رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

خلف الباب المغلق:صراع الهوية


دسوقي الخطاري
8/26/2017 10:43:07 AM

عندما يحتدم الاختلاف بين التراثي  والحداثي وبمعني آخر بين محبي  الحداثة والتجديد  (الحداثيين) وبين رافضيهما (التراثيون) الذين يرون أن التجديد والتطوير يجب  أن يطال كل شيء ما عدا الفرد وجماعته الشعبية وما يمتلكون من موروث ومدروس  ويعتبرون ذلك خروجا عما ألفوا عليه آباءهم ورويدا رويدا يتحول الاختلاف إلي خلاف ثم يصير الخلاف صراعا دائما بين »الأنا»‬ التي  هي  قامة الهوية و »‬الآخر» الذي  هو ظلها فيتبادلان الاتهامات فيما بينهما ويحتل كل منهما موقع الآخر للدفاع عن وجهة نظره وتبديد وجهة نظر الآخر إذ يري الطرف الأول »‬الأنا» أن كسر الهوية أعسر علي النفس من ترك المعتقد وتجاهل الموروث وأن استقامة الظل من استقامتها واعوجاجه من اعوجاجها كما قال الجاحظ »‬كيف يستقيم الظل والعود أعوج» في  الوقت الذي  يري فيه الآخر عكس ذلك تماما معتبرا أن ذلك الموروث هو الجذور الوطيدة للحاضر والمستقبل المأمول علي حد سواء مبرهنا علي أن استقامة الظل لا تعني بالضرورة استقامة العود أي  »‬الأنا» بقدر ما تعني  أن استقامته تتأتي من قوة الضوء الواقع عليه والتي  تصنع هذا الظل وتؤثر في  طوله أو قصره وعندما يتعامد الضوء علي العود لا تجد للعود ظلا، وبين هجوم »‬الأنا» و دفاع »‬الآخر» في تناوبهما تفاجئنا (تيسير النجار) القاصة الأسوانية الشابة بالوقوف علي حجم هذا الصراع كرا وفرا من خلال مجموعتها القصصية (خلف الباب المغلق)، الصادرة عن دار روافد،والتي  جاءت في  ثمان  وأربعين قصة تراوحت أحجامها بين القصيرة والقصيرة جدا، تناولت في  بعضها عبر أبطالها صراع »‬الأنا» المتمثل في  شخص بطل القصة أو بطلتها وإيمانها بالتجديد والتطور وثورتها العنيفة علي المألوف محاولاتها المستميتة للتخلص من بعضه  إن لم يكن كله والآخر المتمثل في  الفرد حينا والمجتمع حينا آخر وإيمانهم بمخلفات موروثهم الذي  يرون أنه يستحق التقديس ولا يقبل التدنيس ففي  قصتها المعنونة بـ »‬المرأة التي  تكره النحافة» تصور لنا الكاتبة من خلال بطلها أن  جانبا من الصراع الداخلي  بين الإنسان ونفسه الذي  تولد كان نتيجة حتمية لما تعانيه الفتاة في  المجتمعات الذكورية المغلقة من سوء المعاملة والإفراط في  استخدام السلطات المخولة للولد دون البنت من سيطرة وتحكم لا مبرر لهما متمثلة في أخيها الملتحي   الذي  يفرض عليها أن ترتدي  ملابس بعينها  وأن تتحرك حركات محددة، وفرض ما يجب عليها أن تلتزم به من صداقات بحرمانها من أن تصادق شابا وما نتج عن ذلك من تطلعات إلي التحرر من قيود العبودية الأسرية ، وأحلام قد لا تتحقق بارتداء الملابس اللصيقة بالجسد ، مما أدي في  النهاية إلي نتيجة واحدة هي  النحول ونحافة الجسد التي  تعتبرها البطلة أسبابا رئيسية في  محو أنوثتها.
وفي قصة أخري جاءت تحت عنوان »‬شفق» تكشف لنا الكاتبة عن نوع آخر من الصراع ألا وهو صراع البطل مع المرض وتفكيره المستمر في  حياته التي  تقترب من الانتهاء وتميل أيامها إلي الفناء كما تميل الشمس للمغيب، كما لم تنس الكاتبة أن تذكرنا عبر هذا البطل بصراعنا الدائم مع الروتين والبيروقراطية مجسدا في  عدم الاهتمام بالمرضي والاعتناء بهم في  دور العلاج الحكومية واعتبار المريض فيها مجرد رقم في  تسلسل المرضي. وفي  قصتها »‬عمتي  نصرة» تحاول القاصة إماطة اللثام عن شكل شديد الخطورة من أشكال الصراع النفسي  أو المرضي متمثلا في  ضعف البطلة وفقدها السيطرة علي نفسها أو كبح جماح رغبته المحمومة في  خيانتها لزوجها الملتزم دينيا وأخلاقيا، وعدم مقدرتها علي التصدي  لهذا الصراع وسقوطها في  بئر الخيانة، ثم تعود بنا الكاتبة مرة أخري لتستعرض معنا نظرة المجتمع للمرأة واعتبارها مجرد جسد خلقه الله لمتعة الرجل واستمتاعه مما حدا ببطلة قصتها »‬صار لها جسد» أن تكره أنوثتها وتسأم جسدها وتتمني التخلص منهما فتصير رجلا لتنجو من استعباد الرجل لجسدها، وأن تنال كرجل حقها في  حرية الحركة والتصرف وتتخلص نهائيا من تحرش زوج عمتها المستمر بها ، وفي متواليتها القصصية »‬زيارات» تناقش بواقعية شديدة صراع الإنسان مع الفقر ، والبحث الدؤوب عن أقرب طريق للثراء حتي وإن كان ذلك عن طريق التنقيب المتواصل عن الآثار ، وإصرار والد البطلة علي عدم الاستسلام وإقناع نفسه بأنه سرق وهو نائم مظهرا عدم رضاه عن واقعه الذي  نتلمسه في  رده علي زوجته وقت أن حاولت إقناعه بأن الرزق بيد الله، يبدو أن لا نصيب لنا في  الآثار فيرد عليها بقوله : »‬أعرف شيخا من نيجيريا سوف يزور مصر قريبا»؛ وفي قصتها »‬تزوجتها بجهلي» تظهر لنا نوعا مغايرا من الصراع الذي  ينتهي  عادة بالاستسلام الذي  عبر عنه بطل القصة بإيجاز شديد في  قوله »‬مجبرون دوما علي ما نكره» وفي جرأة غير مسبوقة تضع (تيسير النجار) علي طاولة مشاكلنا اليومية الشكل المعتاد من الصراع المجاني  الذي  تراه أعيننا صباح مساء بقطبيه المعتادين ـــ الظالم والمظلوم ـــ ونجدها تتساءل علي لسان بطلة قصتها »‬أمي  والحب» قائلة »‬هل بوفاة ظالمينا يموت الظلم ؟ فالظالمون يتركون جروحا لا تشفي» أما في  قصتها التي  أوردتها تحت عنوان »‬تأبين» تتجلي لنا صورة جريئة لصراع المجبرين علي العيش مع أشخاص يكرهونهم، وما ينجم عن ذلك الصراع من عذاب صورته بطلة القصة بقولها »‬كنا نعذب من أجل خطأ لم نقترفه وهو جمعنا في  ذات المنزل ونفس الدم الذي  يجري  في  عروقنا مع ذلك الكائن»، أما في  قصتها»‬حكم مؤبد» نجد بطلتها تصارع السوتيان ذلك الجماد عديم الرحمة الذي  يسبب لها معاناة شديدة طوال يومها فتقول في  سأم : »‬جثمت علي صدري  وقيــدت حــركة ثـديــي، التصقــت بصــدري، كمــن يحمــل
صخــرا، احتكـاكهــا مع جســدي  يؤلمنــي، أشــكو إلي أمـي
فتعطيني  بودرة وكريمات، ألبسها مجددا متأففة غاضبة»، أما في  قصتها »‬قصة تيسير الممزقة» ترسم لنا بطلتها لوحة فنية ذات ألوان معتمة  ينبعث من خلالها الصراع الداخلي  بين فتاة عشقت الكتابة والقراءة وبين إصرار المجتمع متمثلا في  أهلها علي تزويجها من شاب لا يقرأ ولا يكتب معبرة عن تلك النهاية المأساوية بقولها »‬دلفت إلي غرفتها وجمعت كل كتبها وأوراقها وأشعلت بها النار فزوجها لا يقرأ وهي ستتوقف عن الكتابة ولا حاجة لأحد بهذا الهذيان المطبوع، علينا إخلاء الغرفة لنضع أطقم المطبخ والمفارش»، وفي قصتها »‬البساط المقعد» يظهر لنا نوع من الصراع الذي شبهته الكاتبة علي لسان بطلتها بأنه الجحيم المعاش عندما قالت »‬لم أكن أعلم أن للجحيم أشكالا متعددة، النقاب، الإسدال بلونهما الليلي  مثل حياتي  المظلمة».
وفي قصتها »‬ثأر» نجد الكاتبة تكشف عن صراع البطلة مع والديها والذي  تشبعت من خلاله بالبغضاء والكراهية إذ تقول علي لسانها »‬كبرت أنا بينهما مشبعة بالبغضاء و حاولت أن أثأر منهما ففشلت ، وجدتني  أقتل نفسي».أما في قصتها »‬سباق الدراجات» أوجزت القاصة كل ما تحويه المجموعة من أشكال ومظاهر للصراع بلورتها في  عبارة وجيزة غاية في  الدقة وجزالة اللفظ وصورت لنا انتصارها علي صراعها الدائم في  قولها »‬انتظرته حتي خرج ، لملمت كل الممنوعات التي قيدني  بها ووضعتها في  صندوق القمامة» وعلي كل فإننا أمام منتج قصصي  متكامل الأركان امتاز باستيفائه الأشكال والمضامين اللازمين للقصة القصيرة من أسس بنائية (وحدة ـــ تكثيف ــ تفصيل)، وليس هذا فحسب، فقد اشتملت المجموعة علي القليل جدا من الحوار ورسمت الكاتبة أبعاد شخوص قصصها بحرفية فائقة، وبكل دقة وإحكام، وكأن أناملها السمراء الصغيرة قد صنعت لنا من خلال سطورها المضيئة من اللؤلؤ مزجت فيه بين الصراع والتشويق والواقعية والخيال دفعت من خلالهم كل قارئ لهذه المجموعة إلي القول بأنها لم تكن تلك هي  المجموعة الأولي لقاصة صاعدة واعدة، وإنما هي  نتاج جدل مع الواقع أكسبها الخبرة المتراكمة التي جعلت علي هذا المستوي من البراعة، آملين أن تمتعنا مستقبلا بما هو أرقي وأجود.