رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية:

مسائل الشعرية في النقد العربي


د. محمد الشحات
8/19/2017 11:42:48 AM

تشتغل دراسة الباحث العراقي محمد جاسم جبارة »مسائل الشعرية في النقد العربي: دراسة في نقد النقد»‬ علي مفهوم »‬الشعرية Poetics» الذي يعدّ واحدًا من أهم مرتكزات نظرية الأدب بصفة عامة. وقد كان الدافع الرئيسي للمؤلف وراء اختيار هذا الموضوع هو ما وجده من كثرة المؤلفات العربية والمترجمة التي استعملت المصطلح بدرجة كبيرة من التفاوت بينها، وهو تفاوتٌ لم يلتفت إليه الكثير من الباحثين العرب عند التطبيق الذي لم يدرك خصوصية السياقات النظرية والفلسفية التي تشكّل المصطلح في ضوئها. من هنا، ترجع أهمية هذه الدراسة، في رأيي، إلي كونها تمثّل إضافةً مهمّةً إلي المكتبة العربية فيما يتصل بـالدراسات النقدية الحديثة التي اشتغلت علي مصطلح محوري مثل »‬الشعرية»، بما له من ثِقَل معرفي سواء علي مستوي النظرية الغربية أو التطبيق العربي.
أقام المؤلف كتابه، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، علي مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، وهي فصول متراكبة بعضها فوق بعض. في المقدمة تناول أسباب اختيار الموضوع وأهدافه والمنهج المتّبع فيه والعيّنة النقدية العربية التي سوف يختبر فيها تداول مصطلح »‬الشعرية». وفي الفصل الأول »‬الشعرية في الموروث العربي»، تناول المؤلف الشعرية من خلال عدد من المداخل مثل الشفاهية والكتابية، الشعرية العربية في الموروث النقدي والبلاغي، الجرجاني والقرطاجني في نظريتي النظم والتخييل. وفي الفصل الثاني »‬الشعرية والحداثة»، يتّخذ الباحث من إنتاج كل من كمال أبو ديب وصلاح فضل ومحمد مفتاح نماذج تطبيقية عربية لتداول »‬الشعرية» في النقد العربي الحديث. أما الفصل الثالث والأخير »‬شعرية التجنيس» فقد مثّل -من وجهة نظري- محاولة أصيلة من الباحث لرصد »‬شعرية السرد» في إطار مقارنة الأجناس الأدبية بحثًا عن الصفات المائزة لكل منها. أما في الخاتمة فقد خرج الباحث بعدد من النتائج المهمة التي أكّدت علي ضرورة وضع المصطلحات الغربية في سياقاتها المنتِجة لها قبل التعاطي معها سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية، فضلا عن مقترحه الذاهب إلي ضرورة أن تكون هناك دراسات مناظرة تختصّ بمسائل »‬السردية بين النقد العربي الحديث والترجمات». وهو مقترح له قدر كبير من الوجاهة.
أبان المؤلف عن منهجه منذ البداية؛ حيث تنتمي دراسته إلي دراسات »‬نقد النقد» التي تستعين بأدوات الوصف والتحليل والمقارنة، وأحيانا الإحصاء، عند رصد ظاهرة »‬الشعرية». غير أن المؤلف قد أضاف عمقًا كبيرًا إلي بحثه عندما تناول بعض النماذج التطبيقية من مدوّنة الشعر العربي، حتي وإن كان هذا التناول سريعًا، فإنه قد أعطي الكتاب وزنًا من المصداقية في كيفية التعامل مع مفهوم »‬الشعرية».
يمتلك المؤلف بالفعل لغةً نقديةً جيدةً جدًا، كما يمتلك قدرةً علي التحليل والربط بين المفاهيم المتباعدة، لكنّ هذه القدرة كانت متواريةً في بداية الكتاب إلي حد ما، مختفيةً وراء الكثير من المقولات والأفكار والمصطلحات والاشتغالات النظرية، ولم تعلن عن نفسها إلا شيئا فشيئا في الباب الثالث، سواء في تناوله شعرية التجنيس أو محاولته التعامل مع بعض النصوص الأدبية بالتحليل والتأمّل النقدي. لكنّ الجهد العلمي الواضح في هذا الكتاب تمثّل في تدشين المعجم الاصطلاحي للباحث الذي تراوح بين الترجمة والتأسيس، فلم يخضع للترجمة خضوعًا تامًا، بل وضعها موضع المساءلة الجادّة، فضلا عن سعيه الحثيث إلي تشكيل معجم اصطلاحي خاص به وبموضوعه.
علي الرغم من أن إنجاز الباحث لا يتجاوز ثلاثة كتب -علي حد علمي- هي »‬محاضرات في علم العروض والقافية» و»‬المعني والدلالة في البلاغة العربية: دراسة تحليلية لعلم البيان» و»‬مسائل الشعرية في النقد العربي: دراسة في نقد النقد»، فإن كتابه الثالث الذي نحن بصدده الآن يمثّل -في تصوّري النقدي- باكورة أعماله التي يمكن الرهان عليها؛ إذ استطاع أن يُنتج نقاشا جدليا مع الأبحاث المناظرة التي حضرت في ثنايا بحثه في الكثير من المواضع، كما تنوّعت مصادره بين القديم والحديث، وتعدّدت مراجعه بين التأليف والترجمة، كما اطّلع علي بعض الأطروحات الجامعية وعدد كبير من المقالات والدراسات الدوريّات العربية المختلفة. لكنّ ما قد يُحسب علي هذا البحث هو عدم اشتغاله المراجع الأجنبية بلغتها الأصلية، اللهم إلا في موضع أو موضعين. وإجمالا، يُحسب لهذا الكتاب الجِدّة في الطرح والتناول والانضباط المنهجي وشمولية العرض والتحليل ورصانة اللغة النقدية.