رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية:تأصيل النظرية


د. محمد الشحات
7/29/2017 12:17:46 PM

تشتغل دراسة الباحثة العراقية هدي صلاح رشيد "تأصيل النظريات اللسانية الحديثة في التراث اللغوي عند العرب"علي كيفية تأصيل النظريات اللسانية الغربية الحديثة في التراث اللغوي عند العرب. وهو توجّه -أو اتّجاه- قد نختلف معه جملة أو تفصيلا، لما ينطوي عليه من مزالق عدّة، تُوقع بعض الباحثين في غواية عمياء بالتراث العربي، أو تدفعهم إلي تضخيم منجزه المعرفي، إلي الدرجة التي قد يبادرون معها إلي تلبيس عباءته لكل منجز فكري وإنساني حديث، غربيًا كان أو شرقيًا. لكننا لا نستطيع نفي مثل هذا التوجّه الذي يسيطر علي عدد غير قليل من الباحثين العرب المعاصرين المشتغلين باللسانيات الحديثة.وفي هذا السياق، تقول الباحثة هدي رشيد:"وحتي لا تبقي اللسانيات علمًا أجنبيًا لا يتعدي دورنا فيه حدود الترجمة والنقل وترديد ما جاء علي لسان هؤلاء من أفكار ونظريات تبدو لأول وهلة -للقارئ المبتدئ- وكأنها علم غربي عن لغتنا وبيئتنا؛ من أجل ذلك صار لزامًا علينا أن نبحث عن أصول هذا العلم في الدرس اللغوي العربي، ولا سيما أن هناك خيوطًا قد ظهرت في الدرس اللغوي العربي يمكن أن تُتَابع ويُبنَي علي أساسها نظرة جديدة لما وصل إلينا من نظريات لسانية غربية نعيد من خلالها قراءتنا للتراث" (ص12- 13).
من هنا، تحاول الدراسة الحالية استعراض أهم ما أنجزه الفكر اللساني الغربي من نظريات كان لها صدي مؤثر في العالم أجمع، ومن ثم محاولة النظر إلي هذا المنجز نظرة تأويلية تبيّن الأصول العربية القديمة لهذه الأفكار والنظريات. ولذا، نجد الباحثة مندفعة منذ البداية نحو تأكيد فرضية مسبقة تسعي إلي إثباتها، تتمثّل في القول إن حداثة اللسانيات، بنظرياتها ومناهجها وتوجهاتها، هي حداثة الرؤية والإطار النظري الذي عرضت به تلك النظريات، فوصلت إلينا -نحن العرب- حاملةً هوية أوروبية أو أمريكية، وأما ما تحمله هذه النظريات من أفكار وآراء فإن أغلبه لم يكن غائبًا عن فكر القدماء.في هذا السياق، يمكن موضعة هذه الدراسة التي تنتمي إلي حقل اللسانيات العربية الحديثةأو اللسانيات المقارنة التي تسعي إلي مقاربة اللسانيات العربية في علاقتها باللسانيات الغربية، وهي بذلك تضع نفسها إلي جوار عدد كبير من القراءات والدراسات (الإسقاطية) التي سلكت هذا المسلك، فجعلت من عبد القاهر الجرجاني، مثلا، شبيهًا بتشومسكي أو فردينان دي سوسير،.. أو غيرهما.
في تمهيد الكتاب، قدّمت الباحثة مدخلا تعريفيًا بالدراسات اللسانية، عرضت فيه ثلاث مسائل؛ هي جذور الدرس اللساني عند العرب والغرب، ومنهج الدارسين في العودة إلي أصول التراث، ومسرد بالدراسات السابقة. وفي الفصل الأول "النظرية التاريخية المقارنة"، تناولت فيه البيئة التي حفّزت لظهور النظرية التاريخية المقارنة، الفصائل اللغوية وفكرة اللغة الأم، وفكرة التطور اللغوي، وفكرة الاقتراض اللغوي. وفي الفصل الثاني "النظرية البنيوية"، تناولت الباحثة الانقلاب الفكري اللساني الذي أحدثته البنيوية الحديثة، من خلال خمسة مباحث؛ هي: مفهوم البنيوية وفكرة البناء، فكرة الوصف، مسألة الشكل في البنيوية، ثنائية اللغة والكلام، فكرة القياس. وفي الفصل الثالث"النظرية الوظيفية"، تناولت فيه دراسة المعني الوظيفي للشكل اللغوي، من خلال ثلاثة مباحث؛ هي:المنظور الوظيفي للغة، البحث الفونولوجي عند الوظيفيين، النحو عند الوظيفيين. وفي الفصل الرابع"النظرية السلوكية التوزيعية"، تناولت فيه التحليل الشكلي بين المنهجين السلوكي والتوزيعي. وفي الفصل الخامس"النظرية السياقية"، تناولت فيه النظرة الاجتماعية للغة، بحيث توزع هذا الفصل علي خمسة مباحث؛ هي:سياق الموقف، محورا العلاقة الأفقية (التركيبية) والعمودية (الاستبدالية)، نظرية الرصف، نظرية النحو النظامي، التماسك النصي.أما الفصل السادس"النظرية التوليدية التحويلية"، فتناولت فيه الانقلاب اللغوي في الفكر اللساني الأمريكي، وقد توزّع علي أربعة مباحث أيضا.
لقد كان سؤال البحث، أو النبش، في عيون التراث العربي عن أصداء الجهود اللسانية الغربية الحديثة هو الشغل الشاغل لهذا الكتاب الذي هو، في الغالب الأعم، رسالة جامعية، تمّ التدشين لها جيدا بعدد كبير جدا من الدراسات والنصوص والأفكار، لكنّ أحادية الرؤية، وتبنّي وجهة نظر مسبقة، وربما فوقية، كلها أمور حجّمت كثيرا من من طموح الباحثة، ونالت بعض الشيء من قيمة هذا العمل المعرفي المهمّ، سواء بالنسبة إلي القارئ العام أوالباحث المتخصّص.