ص‮ ‬53،‮ ‬54،‮ ‬55،‮ ‬وناس الدويمات مثلاً‮ ).‬
ثانيًا‮:- ‬اللغة والسرد في أزمنة الريح والقلق والحرية
تتسم لغة حيدر إبراهيم في أزمنة الريح والقلق والحرية بعديد السمات لعل أبرزها ما‮ ‬يلي‮:-‬
أ‮- ‬لغته مزيج مؤتلف بين اللغة العلمية البصيرة واللغة السوسيولوجية والأنثربولوجية وأحيانًا‮ ‬يشير إلي المصطلح الإنجليزي‮.‬
ب‮- ‬الانتقال من الجزئي والحكائي إلي الحديث عن العام حول الشخصية السودانية الذكورية‮ (‬انظر ص‮ ‬19‮ ‬مثلاً‮ ).‬
ج‮- ‬المزج بين التربوي الفردي والجماعي إلي حد القول إن النظم الشمولية عنيفة وليست قوية‮ (‬علي سبيل المثال ص‮ ‬20‮). ‬والتداخل كما ذهبنا إلي القول بين المرويات الخاصة،‮ ‬وبين مرويات العام والسياسي،‮ ‬وبين حياته الخاصة والتغير الاجتماعي،‮ ‬وسلوك

واتجاهات الأجيال الجديدة في السودان وأثر الاغتراب علي توجهاتهم‮ (‬ص‮ ‬35‮) ‬هي لغة واعية‮.‬
د‮- ‬لغة صريحة فيها رصانة الاحتشام،‮ ‬في الحديث عن والدته،‮ ‬وأثر تحولات ما بعد السودنة علي الأسرة وعشيقة الوالد في أم درمان‮).‬
هـ‮- ‬لغة تناصات بين الشعر والأمثولات الشعبية والأغنيات السودانية والمصرية،‮ ‬واللغة المحكية وذاكرتها الخاصة،‮ ‬وبين عربية فصيحة ورصينة‮.‬
و‮- ‬لغة تخاطب السودانيين أولاً،‮ ‬والقارئ العربي ثانيًا،‮ ‬وتحتاج إلي وضع قاموس‮ ‬glossary لتعريف الكلمات والعبارات رغم إشارته أحيانًا لعون الشريف قاسم وكتاباته،‮ ‬لكنها تحتاج إلي معاني اللغة لدي والدته بت أحمد،‮ ‬وأترابها والحبوبات من صديقاتها،‮ ‬لأن لغة الذاكرة شيء،‮ ‬ولغة الحياة والمعاجم شيء آخر‮.‬
ز‮- ‬لغة بها تناصات من عبارات لأشخاص وفنانين ومفكرين من مستوي عبد الله الطيب‮.‬
إن كثرة التناصات تشير إلي ثقافة الكاتب وغلبة وعيه ومعرفته علي مستويات السرد وتلقائيته،‮ ‬بل وأثرت عليه من حيث التدفق وبعض العفوية التي تشير إلي التحرر من قيود الوعي المسيطر علي الكاتب في استدعاءاته لتاريخ حياته ووقائعه وأفراحه وأحزانه ونجاحاته وإخفاقاته‮ .. ‬إلخ‮.‬
من ناحية أخري تشير التناصات إلي أن الكاتب قد خطط جيدًا لفصول الكتاب،‮ ‬وأعدَّ‮ ‬لها التضمينات الخاصة بها،‮ ‬والتي لم‮ ‬يكن بحاجة إلي الكثير منها،‮ ‬لأن تجربته ووعيه وتكوينه المعرفي‮ ‬يسمح له بأن‮ ‬يصوغ‮ ‬من تجارب حياته ما قد تتجاوز بعض هذه الاقتباسات الفلسفية والسوسيولوجية والشعرية،‮ ‬والغنائية،‮ ‬وتضفي حيوية أكثر علي نسق الكتابة،‮ ‬لأن كثرة التناصات بها بعض القيود المرتبطة بمواقف وآراء أصحابها،‮ ‬بل وتؤدي إلي التأثير علي العفوية أو علي تبيان عمق التجربة الذاتية،‮ ‬لأنها تكون محمولة علي الوعي بنصوص الآخرين،‮ ‬لا علي الوعي بالذات،‮ ‬لا سيما وأنها في حالة الكاتب ذات عالمة‮. ‬أيًّا ما كان الأمر فهي تناصات ذكية‮ (‬سنجور وسواه‮) ‬وهي دلالة علي حضور المثقف ووعيه ومعرفته في السرد السِّيري‮.‬
ثالثًا‮: ‬من أفضل فصول الكتاب عمقًا وتجربة واستبصارًا ما كتبه عن النساء والمرأة،‮ ‬ومن الشجاعة قوله‮  ‬ص‮ ‬239‮- ‬إن‮ "‬السبب العميق للتخلف،‮ ‬هو‮ ‬غياب الحيوية واللغة والإشباع الجنسي في حياتنا‮. ‬وقد أدرجت الأمم المتحدة في تقاريرها الأخيرة،‮ ‬مؤشر السعادة في قياس تقدم المجتمعات وتطورها‮. ‬وقد‮ ‬يغاير المرء قول الكاتب ويري أن التخلف ظواهر وحالة تاريخية مركبة ولا‮ ‬يمكن اختصارها في الخفاض الفرعوني ودوره في تكريس تخلف السودان لأن الحرمان الذي‮ ‬يعانيه الجنسان أو نقصان الإشباع الجنسي،‮ ‬هو بالتأكيد خصم علي الإبداع والرغبة وعلي جعل الحياة أفضل وأجمل‮. ‬فيلجأ الرجال لتعدد الزوجات،‮ ‬أو‮ "‬التجريب‮" ‬لعله‮ ‬يعثر علي هذا المفقود في علاقة أو زوجة أخري‮. ‬أما المرأة فلها آلية أكثر تعقيدًا بسبب القيود الأخلاقية المطبقة عليها أكثر من الرجل،‮ ‬فهي تلجأ إلي الجنس المظهري الخارجي،‮ ‬وتحول جسدها لمسرح‮ ‬يشبع الرغبة خياليًّا وتوهمًا،‮ ‬بدلاًعن الجسد والروح الحقيقيين‮. ‬وهذا هو سبب المبالغة في التجميل،‮ ‬والعطور،‮ ‬والكحل،‮ ‬والكريمات و"الكيرته‮" ‬أي الدخان والدلكة،‮ ‬وهو جنس أقرب للفتشية حيث توجه الرغبة لشيء مرتبط بالجنس وليس الجنس عينه وهذه هي الغواية التي تخيف الرجل وهو‮ ‬يريدها عند الأخريات بينما‮ "‬يحصن‮" ‬نساءه القريبات ويحجبهن وينقبهن‮".‬
هذه الوجهة من النظر تربط بين السعادة كمؤشر لتقدم المجتمعات أو تخلفها،‮ ‬وبين الإشباع الجسدي،‮ ‬وذلك بالربط بين عادة الخفاض الفرعوني السائدة في السودان ومصر،‮ ‬وبين‮ ‬غياب الإشباع ومن ثم السعادة وكيف أن ذلك‮ ‬يؤدي إلي تعدد الزوجات مع استمرارية ما‮ ‬يمكن أن نطلق عليه التعاسة الجسدية ومن ثم النفسية‮. ‬إن نظرة الكاتب إلي المرأة تتسم بالاحترام والتقدير الشديدين والنزعة التقدمية‮. ‬من ناحية أخري عندما‮ ‬يتحدث عن تجاربه الجنسية الأولي‮ ‬يرويها في تحشم ورصانة ولا‮ ‬يميل إلي التضخيم أو التجسيد أو استخدام العبارات العارية،‮ ‬وحتي في وصفه لعلاقته مع صديقته الألمانية‮ ‬يحاول سبر أغوار هذه العلاقة وموقف طرفيها من الآخر،‮ ‬وكأنها تعبير عن علاقة بين ثقافتين‮.‬
ومن الشائق ملاحظة أن علاقاته الأولي‮ ‬يميل فيها إلي التلميح لا التصريح،‮ ‬وفي وصف بعض الأمكنة من قبيل‮ -‬ص‮ ‬8‮- "‬كما سُمِّي عدد من الأحياء الشعبية في بعض المدن بكوريا‮ (‬أثناء الحرب الكورية‮ ‬1951‮)‬،‮ ‬وغالبًا ما تكون مشهورة بممارسات اجتماعية معينة‮).‬
ويتسم وضعه لطقوس الزواج المتعددة والحمل والميلاد نقلًا عن والدته‮ (‬بت أحمد‮) ‬وارتداء ملابس الزار والزي الأحمر الفاقع الذي كانت ترتديه والدته في هذا الطقس،‮ ‬لا شك أن التداخل بين مرويات الذات ومرويات الواقع الموضوعي السوداني وثقافاته وطقوسه‮ ‬يشكل مزية هامة في هذا العمل،‮ ‬ومن الشيق ملاحظة ما سبق أن قلناه إن سرد الكاتب عن الشخوص التي تداخلت أو عبرت في مراحل حياته من خلال لغة مترعة بالحنان واللطف،‮ ‬بحيث‮ ‬يمكن القول إنه كتاب في الحنان لا سيما عندما‮ ‬يتحدث عن أولاد عمومته‮.‬
وكان‮ ‬يمكن من خلال تقسيم آخر أن سيرة كاتبنا تنقسم إلي الجدات‮  ‬الحبُّوبات بالتعبير السوداني الجميل‮-‬،‮ ‬والأم القوية والعفية وذات الشخصية الآسرة وذات الحضور‮- ‬بت أحمد‮-‬،‮ ‬والتي تبدو وكأنها مخزن وذاكرة الأنثربولوجيا السودانية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن الأب وصداقاته،‮ ‬وكان صريحًا في رغبة الوالد في الزواج من صديقة له عابرة،‮ ‬ولم‮ ‬ينجح في ذلك ومترتبات ذلك‮.‬
يمكن القول إن ثمة مزجًا بين الفردي الذاتي،‮ ‬وبين الجماعي،‮ ‬والتداخل بين الأسطوري والحياتي كما أشرنا،‮ ‬بالإضافة إلي إعطاء أمثلة علي الدمج بين حياته ومساراتها وبين التغيير الاجتماعي وسلوكياته الجديدة علي السودان سواء بعد الاستقلال،‮ ‬أو في أعقاب الهجرة إلي إقليم النفط سعيًا وراء الرزق وفق عنوان كتاب نادر فرجاني‮- ‬فضلًا عن أثر الاغتراب‮.‬
إن الفصل الرابع حول التكوين والبحث عن بوابات المعرفة،‮ ‬يقدم عرضًا شيقًا حول المؤثرات التي أسهمت في تكوين ثقافته من خلال العديد من المصادر المصرية من سلامة موسي،‮ ‬إلي طه حسين والعقاد وأحمد حسن الزيات،‮ ‬وروايات إحسان عبد القدوس،‮ ‬ونجيب محفوظ،‮ ‬ومجلات صباح الخير وروزاليوسف،‮ ‬والكتب،‮ ‬والكتابات الإنجليزية في علم النفس،‮ ‬واستفادته منها في تكوين شخصيته‮. ‬وكذلك كتابات الفيلسوف الفرنسي سارتر حول الوجودية وكتابات بعض الفلاسفة الآخرين،‮ ‬لا شك أن تشكيلة المعارف التكوينية تقدم إلي القارئ لا سيما الشاب الخريطة المعرفية والقرائية التي شكلت واحدًا من أبرز المثقفين السودانيين والعرب‮. ‬هذا العمل الضافي لا‮ ‬يمكن اختصاره في عرض وجيز ويحتاج إلي قراءات متعمقة لأنه كتاب‮ ‬يتسم بالعمق والبصيرة والسلاسة والأناقة الأسلوبية‮.‬