رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

المزين:

الأمل والزيف والامتداد


زينب محمد عبد الحميد
8/19/2017 11:44:29 AM

صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة رواية »المزين»‬ للكاتب أحمد سمير سعد، ضمن سلسلة إبداعات؛ وقد استوقفني اسمها الذي بدا لي أنه يحمل اسم الشخصية الأساسية/ المحورية/ البطل في الرواية، وهذا بالفعل ما وجدته؛ بل وجدت أن شخصية المزين رغم اشتراكها مع بطل آخر وهو الراوي إلا أن المزين هو الشخصية الطاغية والمسيطرة لدرجة تتخيل معها أنها فرضت اسمها علي الرواية.
يقسم أحمد سمير روايته إلي تسعة فصول يبدأها بالكاتب أيمن الذي يبحث عن الإلهام ويحاول مع افتقاره له أن يكتب عملا أدبيا جديدا »‬أحاول لمرة أخيرة استحضار أي من أفكاري ومشاريعي القديمة لقصص وروايات، خيالي فقير وكلماتي شاحبة وجملي لاهثة مريضة، تهرب الفكرة وتنعدم الحيلة وتنفك الحبكة...». ألحت شخصية »‬المزين» لتفرض نفسها عليه »‬حتي المزين الحاضر دوما في ذهني، مشروع سردي عظيم، وشخصية تنبعث متجددة من التراث، عاشرني لأعوام وانكتب في ذاكرتي وأكل معي وسخر وابتهج، المزين لا ينكتب كما ينبغي، حاضر بلحمه ودماءه لكن قلمي عاجز عن صياغته وابتداع دور له في حكاية...» هكذا فإن »‬المزين» الذي يفرض حضوره بقوة ويري الكاتب عجزه وضعفه - رغم تملكه منه- عن كتابته؛ يتناوب مع البطل/الكاتب فصول الرواية ليأتي معبرا عن نفسه بلغة تعمد إلي المعجم التراثي أكثر من المعاصر ليسرد لنفسه حكاياته ويصبح راويا جديدا بلغته الخاصة وشخصيته - التي تبدو - مسيطرة.
يعبر البطل عن علاقاته المتوترة بلهجة في مجملها بائسة تؤول كل ما يعانيه من تأزم إلي سوء القدر ويري عدم استحقاقه لهذه اللعنات التي لا تقف عند تعرقله عن الكتابة بل تتغلل إلي زوجته التي تنفصل عنه، وولده الذي يعاني تأخرا ذهنيا. ويجد في نسبه الذي يمتد إلي آل البيت ووداعته أسبابا تبعد عنه تلك اللعنات، رغم حماقات صغره وشبابه التي يسردها من تعذيب طائر والتسبب في موت فتاة صغيرة، وعلاقاته الجنسية التليفونية. المهم أنه يدرك أنه الشخصية الملائمة لمجتمعنا: »‬الآن أعلم أن أمثالي يحتاجهم النظام، أمثالي لا يغيرون ولا يصنعون ثورة، هم فقط يتصالحون مع أنفسهم بما يفعلون، أمثالي لا خوف منهم ولا خشية، يكفي أن تراقبهم من بعيد وأن تمد لهم في الأمل.....» ورغم أن اعترافه هذا يأتي متأخرا إلا أننا نعرف سببا جليا يجعل »‬المزين» البطل ببساطة لأنه »‬الأمل».
أما طبيعة هذا الأمل والذي يفضحه »‬المزين» فنجده أملا زائفا أجوف؛ يدور في دائرة تخيلية هشة تجعل من اللغة وتعبيراتها رونقا يزخرف خيباتها وخوائها وزيفها. يري المزين نفسه خياليا، وأري الكاتب قد تعمد أن يبعد شخصيته عن التراثية والتاريخية، رغم ما قد يبدو عليه من لغته التراثية إلا أنه آثر أن يبالغ في وصف »‬الأمل/ المزين» بكل ما هو زائف/ خيالي ومبالغ علي المستوي اللغوي والوصفي: »‬ أنا المزين منظور لبسطة في الجسد، حدة في البصر والبصيرة، جمال في الوجه، رجاحة في العقل، خفة في الروح، بيني وبين حسن نبي الله يوسف أنف مفلطح قليلا، يفصلني عن بأس نبيه موسي عضلتان لم تنموا كفاية، أبهي من دون جوان، وأوسم من كازانوفا وأفحل من شمشون، عيني أكحل من براد بيت وبسمتي أوسع، صوتي أشجن من جورج كلوني ونظرتي صاعقة، مخترقة أكثر.» هو ذا »‬الأمل» زائف ومبالغ، يتخيله الكاتب منجاة لأزماته ولا يكتفي بأن يطبقه علي إبداعه، بل يعطي لمستقبل ابنه الزيف نفسه: »‬ابني سأجعل منه عالمًا مجاوزًا ومفارقًا، سيصدمكم جميعًا بمجده»:، إلا أنه يدرك بؤسه وزيف أمله وأن ابنه: »‬بالكاد سيعرف الكلام وبعض المهارات اليدوية كببغاء مساي أو كقرد راقي.»
أما حكايات المزين فإنها تمتد قبل روايته؛ فقد وجدت أن أحمد سمير قد أعطي لشخصية المزين بعدا ماضويا ومستقبليا إذ ألحت عليه تلك الشخصية منذ زمن في مجموعته القصصية »‬الضئيل صاحب غية الحمام» الصادرة عن دار اكتب، والتي منها قصة »‬حكاوي المزين» ليبدأ الحديث عنه بمعطياته ذاتها فيقول في »‬حكاوي المزين»: »‬لأني مزين.. بالأساس فنان.. أهذب الرءوس وأحلي الوجوه... كذلك طبيب... كذلك خبير بجوهر الأشياء ولب النفوس....... عيبي الوحيد أنني لا أجيد الحديث عن نفسي وأنني دائم التقليل من ذاتي... ميزتي الكبري أنني لا أزبد أبدا بالكلمات. عباراتي شديدة التكثيف، تسعي دوما نحو هدفها وغايتها.... ذلك ربما لأن رؤيتي للعالم شديدة الاتساع، فكما يقولون، كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة..»(المجموعة) هكذا فإن المزين شخصية ممتدة قد احتلت متسعا من إبداع الكاتب. تأتي مفارقة حين يجد المزين لشخصيته متسعا للتعبير فنراه - في الرواية- قد أتيح له التعبير عن نفسه ليبدأ كل كلامه ومبالغاته الوصفية بـ »‬أنا المزين» ونجد أيضا أن الكاتب متناصًا مع معطيات الشخصية نفسها ولغتها وأوصافها في روايته »‬المزين» إذ يبدأ حديثه عنه بـ: »‬أنا المزين، فنان ملهم وعالم متفرد وحكيم عارف وطبيب خبير.... عوالمي واسعة وعلومي لدنية..... أنا المزين لا ألغو ولا أحدث إلا بقدر.»
هكذا كان المزين قديما في حكاويه، فهل تستطيع حكاويه الاستمرار والتمدد أكثر؟
نجد الإجابة جلية واضحة حين لا يتمكن الكاتب من الانتصار لوعيه ولواقعه بل ينتصر لأمله الزائف في المزين ليحول حكاويه لحواديت وسيرة تحكي للأطفال ويعيد للمرة الثالثة حكي المزين. يضع ابنه أمامه ليقص عليه عجزه وأمله الخائب في تلك الشخصية الدائرة في فلك اللغة بلا فحوي ليقول: »‬كان فيه مزين شايف نفسه..... لابس ومتأنتك ومتغندر ولا السلطان، المزين فاكر نفسه يعرف أكثر من أبو العريف ويخوف أكثر من أبو رجل مسلوخة وإنه أكرم من الشراقوة وأشطر من الشاطر حسن وألعب من الزيبق... المزين يا سيدي كان عبيط... لأ.. كان بطل... اتغلب أو يمكن غلب... هاحكيلك حكايته...».
ومن جديد يعترف الكاتب بانهزامه أمام »‬الأمل» الذي يغدو »‬زيفا» »‬ممتدا» عبر بطله المتخيل الذي لا ينتهي داخله، بل يخرج الكاتب من حدوتة المزين الثالثة منهزما ضائعًا »‬المزين هناك لا ينصرع ولا ينكتب، يثرثر ويتشاجر ويصرخ. يدمر خلايا مخي ويدفعني للجنون».  

تعليقات القرّاء