رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية:

الكتابة والأجناس


د. محمد الشحات
8/12/2017 9:50:32 AM

تتناول دراسة الباحثة المغربية حورية الخمليشي االكتابة والأجناس: شعرية الانفتاح في الشعر العربي الحديث بموضوع الكتابة والأجناس في أفق استكشافي جديد، وذلك من خلال تحليل عدد من الظواهر الشعرية تحليلا تطبيقيا يقوم علي عدد من التجارب الشعرية العربية الكبري مثل تجربة أدونيس ومحمود درويش ومحمد بنّيس وقاسم حداد. وتهدف الكاتبة من وراء هذا الموضوع إلي تتبّع الشعرية العربية المعاصرة عبر تتبّع إنتاج الشعراء الأربعة المذكورين آنفًا علي مدار ثلاثة عقود متتالية، وتحديدًا منذ صدور كتاب االبياناتب حتي زمن الكتابة.ترجع أهمية هذه الدراسة، في رأيي، إليكونها تمثّل إضافةً مهمّةً إلي المكتبة العربية فيما يتصل بـالدراسات النقدية الحديثة التي اشتغلت علي مدوّنة الشعر العربي الحديث والمعاصر، من منظور منفتح علي جماليات الكتابة والفن بشكل عام، وانطلاقا من مشاكسة نقدية جادة وممتعة للمقولة التي روّج لها الكثيرون بأننا نعيش في ازمن الروايةب. فضلا عن ذلك، فقد رأت الباحثةفي مدوّنة هؤلاء الشعراء الأربعة قدرةً علي طرح مفهوم مغاير للكتابة الشعرية، وهو مفهوم يضع الشعر الحديث والمعاصر موضعًا بينيًا يصل الشعر بالدراما والفن التشكيلي والسرد، وغير ذلك من أجناس أدبية أو فنية. (وأظن الكاتبة قد تأثرت في هذه الفرضية ببعض أفكار االنقد الثقافيب). ولعلّ الجزء الأكبر من قيمة هذا الكتاب ترجع إلي خصوصية المنظور النقدي الذي تري المؤلفة من خلاله إنتاجَ هؤلاء الشعراء الأربعة بمثابة متن شعري واحد، من حيث هو إنتاج جمالي وثقافي ومعرفي لا يقلّ عن متون الشعر العالمي الكبري، جنبا إلي جنب إدراكها مرونة المدوّنة الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة التي امتاحت من ثقافة الصورة وانفتاح الشاعر العربي علي شعراء العالم في بقاع مختلفة.
في مقدمة الكتاب الصادر عن دار التنوير، تناولت الباحثة مفهوم االشعرية العربية في علاقته بالحداثة»‬، وذلك من خلال محاولة ربط التجربة الشعرية العربية المعاصرة بثقافة الصورة وتغيّر مفهوم الشعرية الذي اقترب كثيرا من جماليات الكتابة السردية والدرامية وممارسات الفن التشكيلي والرؤية البصرية. أما القسم الأول (القصيدة العربية بين الأغراض والأجناس) فينقسم إلي أربعة فصول؛ أولها االأغراض الشعرية عند القدماءب يتناول كلا من ابن سلام الجمحي وابن رشيق القيرواني وحازم القرطاجني، وثانيها االأجناس الشعرية والتحديث الشعريب يتناول كلا من الإسهام الأرسطي في نظرية الشعرية ودور الترجمة وتحولات مفهوم الكتابة الشعرية. وثالثها االرومانسية والأجناس الشعريةب يتناول الوحدة العضوية ومجلة اأبولوب ومجلة اشعرب في مقارنة بينهما أسست لانطلاق قصيدة النثر العربية بعد ذلك. ورابعها االبيانات الشعرية والتأسيس لمشروعية الكتابةب الذي يتعرض للبيانات الشعرية من خلال بعض مقولات أدونيس ومحمد بنيس وقاسم حداد وأمين صالح.
أما القسم الثاني (أجناس القصيدة العربية الحديثة) فينقسم إلي ثلاثة فصول؛ أولها االأجناس الشعرية والتحديث الشعري»، يتناول أحمد شوقي وأبا القاسم الشابي والسياب وباكثير. وثانيها االترجمة وبنية الانفتاحب يتناول سليمان البستاني في ترجمته االإلياذةب وبنيس في ترجمته كلًا من سان جون بيرس وملارميه. وثالثها امن الشعرية إلي القراءةب يتناول تلقّي الشعر عند القدماء وأزمة قراءة الشعر الحديث وظاهرة شعر الموسيقي والجسد الشعري.
أما القسم الثالث (الشعر الحديث والتحديث الثقافي)، فينقسم إلي ثلاثة فصول أيضًا؛ أولها اتجربة الكاتب الفنية وإشكالية التجنيس»، ويتناول نصّ »الكتاب: أمس، المكان، الآنب لأدونيس، وكتاب االحبب لبنيس وضياء العزاوي، وكتاب االجواشنب لقاسم حداد وأمين صالح، وكتاب اطرفة بن الوردةب لقاسم حداد. وثانيها ابين الألوان الشعرية والألوان الفنية»، يتناول جماليات التصوير العربي والعلاقة بين الشعري والفني من خلال نماذج شعرية لكل من أدونيس ومحمود درويش. وثالثها االشعر وثقافة الصورة»، يتناول مفهوم الشعر في زمنه الرقمي ودور الفنان ضياء العزاوي في ترسيخ الثقافة الشعرية البصرية.
تتمثّل خصوصية هذا الكتاب فيعدم السقوط في فخّ الفوضي المنهجية، وإن كان اعتماده المنهجي قائمًا بالأساس علي تمثّلجهود محمد مفتاح خصوصًا في كتابه ذي الأجزاء الثلاثة (مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة، الموسيقي، الحركة). غير أن اعتماد الكاتبة علي كتاب محمد مفتاح جاء بناء علي قناعة منها بأهمية الطرح الذي طرحه الباحث المغربي الكبير، وتضامنها معه في ضرورة إعادة الوهج والألَق للنص الشعري معرفيا وفنيا وجماليا، وذلك اعتمادا علي المصطلح الذي صكّه مفتاح عن االتفانّ» (بمعني تلاقح الفنون وتمازجها).