رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

حيز للإثم: الإنتاجية الجمالية

للأثر في الخطاب الشعري


د. محمد سمير عبد السلام
7/15/2017 10:41:03 AM

يحتفي خطاب مؤمن سمير الشعري ببلاغة الأثر، وصيرورته، وتمثيلاته الجمالية المتعلقة بالذات المتكلمة، واتحادها المحتمل بالآخر، وبأطياف الحكايات القديمة المتداخلة، وبالنماذج المستعادة في تكوين نصي نسبي، يتصل فيه السياق اللغوي بالسياق الثقافي؛ فأخيلة التعالي الشعري، تمتزج بموروث الطرد، والتمرد؛ فقد يعانق الصوت نهايات التجسد، وبداياته المحتملة عبر تداعيات النسيج السيميائي للقصيدة، وقد يحيل الخطاب إلي تعارضاته الداخلية؛ ليوحي بتنوع تأويلات الذات، وثراء الكينونة، وتكوينها الجمالي، وطبقاتها الفنية التي توحي بتصوف نسبي ممزوج بتعددية تؤكد الاختلاف ما بعد الحداثي في بني الحكايات الدالة علي الكينونة، أو الهوية السردية المحتملة طبقا لمدلولها التفسيري للحضور عند ريكور -  في النص؛ فالخطاب يحتفي بقوي التعدد الداخلية من جهة، وبالتمثيلات الاستعارية التي تحمل أثر المتكلم، وهويته الجمالية المتجددة من جهة أخري.
إن عالم مؤمن سمير الشعري يتشكل من خلال تمازج الكوني، والموروث المحتمل، وبلاغة الأثر الداخلي، وتمثيلاته المجازية الحكائية؛ فالذات معبر لتجدد الشخصيات التراثية، والنماذج القديمة المتداخلة، كما تمارس لذة التحول التصويري؛ لتجدد خطابها التأويلي للهوية الجمالية المحتملة التي لا يمكن أن تنفصل عن الآخر، وتمثيلاته الرمزية الداخلية / الحلمية؛ ويمكننا ملاحظة هذه الملامح الفنية في ديوان الشاعر المبدع مؤمن سمير المعنون بـ »حيز للإثم»‬؛ وقد صدر عن دار بتانة للنشر بالقاهرة سنة 2017.
وبصدد اتساع مدلول الخطاب الشعري من النسبي إلي تعددية الإحالات اللغوية، والثقافية، يري أنتوني إيسهوب في كتاب »‬الشعر كخطاب» أن الخطاب يختص بانتظام الجمل في كل متجانس، كما ينزع نحو المختلف، والمغاير؛ ومثلما تنتظم الجمل في خطاب يصنع نصا منفردا نسبيا؛ فإن النصوص تجتمع في خطاب كبير، كما هو في تصور إليوت حول انتظام العلاقات بين النصوص.
وتشير عتبة العنوان / حيز للإثم إلي أثر التجسد، ومقاومة الخطاب الشعري للتجسد في تحولات الصورة، ولعب الأثر الذي يقع بين لحظة الحضور، والحياة الخفية للطيف، وعلاماته المحتملة؛ وكأن التكوين الشعري يحمل أثر الصوت، ويقاوم تجسده الذي يستدعي المدلول الثقافي للإثم، ويلج حضورا جماليا تجريبيا آخر في فضاء فني متجاوز لمركزية الإطار مثلما تجاوز الحضور بمدلوله الفيزيقي في النص.
هكذا يصل خطاب المتكلم  في كتابة مؤمن سمير  بين العلاقات الداخلية النصية المنتجة للصوت كأثر جمالي يمارس لذة للتحول، والمدلول الثقافي للإثم، والتجسد؛ وما يحمله هذا المدلول من تعارضات بنائية في مستوي تشكل الصوت، وتطوره، ومدي تنازع الدلالات المتنوعة للموت، والحياة، واللذة، والعقاب في صيرورته.
تعددية الخطاب الشعري، ودلالاته الثقافية:
الصوت المتكلم  في ديوان مؤمن سمير  يحمل أثر الآخر، والأصوات المستدعاة من الماضي، وحكاياته، وأساطيره، وثقافاته المتعلقة بالنماذج المتنوعة، والمتعارضة في الذاكرة الجمعية؛ وهي تقع  في نسيج النص، ونسقه العلاماتي  بين الداخل، والخارج؛ فحضور الآخر يبدو داخليا، أو متعلقا بإنتاجية الوعي، وصيرورة الأنا الجمالي.
يعاين المتكلم تعارضات خطاب الأنثي التي تتمثل في صوت الساحرة في نص »‬إشارات صعود الساحرة»؛ إذ تجسد مدلولي التطهر، والطرد في آن، وتومئ - عبر فعل الحكي الكثيف  بتعارضات خطابها الداخلي، وبجماليات التعدد في مستوي الصوت.
يقول:
»‬لست ساحرة، والشيطان لا يلوح من يدي، ولا يندهكم من تحت ملابسي المبلولة؛ لكن عيونهم المجنونة تشوف ما لا يري، والمسكينة أمي صدقتهم ... أنا الساحرة الكافرة الشريرة، حسدت ابنة عمي قديما؛ لأنها تنعس أسرع من ظلها، ولا تحلم إلا بالقبلات، الكوابيس المليئة بالإبر والخرائب، تخطئ فراشها كل ليلة فتفوت علي». ص 14، 15.
صوت الساحرة التمثيلي يتعارض مع أحلام الأنوثة، وأخيلة الأنيما طبقا لتصور باشلار؛ فهي تشير إلي فعل للتطهر ملتبس بالطرد، ويجسد خطابها الداخلي لذة الخروج الذاتي عن نماذج الشر، وتأكيد مدلول اللعنة المستمدة من لغة الحكايات المماثلة للأسطورة؛ وكأن الصوت يسخر من تطهره الذاتي، أو من تمثيله لنماذج الشر في تعارض جمالي ما بعد حداثي

في النص؛ ويحمل الصوت أيضا أثر ليليت في مستوي من مستويات الدلالة؛ فهي مصدر للأرق، والاضطراب، والخروج عن مدلول الخدر الأنثوي، وأخيلته.
وقد يؤسس الخطاب الشعري لتعددية ثقافية تمثيلية تقع بين الذات، والآخر، والأخريات في نص »‬أحضان كأنها الاستنارة»؛ يقول:
»‬تومئ لإحداهن برقة إحساس قصيدة »‬هايكو»، تجوس الهواء، مشرقة، ومنيرة كأمها الأولي، فترقص كل عضلة في خريطة الأخريات ... أنت الآن تتقدم كأنك نغمة، المحارب العظيم، وجيش الساموراي من خلفك يسلون سيوفهم؛ لتدغدغ إقدامك» .
يحيل الخطاب الشعري إلي فاعلية التراث العالمي داخل الذات عبر التمثيلات الاستعارية للنيرفانا، واستنارة بوذا، والاندماج الطبيعي / المجازي في قصائد الهايكو؛ ومن ثم فالشاعر يجمع بين الشخصي في سياق النزعة الفردية في لحظة الكتابة، وتأويل العالم انطلاقا من موقع الذات النسبي من جهة، واللاشخصي في الثقافات الشرقية في اليابان، والهند، وفاعليته العالمية الذاتية / الجزئية في النص، وأخيلته من جهة أخري؛ فالذات تنتج فعلا يشبه خطاب الهايكو الطبيعي التخيلي، وتستعير زمنا آخر لجنود الساموراي القدماء بصورة تمثيلية سردية تفسيرية للهوية، واتساعها الثقافي في المكان، وفضاء النص، وأزمنته المتنوعة معا.
وتقع العلامات الثقافية بين الداخل، والخارج، والتمثيلات الاستعارية / الأسطورية للأنثي في نص »‬كثافة القتل»؛ فالأنثي تلتحم بنغمة التجسد، وميراث الدم في الذاكرة الجمعية، واللاوعي، بينما نلمح آثارها التصويرية وتمثيلاتها داخل الصوت المتكلم في نغمتين متعارضتين بين الطرد، والالتحام المجازي.
يقول:
»‬تلك المرأة تقترفني، وتقطر كذباتي في زجاجاتها، تلمح منسوب القنص لما يزهو في العظام، فتشير، فيحبها، وتصدره في الجارات؛ ليمطر شهقات، وفزعا، وطرائد ... تلك المرأة لابد سأهجرها، وأنفرد ببودلير، وهنري ميللر، والمرآة المشروخة بالشيطان».
تستدعي الأنثي في خطاب المتكلم نزق أرتميس في الأسطورة اليونانية، ووقوعها بين الأنثي، وأخيلة اللاوعي، والتأويلات المحتملة / التصويرية للذات، وإمكانات ارتباط التجسد بالموت، أو التحول في تداعيات الكتابة؛ ومن ثم تنقل الذات حضورها من المستوي الزمني النسبي إلي العوالم الأدبية التصويرية المستدعاة من تجدد أخيلة بودلير، وميللر، وجنسبرج، ودائرية تمثيلات الأنثي التي تتداخل مع فعل الصيد، والرغبة في التمرد، والخروج في أخيلة أرتميس، واتصالها بالنزوع النصي إلي مقاومة مركزية التجسد عبر فعل التحول التصويري الداخلي في الخطاب الشعري.
*تمازج الفنون، والتحول الجمالي للأثر:
التصوير الشعري  في كتابة مؤمن سمير  يجمع بين التشكيل، والتمثيلات الاستعارية للصوت القديم المتجدد، والعابر للتطور الآلي للزمن، والصيرورة الشعرية / السردية للتجسدات الطيفية للمتكلم، والأنثي / الآخر؛ تلك التجسدات التي تفكك مركزية الحضور الفيزيقي، والبنية الثقافية النسبية لمدلول الإثم، وتداعياته في النص؛ فتداعيات الكتابة تعزز من التحول الجمالي للأثر التصويري في تداخل إبداعي بين البني الفنية والأدبية المختلفة التي تشكل مشهدا كونيا تخيليا احتفاليا يقع بين لحظة الحضور، وإغواء الصورة، وتحولاتها في النغمات، وأصوات الآخرين المحتملين، وفي أخيلة الأشياء الصغيرة، والفضاءات المجازية الافتراضية.
يقول في نص »‬حيز للإثم»:
»‬ساعتها لم أكن موجودا يا عزة،
كنت رسمة شالوها في طبل الجد الميت، وابتسموا في العابرين، كنت أغني لنفسي برنين أشده من خيط عنكبوت الحقيبة ولا أعيده، وأنت تصرين علي أن الوقوع خلف دقات اللهاث يليق برعشتي؟!
لا ينفع يا عزة ...
ثبتي المسمار كي لا تغرقي صورة الحائط فيك، ويلاعبنا المصباح .. ولا تنسي أنني الظل المكسور الذي خبأته ساعة الطوفان في الشبح».
 إن الصوت يعيد تمثيل بنيته في تشكيلات، ونغمات تصويرية، وظلال، وأطياف تقع في صيرورة سردية جمالية للأثر الفني الملتبس بتاريخ الصوت، وهويته؛ وكأن الذات تمارس لعبا جماليا يقاوم مركزية لحظة الحضور، وما يتعلق بها من تجسد يستدعي الإثم، أو العقاب؛ إنها تستشرف تجسدات مجازية افتراضية في فضاء سيميائي يقاوم الزمكانية، ويؤسس لانفلات الصوت، وتداخلاته المحتملة مع الآخر، والأثر الجمالي، وتحولاته التجريبية في النص.
وتتسع صورة الانثي بين الجزئي، والكوني؛ فتصير أثرا جماليا يقع بين الوعي، والعوالم الشعرية المتداخلة / التفاعلية في نص »‬مديح الضآلة»؛ يقول:
»‬حبيبتي جنية في شمها للبطل الواقعي، وتملأ البيت برائحة كلمات لم تحطها إلا ملفوفة في عدوي ...
عندنا أسفل العمارة كلب قديم، يزوم كلما تذكرتها، وسقف الجيران أسر لي بضيقه من كثافتها».
تتجلي الأنثي  في الوعي المبدع، وأخيلته  كفضاء شعري تشبيهي، يوحي بأحلام التناغم الأولي، أو استشراف توافقية جمالية أو هارموني بين الذات، والعالم، أو العوالم المختلفة المتداخلة؛ مثل عالم النماذج الأسطورية في علامة الجنية، والعالم الداخلي الذي يقوم بتخييل الاتساع الفائق للأنثي، وتمثيلات الأشياء الصغيرة؛ مثل السقف، والعوالم الواقعية، والكونية مثل العمارة، وأخيلة الأرض، والطيران في فضاء حلمي آخر قيد التشكل.
إن تعددية العوالم تعيد تأويل صورة الأنثي عبر تناقض إبداعي بين الضخامة، والشفافية، وتنوع صورها الفنية بين الحكايات، وأخيلة اليقظة، والتشكل المكاني خارج الإطار، أو حضورها كنغمة توافقية تشبيهية تحاكي الموسيقي داخل المتكلم، أو تجليها كأثر في السقف، وحضوره الشعري الآخر في الفضاء الافتراضي؛ ومن ثم فالتمازج ما بعد الحداثي للعوالم الجزئية عند مؤمن سمير، يؤسس لتداخل الفنون، والأصوات، وأخيلة الأثر الجمالي، وصيرورته الشعرية.
الاستبدال، والتجريب في بنية الصوت الشعري:
يتداخل ضمير المتكلم  في ديوان مؤمن سمير  بفضاءات تصويرية سوريالية، أو بعلامات متحولة في اتجاه اللعب، والتجريب، والتشيؤ؛ ومن ثم يؤسس الخطاب الشعري لاستبدال تصويري تخيلي للذات المتكلمة؛ فتصير علامة حلمية، أو تبدو كفضاء افتراضي، أو كوني، أو أسطوري، يتجاوز هوية الصوت، وحدوده الأولي، ويصبح التجسد علاماتيا أو نصيا بدرجة كبيرة؛ يقول في نص »‬صيد الساحرات»:
»‬ردهاتنا الآن ملأي بالساحرات، يقعدن علي مقشات أطول من عدونا، ويطرن قرب قرون المحبة، المدهوكة تحتنا ...
... ماذا سنختار؟!
عظامنا تصير نايات،
من أول جزيرتنا العجوز...،
وهن يغنين
 المطر».
إن المتكلم يلج فضاء لغويا تجريبيا حلميا داخليا، يرتكز علي الوسيط العلاماتي للساحرات، ويمارس الصوت حضورا ذاتيا / نصيا، يختلط بأخيلة الساحرة في تاريخ الفن، ويجمع بين الدلالات المفاهيمية للمحبة، وتجسدها التصويري / الشيئي من جهة، واستبدال كينونة المتكلم بأخيلة النايات، أوالغناء بمدلوله الفني التجريبي الواسع من جهة أخري؛ وكأن المدرك يمتزج بأحلام القصيدة.