رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

صباح مناسب للقتل:القصة وجماليات قصيدة النثر!


د. اعتدال عثمان
7/8/2017 9:51:49 AM

تمثل النصوص القصصية التي يكتبها الشباب اليوم حالة إبداعية لافتة، تتجاوب مع تحولات الكتابة التي تبلورت أحدث موجاتها في تسعينيات القرن الماضي، وبداية الألفية الثالثة حتي العقد الذي نعيشه الآن، ونشهد تجلياته الإبداعية في كم هائل من نصوص أعلنت تمردها علي طرق السرد القصصي المألوفة والمستحدثة، كما تعكس جماليات سردية مختلفة ما تزال في حالة تشّكل. يحدث مثل هذا التحول نتيجة لتغير طبيعة التجرية الحياتية التي تعيشها الأجيال الجديدة، واهتزاز القيم والأيديولوجيات التي كانت سائدة في القرن الماضي، والتي انبنت عليها رؤي العالم المستقرة نسبيا، برغم تحولاتها الدراماتيكية لدي الأجيال السابقة. هذه الرؤي قد تخلخلت علي المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن الطبيعي أن تكون لهذه التحولات بعدها الفكري والفلسفي غير المنفصل عن أدائها الجمالي.
كذلك فإن الرحلة الزمنية الطويلة التي قطعتها الكتابة السردية القصصية منذ الآباء الأوائل،ومرورا برواد الحداثة حتي اليوم، جعلت أجيالا جديدة من الكتاب أكثر انفتاحا وقدرة علي شق مسارات غير مطروقة، وربما يكونوا أيضا أكثر جرأة علي كشف المسكوت عنه، وطرح القضايا الشائكة ومقاربتها إبداعيا بجسارة لم يكن يفتقدها الرواد المجددون من أجيال سابقة. ومع النزعة التجريبية المتنامية في الأنواع السردية الصادرة حديثا لم يعد الأمر يتعلق بإعادة إنتاج الحياة المعيشة، بل باكتشاف جوانب خافية من تجربة الذات والعلاقة بالواقع وبالآخر عبر لغة مشحونة بطاقات تخييل لا تسعي إلي محاكاة الواقع، بل تتعمد كسر الإيهام بالمحاكاة مقابل تقديم صورة تخييلية لذلك الواقع نفسه، تعيد ترتيب المكونات والأولويات، مستبدلة الهامشي بالمركزي الذي طالما احتل الصدارة في القص التقليدي، وثار عليه المجددون.
تظهر النزعة التجريبية بوضوح في مجموعة » صباح مناسب للقتل»‬ للكاتب الشاب أسامة جاد، وتضم واحدا وثلاثين نصا قصصيا يتراوح بين القصير في حدود صفحتين، والقصير جدا في بضعة سطور. ينطلق التجريب عند الكاتب من نموذج خاص، فهو شاعر ( صدر له ديوان »‬الجميلة سوف تأتي») وسارد وصحفي وكاتب سيناريو علي نحو ما يعرّف نفسه في نهاية الكتاب، كما يبدو أنه علي درجة ملحوظة من الوعي بمقاصده الإبداعية، وبآليات الكتابة أيضا، وهي آليات تبدو طيّعة في يده أحيانا ويتلبسها الغموض أحيانا أخري، لكنه في كلتا الحالتين يخالف المواضعات والبنيات الأدبية الراسخة فيما  يشكل أفقا مغايرا لتلقي عمله، يحفز القارئ علي الاجتهاد في البحث عن مدخل مناسب للقراءة والتأمل أيضا، ومقاومة التشويش الطارئ أو حتي المتعمد الذي يحول دون وصول المتلقي إلي روابط منطقية تتيح له القبض علي المعني أو فك شفرة العلاقة الجدلية بين البنية النصية والدلالة.
من السمات البارزة في مجموعة »‬ صباح مناسب للقتل» الانفتاح علي الشعر، وقصيدة النثر بالتحديد، واستجلاب بنياتها الجمالية والفنية من تكثيف وبلاغة وحذف وإيقاع مضمر إلي فضاء السرد، مما يفتح الباب أمام تداخل الأنواع الأدبية. وبالفعل يستطيع القارئ تلمس طاقة شعرية موحية منذ العتبات النصية الممثلة في عناوين القصص مثل: »‬ أحلام بيضاء رطبة» أو »‬ لم تعد تستدعي الشمس إلي جلستها كل صباح» أو »‬ كانت رائحة شر في الهواء المذعور» . هذه العناوين تكاد تكون دعوة مفتوحة لاستدراج القارئ إلي دخول عوالم النصوص المسكونة بنثار الحكايا، والمشحونة بالصور الشعرية الفائضة بصرخات مكتومة ومضمرة، وحافلة بالعشق والموت والوحدة والانكسار، وأيضا بالعنف الظاهر والمتخفي في سياق الحياة اليومية مما يجعل صباحا ما »‬ صباح مناسب للقتل».
لعل النصوص القصيرة جدا تعد مرايا عاكسة بوضوح للحالة الشعرية المتغلغلة في سائر المجموعة علي نحو ما نجد في قصة »‬ بلل»:
»‬ سكب الماء علي جسمها.. ثم نام.
فأخذت تصفف شعرها المبلول .. وتبكي.»
هنا الحدث المختزل يوحي بطبيعة العلاقة الملتبسة بين المروي عنهما بضمير المذكر والمؤنث، بينما تكتسب دوال »‬الماء» و» البلل» و »‬الدموع»  معان توحي بحالة شعورية غالبة.
في نص آخر بعنوان »‬ كرم العزايزة» تتضح المفارقة بين الظاهر والباطن علي النحو التالي:
»‬ رمي صرخة بين النخيل الأشعث، وعادت له، ثم رمي صرخة، وابتلعها الظلام، فغاب في دفء خفيف.
احتفلوا ببطولته في الصباح، بينما كانت الرّعدة تهمس، وهي توشك أن تجف في ملابسه الخائفة. »‬
لا توجد هنا حكاية يمكن تلخيصها، فالنص يتكون من لقطات افتتاحية متتالية لإيقاع صوتي صارخ من رعب ليلي ما يسكن في الخلاء بين النخيل، يليها لقطة احتفالية ببطولة متوهمة، بينما تكمن المفارقة في لقطة أخيرة تُلمح إلي حقيقة الرعدة التي كانت مسيطرة علي المروي عنه، والدافعة لكي يبول علي نفسه من شدة الخوف، مما يدحض مسألة البطولة المدعاة. وهكذا تكشف المفارقة كثيرا من المواقف الحياتية التي يتقنع فيها الباطن الهش الضعيف بأقنعة مناقضة لحقيقته.
كذلك تتضمن نصوص أخري صورا شعرية خالصة تندمج في السرد علي نحو ما نجد في قصة بعنوان »‬يذكر نفسه دائما بشراء الخبز» :
»‬ ابتسمت، فأضاء صباح أيامه.
ولم تغمض عينيها، فقال: سأنقل المحاضرة.
وعندما انسكب شعرها، كمساء خجلان، اشتري دبلتين.»
هنا الحدث ينبني في ومضات سريعة تأخذ شكلا طباعيا مماثلا للقصيدة، فيما ترسم أفق علاقة الحب والزواج الذي يتحقق في ومضات تالية، تقطع مسافات زمنية في صورة شعرية موحية :
»‬تفتحت أزهارها في كفّه، فانتعش.
ولما غادر الصغير إلي بيته الجديد،
تذّكرا، كل هذا الوقت!»
غير أن هذا الجو الشعري الأليف الشفيف تقطعه عبارة سردية تكسر الألفة بصورة تستفز انتباه القارئ إلي حالة مبهمة تحيط بالمروي عنها بضمير المؤنث،تشير إلي السفر المجازي بمعني الموت.  ذلك الغياب من النص لا يلغي الحضور الغامض المستدعي حين »‬ خبأ أسنانه في ثيابها، فقد تحتاجها، لأجل أن تري الملائكة ضحكتها، وتحبها، مثلما يفعل، كل من يراها.» في هذا السياق الفانتازي يستطيع القارئ أن يربط بين دال »‬ الخبز» في عنوان القصة مضافا إليه محددات أخري ترتبط بدال »‬الأسنان»مثل »‬يبلل الخبز» و»خبز طري» من جانب، والدلالة الكلية الموحية بحالة الشجن والوحدة والفراغ الشامل الذي ترسمه أجواء القصة من جانب آخر، بينما تتكثف الحالة في حدها الأقصيفي النهاية:
»‬ أطفأ شمعة في عيد مولدها، منذ أيام.
وأراح رأسه قليلا.
ومات.»
وإذا كان الكاتب يوظف الومضات الشعرية واللقطات المتتابعة في معظم نصوص المجموعة، فإنه يلجأ كذلك إلي تنويعات تقنية شبيهة، مستعارة من اللغة السينمائية وكتابة السيناريو، حيث يتم تقطيع الحدث إلي مشاهد قصيرة متتابعة، تتجلي بإيقاعات سريعة متلاحقة، ترسم صورة المشهد بقدر كبير من الحركية والانتقال المفاجئ من لقطة إلي أخري.
تنقسم قصة »‬ يتركن أسماءهن علي باب البيت» إلي مشاهد تزدحم بجزئيات وتفاصيل يؤلف بينها راو من خارج الحدث، بينما يدفعها لتتلاقي حول بؤرة المشهد الأساسي الكاشف عن مواقف حياتية أليفة في نسيجنا الاجتماعي، حيث يذوب المكون الديني بين جارتين إحداهما قبطية والأخري مسلمة في ألفة مشاهد مستدعاة من أزمنة الذاكرة الممتدة لأربعين عاما من عمر الجيرة والصداقة الحميمة بينهما. أما علاقة التماهي بين الجارتين في محيطهما الشعبي الطبيعي،فتُقدم في لقطات ناطقة، يتواصل صداها حتي بعد لقطة الموت الأخيرة في القصة.
وفي قصة» يوم أن نفضت يدها من العجين» تتوالي أيضا المشاهد حيث يتقاطع مشهد ثابت متكرر للأم بتنويعات علي صياغة الجملة العنوان مع مشهد ثان متحرك يمثل صعود ابنها النخلة. تنويعات الصياغة علي الجملة المفتاحية تنقل تصاعد حالة الفزع التي تنتاب الأم كلما تقدم مشهد صعود الابن الحالم المندفع الذي يوحي النص بسقوطه، لكنه أيضا يحقق حلمه» طرت لأول مرة، كما حلمت دائما، وأنني رأيت في الأعلي ما سيكون فاكهة الحكايا.»
غير أن هناك نصوصا أخري تحفل بجمل سردية متفرقة مكررة، لا ينتظمها رابط دلالي مثل قصة »‬ قال »‬مو» وأشار بيده»، وكأن الكاتب أراد أن يشارك القارئ لحظة غامضة لا يعرف أيهما كنهها، ولا يملك أيهما - الكاتب أو القارئ ذ تفسيرا لها.
لا شك أن الانفتاح علي الشعر ولغة السينما والتجريب الحر أفاد القص، لكنه خلق التباسا شديدا في بعض النصوص علي مستوي الدلالة الكلية التي تكون أحيانا مبهمة تستعصي علي التأويل، كذلك قد يؤدي خرق توقع القارئ إلي نوع من الإدهاش والإبهار والغموض المغوي للقراءة وانطلاق خيال القارئ، لكن الغموض المستغلق يخلق في كثير من الأحيان تشويشا في عملية التلقي،ويفقد القراءة بعض متعتها. وفي المقابل ينجح الكاتب في النصوص ذات الدلالة الموحية في أن يجعل عبارة شعرية موظفة بمهارة عدسة تلتقط حالة شعورية ما، فيتحول السياق إلي نص تتنامي فيه الصور أو يتحول إلي رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة والخيال.