رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية

نظرية التأويل التقابلي


د. محمد الشحات
8/26/2017 10:32:13 AM

تقع دراسة الباحث المغربي  محمد بازي  "نظرية التأويل التقابلي: مقدمات لمعرفة بديلة بالنص والخطاب" في  مجال الدراسات الحديثة التي  تشتغل من منظور بينيّ يسعي إلي تقديم معرفة بديلة بالنص والخطاب معا. وإذ يحاول الباحث تعميق هذا المنظور، نراه يقيم رؤيته لمفهوم "التقابل" علي أرضية فكرية ونقدية ولسانية تجمع بين عدد من الحقول المعرفية الجديدة مثل اللسانيات الحديثة والشعريات ونقد النقد والتحليل النصّي، وغيرها من آفاق مختلفة. إن الفرضية الرئيسية التي  يشيّد عليها الباحث كتابه هي  فكرة الثنائيات الضدية binary oppositionsالتي  زاد الاهتمام بها مع الفكر البنيويّ. لكن الباحث يوسّع من هذا المفهوم النصي  الذي  كان شائعا لدي البنيويين؛ ليجعله مفهومًا معرفيًا وفلسفيًا ووجوديًا، يطلق عليه اسم "التقابل" أو "التأويل التقابلي". وفي  مسعاه الخاص هذا، ينظر  الباحث إلي النصوص بوصفها مرآة العقل البشري؛ لأنها أكوان لغوية لمعانٍ وتراكيب متقابلة.
ترجع أهمية هذه الدراسة، في  رأيي، إلي كونها تضيف كتابًا نقديًا وفكريًا مهمًّا إلي المكتبة العربية فيما يتصل بـالدراسات الحديثة التي  تشتغل علي مفاهيم النص وتحليل الخطاب. ولذلك، يُحمد للباحث كثيرًا سعيه الدؤوب إلي جَسْر هذه المسافة الوهمية بين الشعريات واللسانيات ومناهج النقد وتحليل الخطاب وعلم النص، وغير ذلك من حقول معرفية تقارب النصوص الأدبية وغير الأدبية من زوايا نظر مختلفة.
يبدأ الكتاب، الصادر عن منشورات ضفاف، بنص تأمّلي  يطلق عليه "في  رحاب الكون المتقابل"، ثم يُتبِعه بسبعة ألواح تقديمية، يمثّل كل منها مدخلًا نقديًا أو معرفيًا أو فلسفيًا خاصًا، وهي  مداخل موازية لفصول الكتاب. فقد قسم متن الكتاب الرئيسي  إلي بابين كبيرين. فالباب الأول (أو المجال الأول بتعبير المؤلف) يتكون من سبعة فصول أو مباحث يحمل كل منها كلمة "مسلك". فالمجال الأول (الأسناد المرجعية والأسس النظرية)، ينقسم إلي سبعة مسالك. يُعني أول المسالك "مقدمات لنظرية تأويلية تقابلية موسعة" بالنظرية والمفاهيم المؤسسة وقضايا التأويل، والمسلك الثاني  "سيمياء التقابل وكيمياء التأويل" ينشغل بمفهوم الكون المتقابل وأسس النظرية وقضايا المعني، والمسلك الثالث "الفهم بالتقابلات" يرصد عمليات الفهم بالتقابل في  مساراتها المختلفة، والرابع "الأسناد المعرفية لنظرية التقابل" مهتمّ بتقابلات الحقيقة والمجاز، وتقابلات الإسناد والتلازم، والخبر والقصدية. والخامس "الأساس التقابلي  في  البلاغة العربية" حيث يقيمه الباحث علي تحليل مفردات البلاغة العربية. والسادس "من بلاغة النص إلي بلاغة الخطاب" يشتمل علي مستويات التقابل بدءًا من الكلمة، فالجملة، فالتقابلات الجملية، ثم الخطاب. والسابع "مفهوم النص في  التصور التقابلي" يشتغل علي النقد ونقد النقد ومؤسسة النقد. أما المجال الثاني  "تنزيلات" فيقسمه الباحث إلي سبعة تنزيلات موازية للمسالك السبعة. أول التنزيلات "تقابلات النص والخطاب"، وثانيها "تجريب المفاهيم والتحقق من الفروض"، وثالثها "تقابل السياقات"، من حيث السياق الأصغر والسياق الأكبر، ورابعها "التخاطب ومقصدياته"، وخامسها "التقابل في  النص الروائي"، وفيه يدرس الباحث رواية "عزازيل" ليوسف زيدان، وسادسها "توسيع مجالات الاشتغال"، كالتقابل في  الميتانص والقصة، وعلاقة السرد بالسلطة كما في  بعض الحكايات الرمزية كحكاية "الحمامة والثعلب ومالك الحزين"، وسابعها "مراجعات وخلاصات وملحقات". ولا يخفي علي أي  متصفّح لفهرس هذا الكتاب إدراك وقوعه في  عدد من المزالق؛ منها تكرار بعض المداخل في  البابين، وتداخل الحقول الاصطلاحية.
علي الرغم من جودة الطرح، وكفاءة التناول، يعاني  هذا الكتاب من رغبة عارمة في  الجمع بين عدد كبير من المفاهيم والمقولات المنهجية التي  تستقي  خصوصياتها ومرجعياتها من فلسفات ومناهج ونظريات متباينة. وعلي الرغم من أن المؤلف يدّعي  أن ما يحرّك منهجيته هو الرؤية التقابلية للنص والعالم، فإنني  لم أعثر علي كتاب واحد لبول ريكور، مثلا، الذي  يعدّ واحدا من أهم الباحثين الذي  اشتغلوا في  التأويلية (الهرمنيوطيقا)، اللهم إلا كتابًا واحدًا لهانز جورج جادامير.باختصار، ينطوي  هذا الكتاب المهمّ علي الكثير من الجدة والمغامرة التي  لم تكن محسوبةً بقدر كافٍ من التجهيز والإعداد، حيث سقط الباحث في  محاكاة بعض مع من يكتبون بمثل هذه الدرجة من التأمل والتفلسف، فحاكي محمد مفتاح وعبد الملك مرتاض، علي سبيل المثال لا الحصر. لكنّ محمد مفتاح وحده قد حظي  بنصيب كبير من الحضور، والاتّكاء علي كثير من أفكاره وإشاراته وتنبيهاته، فضلا عن استسلام الباحث للإطار النظري  الشكلي  الذي  أقامه علي سبعة مسالك وسبعة تنزيلات وسبعة ألواح.

تعليقات القرّاء