رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

قصص سعيد الكفراوي:

جدلية الحياة والموت


د. أحمد الصغير
8/12/2017 9:54:55 AM

سعيد  الكفراوي  أبرز كتاب جيل الستينيات إخلاصا لفن القصة القصيرة في مصر والعالم العربي، قدم الكفراوي  أكثر من عشر مجموعات قصصية  متنوعة  أرسي من خلالها مشروعه القصصي ، بدءا من مدينة الموت الجميل، والبغدادية،  ستر العورة، رائحة الليل،  كشك الموسيقي، بيت للعابرين، زبيدة والوحش، ياقلب مين يشتريك،........................ إلي آخره.
افتتن الكفراوي بفن القصة القصيرة وآثره علي جل الفنون الأدبية، لأنه   تأثر بعالم القرية والحكايات الشعبية ذات الأثر النافذ في حياة الفلاحين، ومن ثم فشخصية الكفراوي تتواءم مع هذا العالم الشفاف  البسيط والعميق في الوقت نفسه، فهو ينسج علائق متعددة بينه وبين الحيوان والطير والموتي لاينفصل أسلوبه اللغوي عن حديثه العذب الذي لايمله سامعوه، يمتلك الكفراوي  أفقا أكثر رحابة،  واتساعا  يحمل  ذكريات الموتي بين جوانحه  يمتلك مقدرة كبيرة علي اختراع الأزمنة والأمكنة والشخوص والأحداث، تارة يلعب بالرموز الفرعونية وتارات أخري يلعب بالرموز السياسية والاجتماعية والثقافية، لأنني أظنه مخترع الرمز وعابرا  من  خلاله إلي عوالم الحضارات الأخري، لقد ارتقي الكفراوي بفن القصة القصيرة ارتقاء ملحوظا في الوطن العربي  مما جعلها متعددة العوالم  والفضاءات  .
يجنح الكفراوي لصياغة عوالم أكثر سحرية  وأعني »بسحرية»‬ تلك العوالم التي  تقوم بتخليد القيم النبيلة / الأقانيم  الثابتة (الحق ـ الخير ـ الجمال ـ العدل ـ الحرية). ومن ثم فقد تجلت في قصص الكفراوي  قضايا عدة من أهمها قضية الحياة والموت، وهي جدلية  عميقة وباطنية في جل قصصه وهذه الجدلية التي شغلت  العقل البشري علي مر التاريخ منذ الفراعنة وحتي الآن والإنسان يسأل نفسه ماذا بعد الموت؟ وهل هو نهاية العالم؟ هل تفني الذات وتنصهر  لتصبح عدما  غامضا؟ أظن أن الفكرة  التي سيطرت علي الكفراوي  هي الخلود والتعلق بالحياة لأقصي درجة ممكنة  حتي الخلود في الموت نفسه. وأقام الكفراوي عالمه الأخروي  في قريته الصغيرة (كفر حجازي) التي لم يشر إليها بصيغة مباشرة، لكنه أومأ إليها  كثيرا فجاءت القرية مكانا  رئيسا  في قصصه كافة؛ ليعبر عن الخلود داخل العالم  الريفي  شديد البساطة  وكيف يتلقي الناس نبوءة الموت المقدس؟، الموت لدي الكفراوي متساكن  مع الأحياء وتجلي  ذلك في مجموعته ستر العورة فتقول الذات الساردة:  »‬ومن  منا لا يسمع أصواتا تناديه حتي الموتي نسمع أصواتهم....» كأن الموت ونس  في الصحو والمنام، يسري فينا  مسري الدم من أوردة النفس نعيش في ذكريات ماض طاهر؛  وكأن الموت تميمة ضد الزمن لم يستطع أن يفني الحضارات والأساطير القديمة ولا الشعر القديم، فهذه الفنون نموذج قوي للصمود والتحدي  أمام الموت  بل والإصرار علي هزيمته، ومن ثم فقد تجلي الصراع بين الحياة  والموت  بشكل واسع في قصص الكفراوي ،ونلاحظ ذلك في  مجموعته القصصية  (دوائر من حنين)  فيقول في الصفحة الأولي  علي لسان جدته »‬قالت لي جدتي قبل أن تغادر  لحظة  أن شاهدتني  أنتفض  قرب  النهر: ثق أن كل شيء ليس كما نراه. خذ هذا الدواء  فربما  يشفي  قلبك  ويطهر روحك  من الحنين».»‬شربت الدواء فلم  يبرأ القلب ولم تتطهر الروح». يشي المقطع السابق الذي جاء في صورة تصدير للمجموعة السابق ذكرها  أن الصراع قائم بين الحياة والموت  صراع لانهاية له  وجدلية   يعجز المنطق البشري عن الوصول إلي مكامنها الأثيرة، أو الوصول إلي عوالم أخري ما بعد الموت  وهل هناك حياة؟
تأتي الإجابة علي لسان الذات الساردة في دوائر من حنين: (شربت  فلم يبرأ  القلب  ولم تتطهر الروح) ، مازال الحنين إلي هؤلاء الراحلين عن مدينتنا  كامنا في جوانحنا، وأن الحنين خلق من أجلهم هم، لا يزال فعل المغادرة قائما في القري والنجوع، وفي جل حياة الفلاحين، (غادر فلان أي مات ورحل) هكذا يقول القرويون أمثالي.
وتجلت مفارقات كثيرة في قصص الموت والحياة عند الكفراوي  مثل شرف الدم  الذي يستدعي فيه كل أفراد أسرته بعد الموت الأب والأم والأخت والعمة والعم، ويراهم عظاما رميما؛ لكنه يعرفهم من الجماجم المفرغة من اللحم، وكأنه يصنع  زمنا غير محسوب من العمر زمن خاص به وحده  هو ذلك الزمن المفارق بين الحياة والموت  فلايصل المتلقي إلي ماهية الزمن وشكوله المتعددة، ومن ثم فإن  قضية الموت  في الحس الشعبي لها مزاج خاص تجلي ذلك  في بواكير قصص الكفراوي  في مجموعته (ستر العورة) تقول  زوجة الصفتي: »‬تركنا في حالنا  عشان أقدر أربي العيالب تطلب هذه الزوجة من زوجها الميت الرحيل عن البيت (أعني روح الميت)؛ لأن الصفتي لم يغادر من البيت بالروح ،لكنه غادر بالجسد فقط وتبقي روحه حاضرة مع أهل الدار، ولذلك  فإن الموت  في شرع القرويين لايعني  نهاية العالم   بل هو بداية  العالم  الآخر في الحياة  التي لا نراها، وهذا ليس من اختراع القرويين أنفسهم ؛ لكنها الأسطورة الفرعونية التي تعيش في أذهانهم، وتولدت عنها حكايات جمة، ولذلك فإن رحلة البحث عن الموتي  من خلال الفعل الكتابي  تقنية  من التقنيات المهمة التي يرتكز عليها  النص القصصي  عند الكفراوي، لكنه أضفي مساحات متعددة من التخييل الظاهر والتخييل الباطن  جعلها تمتلك  لذة نصية  حية، لأن الموت قد يكون البطل المستتر داخل العمل القصصي، وقد يكون خائنا أو قاتلا أو مجرما؛ ولكنه  ليس أبدا نقيضا للحياة  بل هو متمم  لها علي حد قول شكري عياد.
واللافت أن الكفراوي احتفي بالحياة احتفاءه بالموت نفسه  ونلاحظ ذلك في مجموعته المهمة (يا قلب مين يشتريك) فهي مجموعة  تقدس الحياة وتحتفي  بمفرداتها الصغيرة وتمزج بين الحاضر والغائب القبيح والجميل، الغالي والرخيص،  تطرح  فلسفة البسطاء من المهمشين  سواء في القرية أو المدينة، وتجلي ذلك الحس في قصة زليخا  ونظرة العين  تحدق في الرصيف، تحدق في المصير الغامض، في انتظار  ذلك القادم  بالرزق  هي شرع حياتنا الآن،  ومواجهة العدم والظلم والفساد والمدعين والمرتشين،  وفي نهاية الأمر  يكتشف الإنسان  وحدته  في عالم  يعج بالمظالم  كما في قصة كوتسيكا، وياقلب مين يشتريك،  فقد لا حظنا في الثانية ذلك الشرير  المدعي الذي جعل صاحبه  يحتضن الموت أمام الجريون  في وسط البلد، ومن ثم تأتي مواجهة الموت وهزيمته وانتصار الرغبة الحقيقية في الحياة، ولايخلو الأمر من دلالات  سياسية  واجتماعية وفلسفية داخل المجموعة كما في قصة مياومة ومضيفة لعبيد الرحمن، فقد تنطوي معظم القصص علي الألم والحب ،لكن الألم الذي يشع بفرح الحياة .
صحيح أن الفن الخالد هو الذي يرتكز علي أرضية البشر يجسد ملامحهم وينسج أحلامهم، ولايتعالي عليهم بل يرتقي بهم؛ لأنه جزء  عفي في تراثهم، هذا كله ماتجسد في قصص عمنا الكفراوي، لأنه فلاح مصري يجوب الدلتا والصعيد ويمتح من الحضارات الإنسانية؛ ليفضح الإنسانية الحديثة، أو يعري واقعنا المأزوم  من خلال قصصه وحكاياته، فتجربته في القصة  المصرية تجربة مشتبكة مع الواقع الإنساني سواء القروي أو المدني، فتحية لسعيد الكفراوي الذي جعلنا نقترب من الحنين ونعشق الحياة بصدق ونقبل حبيباتنا في أحلامنا البسيطة دون خوف أو هزيمة.