رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

بنت في حقيبة:سيرة الأحلام الضائعة


فاطمة العبيدي
7/29/2017 12:16:52 PM

صدرت حديثاً عن دار العين نصوص بعنوان "بنت في حقيبة" للكاتبة والفنانة التشكيلية هبة حلمي،وهي نصوص تمتلك من الشفافية والصدق نافذة تطل علي مخزون من الألم والكبت في محاولة من أجل حياة تواجه الموت والإحباط.
نصوص هبة حلمي أشبه بسيرة ذاتية مختلطة بأدب الاعتراف الذي لا نجده كثيراً في الكتابات الجديدة، إنها نصوص تجمع ما بين العام والخاص في محاولة لكشف واستنباط الواقع المعاش سواء علي مستوي الساردة / الراوية، أو علي مستوي المروي عنه / المجتمع.
 إن تلك النصوص التي تمتاز بسرد عفوي مميز قد وضعتنا في حيرة أمام نصوصها، هل هي مجموعة من القصص القصيرة أو المواقف التي مرت بها؟ هل هي رواية متقطعة الأحداث؟ هل هي حياتها أم حياتنا؟ لكنها أجابت عن السؤال ببساطة، إنها كل ذلك. فهذه النصوص هي قصة كبيرة طويلة بأحداث متقطعة عبر شخوص مختلفة وعبر ذات الساردة نفسها، وربما كانت عبرنا نحن أيضاً، فما إن يبدأ القارئ بقراءة هذه النصوص حتي ينتابه الشعور بأنها كانت تكتب عن ذاته هو بنفس درجة كتابتها عن شخصها، فالعين الراصدة الواعية لدي هبة حلمي جعلت من تلك النصوص تجارب تبدو وكأنها شخصية تندرج تحت السيرة الذاتية ولكنها في الحقيقة هي تجارب حياتية مختلفة قد تكون تجاربي أو تجاربك أو تجارب الآخرين، وهذه المصداقية زرعت في النصوص قدراً من الحميمية بين القارئ وبين هذه النصوص الفريدة.
لم تتوقف نصوص هبة حلمي عند حيز الشخوص فقط ولكنها تجاوزت ذلك لحيّز المكان فمن مكة إلي جدة إلي الإسكندرية، كانت رحلة حياة تبحث عن وطن داخلي فشلت في تلمسه في خريطة العالم، إنها نوستالجيا المكان والزمان، وربما الحنين إلي ألم رحل والبحث عن أحلام لم ولن تحدث أبداً، إنها متعة تقشير الجروح الغائرة في محاولة للتصالح مع الذات التي تشعر بضياع بسبب قسوة ما يحيط بها من أوضاع، " كنتُ أبحث عن اللون الأسود، فتحت خزانة الألوان، وجدت أنابيب ألوان تكفي لعام أو عامين قادمين، كلها اشتريتها أيام الدراسة البعيدة. كنت أعد نفسي للمجاعة علي ما يبدو، أخزن ألواناً لمرحلة الحرب والانفصال عن أمي، أي إحساس بعدم الأمان هذا ؟ متي وكيف أصبحت وحيدة إلي هذا الحد ؟ " ص171.
إن كتابة هبة حلمي هي كتابة السرد المعبر عن ألمٍ ما خفيّ داخل كل منا، إنها كتابة السيرة الذاتية في إطار يهدف للوصول إلي سلام داخلي خاص لم تحصل عليه من خلال المجتمع المحيط بها وهذا ما ولّد في تلك النصوص البالغ عددها ثلاثة وستون  نصاً حيوات متعددة عبر ثيمات منها الحب والخيانة والصدق والقهر والكبت والوحدة وغيرها من الثيمات التي تلمس السياسة حيناً وتبعد أحياناً كثيرة أخري، إنها آلام تصيبنا جميعاً، وهذا ما جعل منها نصوصاً كثيفة في الأغلب ومعبرة عن تصنيفات شتّي لشخوص متعددة.
وختاماً فإن تلك النصوص التي تتماس مع ثورة يناير كثيراً في نهاية الكتاب لهي أشبه بحال الثورة ذاتها بكل ما فيها من فرحة وإخفاقات أصابتنا جميعاً ذات الفرحة والإحباط، "عندما يستحيل أن تجد لنفسك مكاناً، تهرب إلي الهامش، وتنسج لنفسك شرنقة يدخلها قليلون ممن ترتاح لهم، تلفظ منهم ما يزيد عن الحاجة وتُدخل من تتخيل أنه إضافة، تأتي الثورة التي طالما انتظرتها، تعلمك أن أحلامك لم تكن إلا إمكانيات حقيقية، تشاهد بعينيك ما قرأت عنه في الكتب، تمارس وجودك لأول مرة خارج الشرنقة، تنهزم الثورة أمام عينيك أيضاً، وترجع من حيث أتيت، كائناً علي الهامش تحتمي داخل شرنقة" ص243، إن تلك التجربة التي قدمتها هبة حلمي مستعينة بعملها كفنانة تشكيلية في المقام الأول ومصممة جرافيك، تقدم لنا كاتبة نتوقع منها الكثير في عالم السرد.

تعليقات القرّاء