رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

يحيي حقي شاعر قصيدة النثر


جرجس شكري
7/15/2017 10:38:06 AM

 يكشف رجاء النقاش في كتاب »يحيي حقي.. الفنان والإنسان والمحنة« عن جوانب خفية وغير مطروقة للقارئ أو الناقد من قبل في حياة الأديب الكبير يحيي حقي علي المستويين الإنساني والأدبي، بل ويعرض لمحنته السياسية، ولاشك أن الكاتب والمكتوب عنه في هذا الكتاب لا يحتاج إلي تقديم، ولكننا نحتفي بكتاب جديد للناقد الراحل رجاء النقاش، وعلي الرغم من أن فصول هذا الكتاب قد تم نشرها من قبل في الصحف والمجلات، إلا أن الراحل قد جمعها ووضعها بهذا الترتيب في ملف خاص تمهيداً لنشرها، ولكن القدر لم يمهله لتقديمها في كتابٍ عن أديب كبير تعرَّف علي أعماله في فترة مبكرة من حياته منذ أن كان طالباً في المدارس الثانوية حين قرأ ما كتبه سيد قطب عن « قنديل أم هاشم»، ويومها بحث عن الرواية ولم ينم حتي قرأها لتبدأ رحلة طويلة بينهما قوامها الحب والتقدير وطلب منه في ستينات القرن الماضي أن يكتب مقدمة لكتابه « خطوات في النقد « ترسم هذه المقالات صورة دقيقة لمعني يحيي حقي الأديب صاحب الأسلوب الساحر العميق والبسيط في آنٍ، الذي استطاع أن يؤسس لنفسه لغة مصرية خالصة استلهمها من حياة المصريين، من واقعهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهو عاشق اللغة العربية الفصحي، حيث نشأ ونما وعيه في ظل عائلة تعتبر شعر أحمد شوقي وقصائده المنشورة في الصحف جزءاً من نسيج حياتها اليومية، حيث تحتفي العائلة بكل قصيدة جديدة لأمير الشعراء إلي جانب أزجال بيرم التونسي . وأجمل ما في هذا الكتاب أنه تتبع رحلة يحيي حقي مع الشعر منذ طفولته وتجليات الشعر في أعماله النثرية، فدائماً ما كنت أسأل نفسي وأنا أقرأ أعمال هذا الكاتب الكبير لماذا لم يكتب يحيي حقي الشعر، ويكشف رجاء النقاش في هذا الكتاب عن يحيي حقي شاعر قصيدة النثر حيث كتب في « قنديل أم هاشم « مجموعة من الأناشيد تنتمي إلي قصيدة النثر، وذلك في فترة مبكرة عام 1940، فهو أحد رواد
قصيدة النثر قبل روادها المعروفين، ومن يقرأ هذه النصوص التي تمنَّي يحيي حقي أن يهديها للفتيات الصغيرات بعد أن يزينها برسوم صلاح جاهين يتأكد من روح الشعر التي كانت تحوم حوله طيلة أيام حياته وفي كل أعماله، وقد حملت الأناشيد عنواناً يدل علي شخصية يحيي حقي ولغته «بيني وبينك « ويكفي أن نتأمل أنشودة الثوب» :ما أظنك أحببتِ يوماً أحداً أو شيئاً حبك لهذا الثوب الجديد، هو حب صادر من قلبك، عائد عليه فأنت به قريرة العين سعيدة ناجية من سيطرة الغير»وهذا الكتاب لا يكشف فقط عن الشاعر المستتر داخل يحيي حقي بل وأيضاً عن الشاعر داخل رجاء النقاش ولا أقصد ناقد الشعر الذي قدم للمكتبة العربية «أبو القاسم الشابي شاعر الحب والثورة - محمود درويش شاعر الأرض المحتلة - ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء - شعراء عالميون» ولكن روح الشعر التي تسكن رجاء النقاش، ففي هذا الكتاب فصلاً مدهشاً عن الشعر عنوانه «يسألونك عن الشعر» كتبه رجاء النقاش عن علاقته هو بالشعر وإن كان في نهايته تذكر يحيي حقي، ولكن ما كتبه حول الشعر لايكتبه سوي شاعر كبير، وكأنه يرغب بقوة في التعبير عن الشاعر الذي يسكن في أعماقه .
ربما تأخر هذا الكتاب كثيراً ولكن فصوله بدأت منذ زمن بعيد، وتاريخ نشر هذه المقالات يشير إلي ان المؤلف كانت لديه النية في وضع كتاب عن يحيي حقي فتاريخ نشر المقال الأول يرجع إلي عام 1992، والمقالات التالية له تم نشرها في جريدة الأهرام في الفترة من 30-1 وحتي 27- 2 -2005 والخمس مقالات التالية نشرت في اليوم السعودي في الفترة من 23 -12 - 1992 وحتي 20 يناير 1993، أي أن هناك خطة واضحة لتقديم الكتاب الذي وضع له في البداية عنواناً أقرب إلي روح يحيي حقي وهو «تلميذ السيدة زينب» حيث أوحي إليه هذا الحي بالعديد من أعماله وأهمها قنديل أم هاشم، بالإضافة إلي عناوين أخري مثل «فيض الكريم - خليها علي الله - عطر الأحباب - من باب العشم» واختارت الأسرة عنواناً آخر هو «يحيي حقي الإنسان والفنان والمحنة» وهو أكثر شمولاً وإن كان رجاء النقاش فكر أن يكون العنوان «تلميذ السيدة زينب»، حيث يرسم الكتاب صورة ثلاثية الأبعاد ليحي حقي الإنسان في طفولته ونشأته ثم أعماله الأدبية بالإضافة إلي الجانب السياسي في حياته وخاصة المحنة التي مر بها حين هاجم محمود شاكر الرئيس جمال عبد الناصر في حضور يحيي حقي الشيخ الباقوري فعوقب كلاهما علي الصمت، حيث تم إقالة الباقوري من الوزارة ونقل يحيي حقي إلي دار الكتب في وظيقة لا تناسبه أو تليق به .
سوف يشعر القارئ بالتكرار في بعض المواضع من هذا الكتاب والسبب أن فصوله نشرت في صورة مقالات علي فترات متباعدة كما ذكرت، جزء منها عام 1992 والجزء الثاني عام 2005، والتكرار فقط في بعض المعلومات عن هذا الأديب وأسرته ونشأته وحياته علي مدي ثمانية وثمانين عاماً تقريباً، وهذا التكرار لا يقلل من قيمة الكتاب، وفي النهاية لابد من توجيه الشكر للدكتورة هانية عمر زوجة الراحل رجاء النقاش التي خصت الهيئة العامة لقصور الثقافة بهذا الكتاب وبذلت جهداً كبيراً في سبيل نشره.