رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية: عشق المبتدأ وحب الخبر


د. محمد الشحات
7/15/2017 10:33:36 AM

يشتغل عنوان رواية الكاتب التونسي عبد الصمد زايد علي مصطلحين نحويين هما »المبتدأ»‬ و»الخبر»، لكنه في الوقت ذاته -وبتضمّنه كلمتي »‬عشق» و»حب»- يحيل إلي فضاء رومانتيكي. لكنّ من يتصفّح الرواية يدرك أن ثمة توازيا بين عالمين، لكل منهما مبتدأ (بداية) وخبر (نهاية)؛ أقصد إلي قصة الحب بين سي الهادي ود. مريم من ناحية، وقصة الثورة التونسية التي بدت في الأفق حتي اكتملت في نهاية المطاف، من جهة ثانية.
تتكون الرواية من عدد كبير جدا من المشاهد السردية المتتالية من دون أية أرقام أو علامات طباعية فاصلة، أو أية فواصل أخري بين مشهد وآخر، والتي بلغت صفحاتها ٢٤٤ صفحة من القطع المتوسط. تسعي الرواية إلي تمثيل الفضاء التونسي في فترة ما قبل الثورة، بهدف تعرية بؤر الفساد الروحي والأخلاقي والفساد السياسي، وبموازاة تخلّق قصة حب نبيلة بين سي الهادي والأستاذة الجامعية مريم المختصة بالجيولوجيا وعلم الحفريات. هي رواية أقرب إلي الرواية الواقعية البسيطة من حيث الحبكة، رواية تُعنَي بمساحات كبري من الوصف الدقيق حدّ الملل في بعض المواضع، الوصف الذي يقترب بها من الرواية التسجيلية أحيانا، فضلا عن تحمّلها بمقاطع كثيرة لا تحيل إلا إلي ذاتها، هي أقرب إلي روح الشعر منها إلي السرد الروائي. أما عن الشخصيات (سي الهادي، د. مريم، الدرويش، فتحي، سوزان، أحمد، ... ) فقد جاء أغلبها مفتقرا إلي مرجعية ثقافية واجتماعية قوية، تعزّز سلوكها وردود أفعالها.باختصار، تتحرك الرواية بين عالمين، واقعي ومتخيل، تحوّلات قصة الحب التي اختزلها الراوي في سي الهادي ومريم، وتحوّلات الحراك التونسي السياسي والثقافي الموازي الذي لم يقطع الراوي في النهاية بمدي نجاحه أو فشله، بل أكد علي كونه بداية بالغة الأهمية لمرحلة جديدة من تاريخ تونس الجديدة.
علي الرغم من كون هذه الرواية ليست الأولي لصاحبها؛ إذ سبق له نشر رواية أخري بعنوان »‬مواعيد عند الأفق»،فإن ثمة إشكالا فنيايمكن تلمّسه في بعض المواضع؛ منها مثلا هيمنة الوصف علي جزء كبير من الرواية، خصوصا الجزء الأول الذي جاء مبهما وثقيلا، وشاحب الدلالة. ثانيا تسطّح عدد كبير من الشخصيات، وكأنها شخصيات من ورق بالفعل ولا جذور لها. ثالثا ضعف الحوار السردي الذي جاء كله بلغة فصحي تعاني بعض التكلّف. خامسا الأسلوب التقريري، الإخباري، الذي نهض به الرواي وحده.
سعت الرواية إلي تمثيل عالم سردي يمتاح تفاصيله ودقائقه من التحولات السياسية والاجتماعية الأخيرة التي مرّ بها المجتمع التونسي إبّان الثورة وفي أعقابها. من هنا، بدت علاقة هذه الرواية بالثورة التونسية علاقة قوية، خاصة في الجنوب التونسي، حيث التقي البطلان بعد فراق طويل بينهما. ففي الجنوب، بمكوناته الطبيعية والحديث عن الاقتصاد والثقافة والسياحة والتهريب وسرقة الآثار والنشاط الجامعي والبحث العلمي في مجال الحفريات واكتشاف الآثار، كان ثمة احتفاء بالغليان الشعبي وبذرة الحراك الجماهيري وتضافر الأحلام، بحثا عن تونس جديدة. تتوق الرؤية إذن إلي العدل الاجتماعي والحرية وتمجيد ثورات الشعوب الناهضة والتخلص من فساد الحكّام وأعوانهم من الطغاة واللصوص. غير أن هذه الرؤية ذاتها يشوبها بعض الغموض واللبس، فلم تطفُ علي سطح الأحداث إلا في الثلث الأخير من الرواية فقط.ثمة مستويات جمالية عدة للغة السردية المستخدمة في هذه الرواية، فالكاتب يمتلك بالفعل لغةذات مستوي راقٍ، وقدر غير قليل من الجمال والشعرية، لكنّها جاءت ثقيلة الوطء علي المستوي السردي، كأنها مكبّلة بأصفاد من بلاغة قديمة. لذا، لا تشعر بسهولة نطق الشخصيات والتعبير عن مكنوناتها، بل ثمة معاظلة في بعض المواضع، وجنوح إلي شعرية غير مرغوب فيها في مواضع أخري.
وفي الوقت الذي انتهت الرواية علي الورق، بقيت إحالاتها مفتوحة الدلالة والرمز،مؤشّرة علي كل الاحتمالات. ففي مستوي قصة الحب، لا أحد يعلم مصير الهادي ومريم، واحتمال نجاحهما أو فشلهما، وفي مستوي الثورة التونسية وانتقالها الديمقراطي، تظل الأمور منفتحة علي كل الاحتمالات التي لا يقين فيها سوي أن تونس الخضراء علي أعتاب مرحلة مغايرة يمكن أن تولد فيها دولة جديدة بحق.

تعليقات القرّاء