رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية:الحكاية الأخيرة


د. محمد الشحات
7/22/2017 5:35:09 PM

يبدو عنوان رواية الكاتب المغربي عبد الحفيظ مديونى "الحكاية الأخيرة" ساكنًا فى المنطقة الآمنة من العناوين الروائية، فلا هو باللافت للنظر كثيرا، ولا هو بالعنوان البارد، كما أن هذه الرواية تبئِّر على فكرة السرد ذاتها، وبأنها ليست إلا مجردحكاية. "الحكاية الأخيرة"عمل مزدوج، تخييلى وواقعي، وذلك فى الحدود التى تسمح فيها الرواية بالحديث عن فارق بين التخييلى والواقعي، ما داما معًا ينتميان إلى واقع مختلف عن الواقع المادي. إنه الواقع الافتراضي؛ أى واقع الكتابة ذاتها،حيث كل ما نعدّه واقعا هو نفسه مجرد تخييل، أو مجرد قصة قابلة للحكى والتداول عبر الألسنة والشفاه وبياض الصفحات.
تتكون الرواية من 9 فصول سردية متتالية، دون عناوين، تشكّل كلها رحلة الراوى مع رفيقه "راوية" فى أثناء كتابة روايته الأولى. إنها رواية داخل الرواية، لكنّ مستويات التخييل الخصب هى ما مكّن الكاتب من رسم الأحداث والشخوص. والتأريخ الواقعى لراوية "اسم الرجل الغريب"، هو ما شكَّل المحطات الأساس فى بناء الرواية. تتحرك الرواية بين قطبين رئيسين: شخص وهمى (يُدعَى "راوية") يروى الحقيقة، وكاتب فعلى يتخيل أحداثها ووقائعها. يلتقيان صباح كل يوم على أحد المقاهي؛ ليكتبا جزءًا من أحداث ملحمتهما السردية عن مدينتهما الأثيرة "عفراء". والحكاية الأخيرة هى قصة نشأة واندثار وطن/حلم، أو وطن/وهم، أو وطن/شجن، أو وطن/منفى، أو وطن/رغبة، أو وطن/كتابة، أطلق عليه المؤلف الذى أنشأه أول مرة -وهو "الوالى فيصل"- اسم "عفراء الوطن"، وسمّاه الكاتب الذى استعاده من بين أنقاض التاريخ "الرواية الحلم". عالم بينيّ، أنشأه الأول على أديم أبيض لأرض جديدة، وكتبه الثانى على صفحات بيضاء من أوراق كتاب."الحكاية الأخيرة" هى حكاية وطن مأمول ومشتهى، هو وطن الشعراء والفنّانين، وطن العادلين والخيّرين من بين الناس، وطن المحبّين والعشاق، وطن الفضلاء والشرفاء.
بالفعل هذه هى الرواية الأولى للكاتب، لكنه كاتب وفنان تشكيلي،كان قد نشر قبلها عدة مسرحيات؛ منها "الورشة" و"رحلة ساد وباد". وعلى الرغم من جودة فكرة هذه الرواية، فقد جاء بناؤها فى خط درامى واحد، لا تنويع فيه، حيث كان يلتقى الراوى صباح كل يوم برفيق المقهى "راوية" كأنه يلتقى بالجان أو الرئيّ الذى يبثّ فيه من وحى الكتابة، ويُلقى فى روعه مسائل وحلولا لكل ما يمكن أن يعترض سبيله فى الكتابة، ويسهّل له مهمة إنجازها.
سعت الرواية إلى تمثيل عالم سردى به مسحة غرائبية، ذات نزوع إلى واقع عربى قديم وزمن مرجعى قديم أيضا، حيث المدن ذات القلاع والحصون والسجون، والسلاطين ذوو الصولجان والحرس والجند المدجّج بأدوات البطش، عالم به مسحة تأثّر بأجواء حكايات "ألف ليلة وليلة" وسحرية مرويّاتها.تذكّرنا "الحكاية الأخيرة" بالحلم الإنسانى الكبير الذى لم يستطيع كل تاريخ القمع والطغيان البشرى أن يوقفه أو يمحوه، ألا وهو الحلم بأرض الحرية والعدل. فكل جيل يكتشف "عفراءه"، وكل عابرٍ لا بد أن يلتقى بعابرةٍ، ولا بد أن نغادر الحكاية بحسرة فى النفس وغصة فى القلب؛ لأننا نود أن لا تكون الحكاية الأخيرة وإنما الحكاية الأولى من الحكايات السبع التى سمعها أهل عفراء من فم الشاهد، ونود أن تنهض عابرة من موتها وتنهض عفراء من تحت الأنقاض والتراب، لنعيش أحلامنا المشتركة فى وطن الحلم؛ وتكون عفراء بذلك كطائر الفينيق المتجدّد الذى لا يفنَى أبدا.الحكاية الأخيرة إذن ليست مجرد رواية لتزجية الوقت أوالترويح عن النفس، وإنما هى عمل إبداعى يدعو قارئه إلى التأمل العميق فى الحياة والموت، والبقاء والزوال، والثبات والتغيّر، والإقامة والترحال، والذاكرة والتاريخ.
لقد حقق المؤلف فى روايته قدرا معقولا من التجويد، وحسن صناعة الحبكة، لولا ما شابها من ضعف فى بعض المناطق التى كانت تهدف إلى تراكم الحكايات الثانوية وخلق بعض الدهشة والإثارة، لكن المؤلف قد استطاع، من جهة أخرى، تطوير الأحداث بطريقة جيدة فيها قدر من التشويق والإثارة والرسم الجيد للشخصيات.أما بخصوص الصور السردية المتواترة، فقد جاء فى مركزها صورة المدينة/ المركز/ عفراء، مدينة التناقض بين الخير والشر، الانتصار والهزيمة، الحياة والموت، كما أنها المدينة التى يبحث عنها الطامحون إلى العدل، الباحثون عن قيم الحق والخير والجمال.

تعليقات القرّاء