رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

قصيدة الرفض: أمل دنقل

من زمنه إلي زماننا


د.خيري دومة
8/12/2017 9:52:49 AM

1
وحين يكتب ناقد كبير كجابر عصفور، عن شاعر كبير كأمل دنقل، لابد أن ينتظر القارئ عملاً خاصًّا يتجاوز حدود القراءة النصية الشارحة إلي ما هو أوسع وأعمق.وهذه قراءة في قراءة جابر عصفور لأمل دنقل،أو إعادة نظر، تأخذ شكل احتفاء بالشاعر وبالناقد، وربما بجيلهما كله.
ينتمي جابر عصفور (مولود 1944) وأمل دنقل (مولود 1940) إلي جيل بارز في تاريخ الكتابة والثقافة العربية المعاصرة (جيل الستينيات)، فقد جمعتهما - في صباهما وشبابهما علي الأقل  همومٌ وطنية واجتماعية وتاريخية واحدة (ثورة 52، التأميم والعدوان الثلاثي، هزيمة 67، قمع النظام الناصري وألعابه...)، هذا فضلا عما كان بين الشاعر والناقد من صداقة فعلية لسنوات طويلة من نمو الموهبة الشعرية والنقدية في مواجهة السلطة بكل معانيها، صداقة أتاحت للناقد أن يعيش مع الشاعر تجربة إبداع كثير من القصائد، وأن يعاين السياقات التفصيلية التي أحاطت بها.
يبدأ الكتاب بإهداء، ومقتطف شعري، ومفتتح قصير.
يقول الإهداء: (إلي أمل دنقل، وفاء لصداقة نادرة).
أما المقتطف الشعري الذي يتصدر الكتاب، فيقتطعه جابر عصفور من قصيدة » قالت امرأة في المدينة»‬، المنشورة ضمن ديوان أمل الأخير »‬أوراق الغرفة رقم 8»، وهي ككثير من قصائد أمل، تنطوي علي أكثر من صوت، في هذه القصيدة صوتان علي الأقل: صوت الشاعر، وصوت امرأة في المدينة، فضلا عن الصوت الذي تنطق به صورة الجد في بدء القصيدة وختامها، ومعني القصيدة يستخلصه القارئ من هذا كله. يقول صوت الشاعر الذي يتبناه الناقد:
نحن جيل الألم
لم نر القدس إلا تصاوير
لم نتكلم سوي لغة العرب الفاتحين
لم نتسلم سوي راية العرب النازحين
ولم نتعلم سوي أن هذا الرصاص
مفاتيح باب فلسطين
فاشهد لنا يا قلم
أننا لم ننم
أننا لم نقف بين (لا) و (نعم)
وهذا المقتطف الافتتاحي غير منسوب في الكتاب إلي أمل دنقل، وكأن الناقد يتقمص صوت الشاعر الناطق باسم جيله،وبضمير الجمع (نحن)، الذي يضمالصوتين معًا: الناقد والشاعر، فضلاً عن جيلهما كله.
في المفتتح القصير (6 صفحات) يتأكد ما جاء في الإهداء والمقتطف الشعري؛ حين يقول جابر عصفور صراحةً: »‬مؤكد أنني منحاز إلي المبادئ والقيم التي يجسدها شعر أمل، فأنا من أبناء جيله ومن المؤمنين بما آمن به، وهذا ما جعلني صديقًا له، والصداقة كالحب المقترن بها، معاهدة بين ندين في شرف القلب لا تنتقص. ولذلك كنت  ولا أزال- أشعر بواجب الكتابة عنه، وفاء للصداقة الحميمة التي ربطت بيننا، وإخلاصًا للمبادئ والقيم التي جمعتنا، وتقديرًا لموهبة شعرية نادرة افتقدناها بيننا، خصوصًا في هذه الأيام التي تزداد فيها حاجتنا إلي الحب والعدل والعقل». هذا الكتاب كما يقول مفتتحه أيضًا »‬ليس دراسة أكاديمية بالمعني الحرفي، وإنما هو قراءة لشعر صديق حميم، وفاء لوعد واحتفاء بشاعر كبير...»  لكنه أيضًا »‬قراءة ناقد، لا يستعين علي القراءة النصية إلا بخبرته الطويلة في النقد الأدبي، ومعرفته بشعر الشاعر نفسه». إنها قراءة تستند إلي خبرة بالمقالات الأكاديمية ومصطلحاتها، لكنها أيضًا قراءة ذاتية تستند إلي ممارسة واسعة للمقالات الموجهة إلي جمهور أوسع وأبسط.
هذه العلاقة بين الشاعر(أمل دنقل) والناقد (جابر عصفور)، الصديقين المتجايلين المتحابين المختلفين، هي التي أبني عليها قراءتي للكتاب ومعناه. مات أمل دنقل في مايو عام 1983شاعرًا كبيرا حفر اسمه في ذاكرة القراء، بما أبدعه من قصائد كثيرًا ما سماها نقاده»قصيدة رفض» بالمعني الواسع لهذه الكلمة، أي الرفض في كل مستوياته: الاجتماعية والاقتصادية والفنية والميتافيزيقية، وبالطبع السياسية.  حين مات أمل دنقل كان صديقه جابر عصفور ناقدًا شابًّا مرموقًا واعدًا.  وقد مضي الآن علي وفاة أمل حوالي 35 عامًا، كتب فيها عصفور وترجم الكثير من الكتب، واستعرض الكثير من النظريات الأدبية، وشرّق وغرّب مبتعدًا بمسافات متفاوتة عن أمل وزمنه ومعناه، وقد طبق ما علمه من نظريات،وما اكتسبه وخبره من مهارات نقدية، علي عدد هائل من الروايات والقصائد والممارسات الثقافية. لكن مع كل هذه الخبرات الواسعة البعيدة عن تجربة أمل، ظلت الكتابة عن أمل ومنجزه الشعري حلمًا يراوده وسط مشاغله الكثيرة، وكثيرا ما تردد صدي من مقطع د الفي قصيدة لأمل عن أبي نواس، وكثيرًا ما ضمن عصفور هذا المقطع في مقالاته كلما استشعر الزمن وخطوته القاسية، مقتبسًا صوت الشاعر في قناع أبي نواس:
دارتِ الأرضُ دورتَها..
حَمَلَتْنا الشَّواديفُ من هدأةِ النهرِ
ألقتْ بنا في جداولِ أرضِ الغرابه
نتفرَّقُ بينَ حقولِ الأسي.. وحقولِ الصبابة
طوال هذه السنوات، كان حلم الكتابة عن الصديق أمل دنقل،يتجسد في صورة مقالات متنوعة ألحت علي جابر عصفور فكتبها ونشرها هنا أو هناك، لكنها لم تكن لتروي ظمأه أو تكشف عما يستشعره حقيقةً ويعرفه يقينًا. وقد ظل طموحه المؤرق أن يكتب دراسة عميقة محيطة، تليق بصديقه الشاعر ومنجزه في الشعر العربي المعاصر، وربما لهذا السبب تأخر الكتاب سنوات طوالا بعد رحيل أمل دنقل.
ومع أن هذا الكتاب كما يقول المفتتح، قد »‬ تضخم عبر سنوات إعداده، فصار كتابين»، وسيصدر الجزء الثاني قريبًا،وبرغم تنوع المقاربات والزوايا والموضوعات والأدوات التي اصطنعها الناقدللاقتراب من سر هذا الشاعر وسحره،فقد ظل موقنًا حتي الآن بأن »‬أجمل ما كان يود أن يكتبه عن أمل لم يكتبه بعد..».
2
أمل دنقل، كما يشير جابر عصفور في مفتتحه، شاعر كبير »يعبر زمنه إلي زماننا، بل إلي كل زمن يحتاج إلي الحب والعدل والحرية والعقل..»‬ وحين ينقل عصفور شاعره وصديقه وابن جيله أمل دنقل إلي زماننا، تتسع المسافة بين الصديقين المتجايلين، وتبدأ مشكلات هذا الكتاب.
كنت أتمني أن يتلقي القراء هذا الكتاب بعيدًا عن السياسة، غير أن عنوان الكتاب: قصيدة الرفض، ومفتتح هذا الطابع الذاتي المشكل، وكثيرً من تفاصيله بعد ذلك، تجعل من المستحيل قراءة الكتاب بعيدًا عن السياسة المصرية والعربية السابقة والحالية، ومواقفها وانحيازاتها، وبعيدًا عن موقع صاحب الكتاب من هذه السياسة.
الحقيقة أن الكتاب لا يترك لقارئه اختيارًا، وإنما يدفعه من أول سطر إلي الربط المباشر بين زمن الشاعر ومواقفه ولحظة محددة من زماننا يختارها الناقد؛ إذ يبدأ المفتتح بالسياق الذي يجري فيه تذكُّر أمل دنقل: »سألني صديق عن إحساسي بأمل دنقل في مناخ الثلاثين من يونيه 2013، ولم أتردد كثيرًا في الإجابة بأنني ظللت أري قصيدة أمل دنقل »الكعكة الحجرية»‬ ماثلة حية في الملايين التي ضمها ميدان التحرير، بعد أن تحول رفضنا لحكم الإخوان الذي كان لابد من رحيله، إلي ثورة الشعب كله..»‬. هكذا يتنزل أمل دنقل من البداية في مناخ 30 يونيو، وليس مناخ 25 يناير التي سبقتها، والتي لا يتردد المفتتح في تسميتها »انتفاضة»‬: »ولكن الآن وقد تغير الزمان، وقامت انتفاضة 25 يناير، التي صححت مسارها في الثلاثين من يونيه، فقد حان الوقت لإعادة الاعتبار إلي شعر أمل»‬!!وكأن أمل لم يظهر في ذاكرة 25 يناير، وكان ينتظر 30 يونيه حتي يظهر! ولن يخفف من وقع هذه الصدمة أن يتحدث المفتتح بعد سطور قليلة عن »دولة مدنية فى الثلاثين من يونيه التى لا نزال نحلم بأن تحقق كل آمالنا فيها وبها«.
أعتقد أننا نظلم أمل دنقل بوضعه من بداية الكتاب فى هذا السياق التاريخى الملتبس الذى نعيشه حتى الآن، خصوصًا إذا كنا نتحدث عن «قصيدة الرفض» التى يعرف قراء أمل دنقل   واولهم جابر عصفور أن تيميتهما تتركز فى أنها كانت دوماً،مع القلة أو الندرة الشيطانية التى قالت »لا« فى وجه من قالوا »نعم«، وما أكثرهم فى كل زمن، وأنها كانت تطلب العدل الفريد المستحيل فى مواجهة كل شيوخ القبيلة، وأنها وقفت مع ابن نوح الكافر فى مواجهة أبيه النبي، وأنها وأنها وأنها.. إلى آخر ما يمكن أن يذكره القراء من قصائد أمل دنقل التى تتردد أصداؤها فى هذا الكتاب.
ليس هذا فحسب، بل إن قراء أمل دنقل، يعرفون أيضًا أن مواقفه العنيفة الخشنة، وبرغم كل ما تميزت به من إطلاقية وقوة وحسم، لم تكن أبدًا على هذا النحو من التبسيط الحدى الذى تعكسه نبرة المفتتح وهو يُخَيِّلُ لنا »أن أمل دنقل كان يسعده أن يكون بيننا فى هذا اليوم الذى لا ينسى بين الأيام القليلة التى أجمع فيها الشعب على رفض حكم يتسربل بالدين..«. لعل قراء أمل وأولهم وأمهرهم جابر عصفور ، يعرفون تماماً زن قصائدهبرغم  غنائيتها لا تكاد تسمح بالصوت الواحد، وإنما تستخدم حيلاً درامية متعددة  أولها الأقنعة التى يبتعد بها الشاعر عن غنائية صوته الخاص، فضلاً عن قيام القصائد فى معظمها على مشاهد وقوى درامية متعارضة، تعطى للقارئ مساحة واسعة للتأويل والتردد والاختيار بين أصوات متعددة، وهل يمكن للمرء أن ينسى مشهد الختام فى قصيدته البديعة عن ابن نوح، المشهد الذى يتركنا حائرين فى فهم دراما القصيدة، إذ يصور قلب الشاعر/ وابن نوح على نحو لا يخلو من تضارب أو تناقض أو قلق، فقلبه بعد زمن من اكتساح الطوفان: »يرقد الآن فوق بقايا المدينة/ وردة من عطن/ هادئًا/ بعد أن قال لا للسفينة/ وأحب الوطن!«.هذه النهاية لدراما القصيدة تترك القارئ فى موقف شك، بعد أن رسمت للشاعر، وقناعه (ابن نوح)، ولشباب المدينة، موقفًا حديًا صلبًا فى مواجهة الطوفان.
ولماذا نذهب بعيدًا، فلنعد إلى المقطع الذى يتصدر هذا الكتاب، حيث يبدو لو قرأناه معزولاً عن بناء القصيدة كأنه ينطق صراحة باسم الجيل الذى ينتمى إليه الشاعر والناقد على السواء، جيل الستينيات، جيل الحرب، وجيل الألم، المظلوم، المقاوم. أما لو قرأنا المقطع جزءًا من البناء المتكامل لقصيدة »قالت امرأة فى المدينة«،فربما نشعر كأن هذا الجيل وهو يطلب من القلم أن يشهد له- إنما يبرئ ذمته ويغسل يديه. يقوم بناء القصيدة على قوى ثلاث متحاورة: صورة الجد وسيفه الباكى على الجدار، وهى الصورة التى تبدأ بها القصيدة وتنتهي، ثم صوت امرأة فى المدينة تتحدث مرتين: بعد بداية القصيدة وقبل نهايتها، ثم صوت الشاعر وجيله وسط القصيدة، محاولاً الرد على ما قالت المرأة فى المرة الأولى، حين لم يجبها أحد سوى الريح، ربما »فى نصف رد ضاع/ وابتلعته الرمال«. أما فى المرة الثانية »فلم يجبها أحد/ غير سيف قديم/ وصورة جد«. هل أبالغ لو قلت إننى وأنا أستمع إلى ما قالت المرأة فى المرة الثانية، تعقيبًا على صوت الشاعر وجيله، كنت أستحضر واحدًا من التواقيع القريبة بعد الثلاثين من يونيو؟ وأن هذا بالفعل هو الذى يسمح لأمل دنقل بالعبور من زمنه إلى زماننا؟
»قالت امرأةٌ فى المدينةِ
من يجرؤُ الآنَ أن يخفضَ العلمَ القرمزيَّ
الذى رفعته الجماجم؟
أو يبيع رغيف الدم الساخن المتخثر فوق الرمال؟
أو يمد يدًا للعظام التى ما استكانت (وكانت رجال...)
كى تكون قوائم مائدة للتواقيع
أو قلمًا
أو عصًا فى المراسم؟
لم يجبها أحد
غير سيف قديم
وصورة جد!«
3
أصل هذا الكتاب كما قلت مقالات ودراسات متنوعة، بعضها منشور من قبل، وبعضها ربما كتب من أجل استكمال جوانب أو فجوات لم تغطها المقالات المنشورة. وقارئ الكتاب يشعر أنه بالفعل أمام«رحلة« - أو كما يقول المؤلف فى نهاية الكتاب الثاني-  »رحيل فى عوالم أمل دنقل الشعرية«.
كان من الطبيعى أن يتضخم الكتاب فى جزئه الأول حتى يقارب الستمائة صفحة من القطع الكبير؛ فبعد المفتتح المشكل، تتوزع المقالات الثلاثة والثلاثين التى يضمها الكتاب على ستة كتب، تبدأ بكتاب »بواكير التوهج«، وتنتهى بكتاب »تقابلات وتوازيات«، وبينهما تتوالى كتب أربعة هى »على طريق الوعى القومي«، »شاعر المدينة المقموعة«، »مواجهة الموت«، »فى بلاغة الكتابة«. وكتاب بهذا الحجم لا يمكن لقارئه أن يعرض لتفاصيله على كثرتها وأهميتها جميعًا، ولعلى أستفيد مما تعلمته من أستاذى جابر عصفور، فى محاولة استكشاف الملامح الأساسية لبناء هذا الكتاب، بدلاً من الغرق فى التفاصيل.
ينهض بناء الكتاب على قانون بسيط أقرب ما يكون إلى سلم التطور الموازى لتحولات أمل دنقل على مدار حياته القصيرة؛ إذ يجرى توزيع المقالات بحيث تعكس مراحل تاريخية متعاقبة وواضحة، تبدأ بما يسميه»بواكير التوهج«، وفيها يبحث الناقد فى بدايات الشاعر (غير المنشورة أو المنشورة بعد رحيله) عن بذور لأعماله الناضجة فيما بعد، وعن الصراع الدائر بين العناصر التكوينية الأولية، كالصراع بين »الحس الأخلاقى الموروث« و»قصائد الرغبة الأولى«، والصراع بين الوعى القروى الرومانسى المتأصل  والوعى المدينى الواقعى المتصاعد، وهو صراع يتجلى فى »ثلاثة أوجه للقمر« يرصدها عصفور على خريطة التطور فى شعر أمل دنقل.أما المرحلة الثانية فيسميها الكتاب »على طريق الوعى القومي«، وفيها ينتقل الشاعر تدريجيا من الوعى القروى إلى الوعى المديني، ومن الشكل العمودى البسيط إلى شكل حر يعتمد عناصر درامية متنوعة، يقع القناع فى مركزها. وفى المرحلة الثالثة يصبح أمل دنقل »شاعر المدينة المقموعة«، وينتقل وعيه كليًّا متخلصًا مما تبقى من بقايا وعى القرية وحسها الأخلاقى الموروث، ومنغمسًا فى وعى المدينة التى صار أحد أبنائها العارفين بآلياتها المركبة. ثم تأتى المرحلة الأخيرة التى يسميها الكتاب »مواجهة الموت«، حيث تكتمل الدائرة بما يقدمه الكتاب من تحليل للديوان الأخير، وصولاً إلى ستارة الختام الممثلة فى قصيدة الجنوبي، قصيدة النهاية. فى هذه الأقسام الأربعة الأولى من الكتاب، يتتبع الناقد حياة الشاعر وتطور عمله الشعرى على محور تعاقبى متصاعد وصولاً إلى النهاية.
هذا هو المحور الأساسى الذى ينهض عليه بناء كتاب »قصيدة الرفض« فى معظمه، لكنه المؤلف يضيف إلى ذلك ملمحاً آخر، إذ يخصص القسمين الأخيرين للون من الدراسة على المحور التزامني، يسمى القسم الأول منهما »فى بلاغة الكتابة«، حيث يتضمن عددًا من المقالات التى تركز على الشعر والجمهور، والسخرية، والتضمين بالإشارة، والتشبيه، والصورة الشعرية، والرمز، والنقض البلاغي.. إلى آخر هذه التقنيات والاستراتيجيات البلاغية التى رصدها الناقد فى عمل الشاعر دون وضعها على خط التطور. أما القسم السادس والأخير »تقابلات وتماثلات«، فيحاول أن يرصد العلاقة بين شعر أمل دنقل وأساتذته ومجايليه وتلاميذه، فيقف عند علاقته بحجازى وصلاح عبد الصبور ولويس عوض والماغوط وعبد المنعم رمضان، فضلا عن شعراء آخرين من العالم، مثل ت. إس . إليوتوجونارإكيلوف.
أما القانون الثانى الظاهر فى بناء هذا الكتاب، فهو أن الكتاب موزع بين صيغتين فى الكتابة:الصيغة الأولى هى صيغة الشهادة الذاتية أو الحديث النقدى (وهو مصطلح جابر عصفور فى وصف طه حسين)وهى شهادة لا يستطيع أن يقوم بها إلا ناقد كجابر عصفور قريب إلى أمل دنقل وجيله، بحيث يقدم معلومات بيوجرافية وتاريخية مرتبطة بالسياق الذى كتبت فيه كل قصيدة،وبرغم أن هذه الصيغة اتخذت صورة مقالات متنوعة منفصلة إلى حد ما، وقامت على الاستطرادات الحرة واللغة السردية التبسيطية السهلة التى تستهدف قارئ الصحف والمجلات العامة، فإنها تقدم شهادة شاهد على العصر والشاعر، وفصولاً من الحديث النقدى الحر الممتع، كما فى الحديث عن قصائد مثل »كلمات سبارتاكوس الأخيرة« أو »الجنوبي«. أما الصيغة الثانية فهى صيغة الدراسة النقدية الأكاديمية التى أدت إلى تنظيم المقالات على هذا النحو فى الكتاب، وتركت بصماتها المصطلحية فى تحليل القصائد والتقنيات، واستخدمت لغة أكثر تركيبًا وتعقيدًا وتفلسفًا.
وبرغم بصمات التحرير الواضحة التى دخلت على نصوص المقالات الأصلية المستقلة، بحيث تصبح فصولاً فى كتاب واحد ممتد، وبحيث تخضع نوعًا ما لمقتضيات الكتابة الأكاديمية، من خلال استخدام العدة الأكاديمية فى دراسة الشعر، خصوصًا مصطلحات البلاغة والعروض، أقول برغم ذلك فإن القارئ يستطيع أن يلاحظ بعض التكرارات الباقية وبعض الاستطرادات الملازمة للغة الصحافة، وطبيعة جمهورهاالذى كتبت له فى الأصل.
وكان من نتيجة هذا كله أن تحول الكتاب فى كثير من المواضع إلى »قراءة فى شعر أمل دنقل«، كما يقول عنوانه، وهى قراءة بالمعنى الأول القريب البسيط، الذى هو فى الحقيقة لون من تتبع النصوص وشرحها وتبسيطها لعامة القراء، برغم الملامح الأكاديمية التى تحوله فى كثير من الأحيان إلى دراسة نقدية، أى قراءة تسعى إلى تقديم تفسير ما واستخلاص معنى غامض دقيق من بنية النص ككل، ومن طبيعة العلاقات المعقدة بين عناصرها. وأحسب أن هذا التوزع بين صيغتين للكتابة بقدر ما أضفى على الكتاب لونًا خاصًا من الشهادة الضرورية، أدى إلى قدر من الاستطراد والتضخم لاحظه المؤلف نفسه فى المفتتح حين قال:
»والذاتى يتجاور مع الموضوعى فى هذه القراءات النصية التى أقدمها لشعر أمل، فأنا شاهد ومشارك بالرأى فى مسار هذه القصائد، واشعر أننى بعض من تاريخها، بحكم علاقتى بصاحبها، ولذلك لم أمنع نفسى من التدخل بالتوضيح التاريخى للحقبة التى عايشتها، والانطباعات التى كنت أشعر بها، وقت سماع عدد من هذه القصائد أو قراءتها، أو ملاحظة الكيفية التى تشكلت بها فى عملية إنتاجها أو إبداعها أو حتى إلقائها. ولا أعتذر عن تدخل هذا العنصر الشخصى فى عملية القراءة، فهو أمر لم أستطع- ولا حتى أرغب فى  مقاومته، ولذلك تركت نفسى لمجرى الكتابة، ولكن لم أنس واجب التحليل والتفسير الموضوعيين اللذين لا يمكن أن يتحققا إلا بدرجة من البعد عن الموضوع الذى أنا بعضه، ولا أدرى هل وفقت موضوعيًّا فى هذا النوع من الكتابة أو القراءة«.
هذا الكتاب رحلة استغرقت من صاحبها زمنًا طويلا، وستستغرق من قرائها الآن وفى المستقبل زمنًا أطول لاكتشاف منحنياتها ومجاهلها.