رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

سباعية العابر:رحلة البحث عن المستحيل


إبراهيم حمزة
8/26/2017 10:45:57 AM


بعد ثلاث مجموعات قصصية، وعشرة جوائز،يهدينا حسام المقدم روايته الجديدة » سباعية العابر »‬ الصادرة عن سلسلة »‬ كتابات جديدة » بهيئة الكتاب، متتبعا سيرة وحياة بطله فهمي السيد عبد البر، مدرس الدراسات المولود عام 1978م، والحالم بتغيير العالم، ماضيه وحاضره، ولأن تلخيص أي عمل روائي ضرورة مقلقة، فالرواية تتحدث عن »‬ فهمي » القلق دائما بمتابعة ظله، الحالم بالنبوة، حتي يصبح مثل الطفل الذي يراه بكتاب الدين،فهمي يسعي للتغيير من خلال لعبة التبديل، حين فكر أن يبدل نفسه بصديقه »‬ محمد سعد » مفتاحه إلي اللعبة، ونموذج الشجاعة والقدرة علي الفعل،فحمل كل منهما اسم الآخر، لفهمي شقيقة تزوجت من »‬ حلوف» رأت فيه رجلا قادرا علي سترها، وله أخ ــ هاني ــ مريض عقلي، كبر جسمه، وبقي عقله طفلا،وفجأة يقرر صاحبنا بعد زواجه وإنجابه لطفلين ماهرين في تعلم الأبجدية أن يطلب طلبا غريبا من زوجته، أن تأخذ ولديها وتغادر البيت لمدة أسبوع، والزوجة تستجيب بلا نقاش لهذا الحمق الذي اعتادته من شخص غريب الأطوار..وقد فعلت »‬ عفاف » الطيبة كل ما طلبه فهمي،بعدما جهزت له سبل المعيشة، لتبدأ المغامرة الكبري داخل نفسه المشوبة باختراق المستحيل، والبحث عن الذات صافيةً.
جنون الداخل / عقل الخارج :
ظلم حسام المقدم بطله،بما منحه من انسحابية وضعف وأنانية مفرطة، مهما غلفها بتوق الروح للانطلاق، فعلاقة »‬ فهمي » بالزوجة والولدين وبشقيقه المريض النفسي، تدل علي انسحابية، علي بطل غير فاعل، وترفع فارغ في شخصيته، لم يصل الكاتب ببطله إلي الحس الوجودي العميق الذي نستشعره مثلا مع أبطال »‬ثرثرة علي النيل» وإحساسهم الدائم باللاجدوي، ولكن ظل حلمه ينمو باتجاه تغيير العالم، بدون السعي لتغيير محيطه الصغير،مدرس التاريخ الذي ولد عام 1978، ليشهد عام مولده أحداث معاهدة السلام، ودور الرئيس »‬جيمي كارتر» فيها، وهو تاريخ بالتأكيد لم يكن شاهـدا عليه، لأنه طفـل، لـكنه أثر في تكـوينه، فهـو

نموذج لجنون الداخل واتزان الخارج، الثورة المشتعلة بقلبه، والهدوء والاتزان في مظهره، وهو رصد ذكي من الكاتب لنموذج لم يستهلك روائيا، فالرجل المحترم أمام الجميع، يعتقد أمام ذاته ضرورة تطليق »‬عفاف» بالثلاثة، وخنق الولدين، وصنع قنبلة يرميها علي مكتب المدير بمدرسته، وإشهار عضوه الطويل في وجوه الكثيرات والكثيرين من الزوار، ثم يوقف تفكيره استعدادا للغد، حتي يستقبل ضيوفه الوهميين.
محاكمة التاريخ، ومزالق الرؤية :
بعيدا عن مناقشة بنية الرواية المتقافزة،بحيث يمكن إبدال فصولها بيسر وسهولة، كما يمكن حذف بعض الفصول بدون أن تتأثر الفكرة العامة القائمة علي رحلة الإنسان للبحث عن المستحيل، ولتحقيق أقصي أمنياته الروحية،من خلال بحثه عن ذاته، منفردة عما يحيك به من جحيم الآخرين، سنجد فصلا بعنوان »‬ السيد »‬ يتقمص بطلنا ــ فهمي ــ دور المحامي للزعيم أحمد عرابي،مؤكدا علي الظلم الذي تعرض له السيد ــ أي أحمد عرابي باعتباره كان من السادة الأشراف ــ يبدأ بطلنا بسب محامي عرابي لأنه أجنبي (كيف يترافع واحد أجنبي عن سيدي وأنا موجود؟) ثم يشن الكاتب علي لسان بطله حملة علي محمد سلطان باشا ــ صديق عرابي القديم و(أول من طعنه في ظهره، وباعه وحصل علي لقب سير بعد أن شجعهم علي قتل الخديوي ) كما تقول الرواية.. التي تشير بعد ذلك إلي كذب البارودي أمام محمد عبده..
الرؤية التاريخية هنا لها خطورتها، حيث توضع أحكام عامة تنبني عليها أحكام أخري، ونتيجة »‬ابتسار»التاريخ وانتقائية الرؤية، وميلها للغرائبية، تنتقل الرواية من التعامل مع التاريخ إلي استخدامه وسيلة لتأكيد وجهة نظر، المشكلة هنا وجود رؤية معاكسة تؤكدها كتب صحيحة وهامة، علي سبيل المثال العربان متهمون بالخيانة، والواقع التاريخي يؤكد أن بعضا منهم كان خائنا، لماذا لأن العربان كانوا يمثلون قوة ضخمة تصل علي أكثر من خمسين ألفا من القادرين علي حمل السلاح ، وكانت مصر وقتها علي وشك الانقسام إلي أمتين ذ كما يقول الرافعي في »‬ عصر إسماعيل » ج2 صـ236.
أما الصورة المرسومة لمحمد باشا سلطان ــ والد هدي شعراوي ــ لم تكن بهذه الأحادية،فالتاريخ يقول إن بقاء عرابنه في وزارته كان بوساطة »‬ سلطان باشا،وتحقيق الإنجليز مع عرابي برأ فيه سلطان باشا تماما، وقد حدث في يوم 27 مايو 1882م في الاجتماع المشهور بـ »‬ ليلة أبي سلطان» أن دعا عرابي إلي خلع الخديوي، ورفض سلطان باشا، وأعلن أنه في جانب الخديوي، ودار حوار بينه وبين أحد الضباط، قال له سلطان باشا : إنكم بما تفعلون تعطون مصر بأيديكم للإنجليز .انظر جريدة الطائف 29/4/1882م وكتاب الثورة العرابية لصلاح عيسي ص464 ونفس هذه المزالق تنطبق علي تصوير الرواية لشخصية البارودي، التاريخ في الرواية ــ عموما ـــ باب المزالق.
البناء / الزمن / وقضية اللغة :
(حاليا : لا شيء يثير أعصابي إلا التقليد ) هذا التعبير قاله نجيب محفوظ قبيل وفاته، وقد حرص حسام المقدم علي الانفلات من التقليدية، فأبدع عملا روائيا محكما، علي كافة مستوياته، جاء نتاجا لخبرة سردية عميقة علي مستوي الإبداع والقراءة،فقدم عملا مبهرا علي المستوي البنائي، اعتمد علي وعي ذات البطل التي تتحرك للأزمنة جميعا،فكان طبيعيا ــ والحدث خيالي في رحلة الأيام السبعة ــ أن يكون الانتقال الزمني سلسا بديعا، خاصة وأن الانتقال للمستقبل جاء وكأنه وعد سيحدث، وليس انتقالا مباشرا، كقوله :  »‬ستكون هناك لمحات متناثرة » أو »‬ في عام 2013سيكون علي استعداد للمغامرة، وأنها ــ ذاته ــ في عام 2028ستهدأ»..أما اللغة التي هي المادة الخام الوحيدة التي يصنع بها الكاتب عمله، فهي أوضح الدلائل علي عبقرية كاتب القصة الذي انتقل إلي ميدانه الأرحب ــ الرواية ــ حاملا معه تكثيف ودقة وبلاغة القصة القصيرة، مع حكمة الروائي وبصيرته.