رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

الدفتر السادس:الماريونيت

ترفض يد محركها


تيسير النجار
7/8/2017 9:59:46 AM

أحب قراءة الإهداء لكل كتاب، وفي رواية الدفتر السادس للروائي ياسر جمعة، الصادرة حديثاًعن الهيئة العامة للكتاب، كان الإهداء غريباً بالنسبة لي، إلي (الطاهر الشرقاوي صاحب كنبة الأنتريه) عند قراءة الرواية رأيته منطقيًا، حيث أزال بطل الرواية غرابته:
(تخلصت من أثاث الشقة بعد انفصالي عن زوجتي؛ لأنني كنت أفزع كلما رأيت ظل جسدي مفرودًا أمامي، بينـما يكون الرأس مُختفٍ تحت المقعد، أو أن يكون نصفي الأسفل نحيفًا جدًّا ورأسي ضخمًا جدًّا يملأ وحده ظهر المقعد ولا وجود لما بينهما.ولكن بعد تخلصي من الفراش، بدأ طول ظلي المُبالَغ فيه يزعجني جدًّا) .
هكذا توحد البطل مع كنبته الوحيدة وارتدي الأندر وير التي تركته له من عصفت بدفترها ركود حياته، ليس حياته وحسب بل علاقته بذاته شبه المنقطعة:
(يشعل سيجارة ويقوم من كنبة الأنتريه ليحضر ثلجًا، لا يلمح نفسه في مرآة الطرقة وهو يمر أمامها، يعود، يقف أمامهافينقطع النور).
(لعلِّي أكون هذا الذي كتبت »هالة»‬ دفاترها من أجله، لكنني لا أعلم).
قسم روايته إلي أربعة أجزاء بعناوين مختلفة، تناوب فيها السرد بنفسه ككاتب وبين ضمير الغائب عن بطله المعذب وقاطع سردهما وجود (هالة) المركز الذي يدور حوله كلاهما، رسائلها التي تشبه القصائد النثرية، ذلك يوضح تعدد مواهب الروائي.
قارئ رسائل هالة هو شخص منسحب، لا يعرف هالة سوي من ما ذكرته في دفترها المرسل إلي حبيبها المجهول لديه أيضًا، لم تحتـمل زوجته انطواءه فهجرته، فضل أن يبدو أخرس لجيرانه، راقه تبادل الفكر بالأوراق المكتوبة، ناقم علي وضعه، يريد أن يثور لكن علي من؟ أنثاه التي تتجسد بها امرأة الدفتر؟
(بعد الكأس الثالثة فوجئ أن ذات العينين الخضراوين، التي يري فيها امرأة الدفتر،ليس لها ظل).
يقتل من ظنت امرأة الدفتر أنه هو، ربما شعر بالغيرة منه، له أنثي بالرغم من البعد يمتلكها، تضيع دفاترها حتي يحملها القدر إليه.
( دائمًا ما أري نفسي وآخر يُشبهني وامرأة الدفتر، كما أراها دائما، في حجرة ليس لها باب ولا نافذة، أربعة جدران وسقف في مستوي قامة إنسان، بها كنبتا أنتريه متقابلتان، تتوسطهما منضدة صغيرة ومقعد غيرمريح، يجلس عليه الذي يُشبهني ويبدو مستريحًا..أجلس علي كنبة، وفي المقابِلة تجلس »‬هالة»، يُسيطر حضورها.. يشع ضوءًا، وينثر أنوثة فوَّاحة. جسدها لين، لكنه مشدود. ثوبها بسيط يكشف الكثير، ولها حركات أنيقة ترسم بها في الفراغ ما يصنع بداخلي زحمة من مشاعر متناقضة، تتواصل مع الآخر، حتي في صمتهما. وهذا الآخر له حضور يكاد أن يلغي حضوري. يرسل إلي عينيها عشقًا، ترسل إلي عينيه عشقًا.. يبتسمان).
لكنه اهتدي أخيرًا إلي من الذي يستحق القتل، ذلك الذي جعله بهذا الوضع الذي يرفضه ولا يسعَ لتغييره أو تعديله بل إنهاؤه تمامًا.
(ثم يقرر أن يذهب إلي كاتب قصته (الدفتر السادس)، بعد أن يحصل علي عنوانه، ليقتله).
هالة فقدت حبيبها لأسباب لا نعرفها، كذلك الحياة تحرمنا من أشياء وتظل الأسباب مبهمة، لم تفقد حبها بل خلقت حبيبها من جديد وعند إدراكها أنه لن يكمل أمومتها بطفل يشبه حبيبها المفقود تركته، لم تعبأ لكم التشوهات التي وضعتها به بل أنها لم تراه في أي لحظة، ملتفة بالماضي حد الالتباس، متـمردة علي كاتبها تخرج من بين سطوره لتجادله، فخورة بتجربتها وتريد أن تخلد بها، كما عاشتها، تزعجها نظرية التشظي التي يفضلها الكاتب، ترغب في الظهور كاملة مكتـملة كما خاضت حياتها.
»‬ لا أريد أن أكون مثل ذلك الرجل، في إحدي قصصك، الذي عاش وحيدًا، وفي آخر حياته، في آخر لحظةمن حياته، لم يجد ما يتذكره فراح يتخيَّل ما يتـمني لو كان قد عاشه».
هي تعرف كاتبها لذلك تمكنت من مواجهته، تعرف ما صورها به، هذا ما لم يتوفر لقارئ دفترها، الذي رأي أن الانقلاب الكامل هو الحل.
وقت المضاجعة هو أكثر الأوقات حميـمة ويسقط بين الطرفين كل ما مضي وما حولهما ويتوحدان، استطاع ياسر جمعة أن يجعل هذا الوقت هو ذروة الخيانة، هالة كانت تعطي جسدها لظل حبيبها الغائب، روحها تتـماهي مع روحه كما حدث في الماضي عندما كان موجودًا، الظل لا يستطيع الهروب فهو يحبها كثيرًا بل يمتعها ويشبعها وهو يدرك تمامًا أنها لا تراه، يساعدها لتجد شيئًا أعمق من مجرد الظل حتي تعوض فقدها العظيم، لكن الحمل لا يكتـمل، تتركه دون ندم، يبقي وحيدًا.
البحث عن بديل عند الفقد، رد الفعل الطبيعي لرتق ثقب القلب، نرغب أن نوقف نزيف قلوبنا حتي لو كان بشق قلوب الآخرين .. الآخرين حتي لو كانوا الأكثر حرصًا علي تضميد قلوبنا.
أسلوبه رائق وكأن كلماته وُجدت متصلة بهذا الشكل، في انتظار كل ما يبدعه، يبدعه فعلاً لأنه يكتب كما لم يُكتب من قبل.

تعليقات القرّاء