رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

قراءة في قصص مبدعي المنيا:

حضور السياسة واستحضار التاريخ القديم!


د. أحمد الصغير
9/9/2017 10:55:17 AM

مشهد 1
 وقفتُ علي محطة القطار بالجيزة منتظرا القطار الذي سيقلني إلي أسيوط، متوجها إلي مقر عملي بالواحات الخارجة، بمحافظة الوادي الجديد، وبينما أترقب وصول القطار، وجدتني أنظر إلي ملامح مبدع ينتظر مثلي القطار نفسه، وعندما تفرست  الحقيبة التي كان يحملها، قرأت عليها، مؤتمر أدباء مصر ـ أسوان 2015، اقتربت منه،  وتعارفنا، من خلال محبة الأدب، فكان هو الأستاذ المبدع علاء عبد الله، جلسنا سويا، نتحدث عن الأدب بعامة، حتي انتقل حديثنا عن القصة القصيرة، وبدأت أتلمس الملامح المخلصة للأستاذ علاء عبدالله فهو من أدباء مصر المخلصين لفنهم، فن القصة القصيرة، قرأت بعض القصص في القطار، وعندما تحدثت مع صديقي المبدع الدكتور عماد حسيب، فقد وجه إلي الدعوة الكريمة لمناقشة  مجموعة من الأعمال القصصية، لمبدعي  مركز مغاغة  بمحافظة المنيا، التي أنجبت وقدمت لمصر الكثير من المبدعين الكبار أمثال طه حسين، والشيخ مصطفي عبدالرازق وأخيه علي عبدالرازق وغيرهم .
مشهد 2
 تبدو القصة القصيرة في وقتنا الراهن من الفنون الأدبية التي تزاحمها فنون كثيرة أخري مثل ( الشعر، الرواية، المسرح، السينما ) صامدة مجددة نفسها من  خلال كتابها المخلصين الذين وجدوا أنفسهم في رحمها، فحاولوا التحليق في العالم الأرضي من خلال الاستمتاع بقراءتها واختبارها وتفجير قضاياهم الذاتية والجمعية عبر إدهاش سردي لافت، فقد ارتكنوا إلي تفجير قضايا الذات الإنسانية من ناحية وقضايا الآخر / المجتمع من ناحية أخري.
    نحن إذن أمام ثلاث مجموعات قصصية، سنحاول تقديم قراءة لكل مجموعة مع وجود رابط فني بينها، المجموعة الأولي جاءت بعنوان »تداعيات شوق»‬ للقاص علاء عبدالله .
جاءت هذه المجموعة القصصية في سبع عشرة قصة قصيرة، طرحت من خلال بنائها الفني  قضايا إنسانية متشابكة، هذه القضايا تنوعت ما بين قصايا اجتماعية وسياسية، وثقافية، .. .. وغيرها .
القراءة الأولي :
     تبدأ قراءة قصص علاء عبدالله من خلال زوايا متفاوتة فقد انتابني  إحساس قوي أنه يكتب القصة الشاعرة، التي تميل في روحها إلي روح القصيدة من خلال المشاهد القصيرة، والجمل التي تحمل دلالات ذات حمولات دلالية تكشف عن الكثير من أوجاع الذات وآلامها، ونلاحظ في قصة تداعيات شوق تلك الروح الصوفية المشبعة بالمحبة والشوق الذي لايكتمل، فتظل الذات باحثة عن ملاذها من أجل الوصول إلي الشوق أو البحث عن اكتمال الروح فيقول :
»‬ علي رَسل البدايات المتراكمة، أرتسم صورة من كل لون، زرقة صافية، صفرة ذهبية، حمرة متوردة, بياض بظلال خمري..خطوط تميل...تستميل..أرتمي في حضن مطلق..جذبة شوق..مقبلة في اتجاه..نظرة,همسة من كل حياة فمك ممتلئ،أغيب ...أمتزج...نمتزج..نتجاذب الحديث:»
اتكأ علاء عبدالله علي بنية الجملة السردية القصيرة، هذه الجملة التي تحمل صوت الذات الغنائي، وكأننا أمام نص شعري داخل قصة قصيرة، هذه الجمل القصيرة تكشف عن نزوع الذات إلي الحديث الداخلي لنفسها متخلية عن جموح العوالم الأرضية التي تلهث عن تحقيق مكاسب زائفة، فتنتصر الروح من خلالها تداعياتها المغلفة بالشوق علي مادية الحياة الرخيصة.
وتصبح الذات الساردة منعزلة عن هذا العالم مكتفية بترديد ألحانها الداخلية  في قوله : »‬المعرفة رأس مالي...العقل أصل ديني...الشوق مركبي...الحب مذهبي..العلم سلاحي...والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة.
تتواري التداعيات تتري...تنفلق هزهزات النور من جوف الليل حتي السكينة..أحتضن الفجر ..تبتسمين:
- تخلي عن هوامشك ... ماذا تقصدين؟!
- لا شئ.... »
 تدرك الذات أيضا في المشهد الفائت أهمية المعرفة والحب والعلم، والعقل، والشوق، هذه الرموز المعرفية الصوفية  تتعلق بروح الذات الداخلية، فهي التي تحركها من أجل البحث عن وجودها وماهيتها في هذا العالم الواسع الذي قام بتهميشها، ولم يعد يدرك كنهه وجودها وأثرها في الحياة ، بل تطلق الذات الساردة  صياحاتها في وجه نفسها أنه لن تتخلي عن الأيقونات / الرموز التي كانت تعيش من أجلها ...
ــ  التناص القرآني في قصص علاء عبدالله
لقد امتص الخطاب القصصي لدي علاء عبدالله الكثير من آيات ومعاني القرآن الكريم، فنلاحظ في قصة السر  امتصاصه للمعني القرآني في خلق الإنسان وتحولات هذا الخلق في رحم الأم  فيقول في قصة بعنوان ( السر ) :
»‬ سر، يقوم المكلّف به بنفخة واحدة بأمر من واهب الأسرار، ليتخلق نطفة فعلقة . تصير العلقة مضغة. تٌنبت العظام ، تٌكسي لحما، ويأخذ السر طعمه وشربه فيتجلّي متكورا منتظرا لحظة خروج.»
ويقول أيضا في قصة تداعيات شوق :
»‬ -كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟
- إني عبد الله  ...
سر،سرٌّك،منتهي الوجد والصبابة »
ويقول  أيضا في القصة نفسها : »‬ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه » .لاشك أن امتصاص النص القرآني في قصص علاء عبدالله لايخلو من دلالات متعددة مفادها أن الكاتب يحاول أن يحلق بكتابته من خلال القصة القصيرة عوالم النص المفتوح : الأثر المفتوح علي حد تعبير امبرتو إيكو، لأنه ينفح

نصه علي العوالم الكونية التي تشكلت من خلال النصوص المقدسة ،وأولاها القرآن الكريم، هذا من ناحية أما الأخري فهي محاولة الكاتب الارتحال من العالم الأرضي إلي العيش في الفراديس السماوية التي أعدها الله لعباده المخلصين من عباده الزهاد والنساك، والمتصوفة ..
القضايا السياسية في قصص علاء عبدالله:
  تتجلي القضايا السياسية بشكل كبير في قصص علاء عبدالله، لأنه من المبدعين المهمومين بقضايا أوطانهم، منشغلا  بتفجير قضايا تشغل العقل والفكر الإنساني بعامة، فنلاحظ في قصة بعنوان  (عبدالعظيم )، هذا النص القصصي المدهش الذي يمكن أن نطلق عليه نصا من نصوص السيرة الذاتية للغير، فقد حاول الكاتب أن يرصد من خلال هذه القصة مأساة أسرة فقيرة قد أخذت الشرطة بيتهم بحجة أن البيتَ أصْبَحَ ملكا للميري، يحاول الكاتب أن يطرح صورة الطبقات المجتمعية تبعا للوظائف التي يتقلدها أصحابها . وأظن أن هذه النظرة تغيرت كثيرا الآن .
تراتيل الرسوم الجدارية
والمجموعة الثانية  بعنوان  »‬تراتيل الرسوم الجدارية»  للقاص شريف مصطفي، جاءت هذه المجموعة في تسع عشرة قصة قصيرة، وهي (فصول من كتب الموتي ــ الشيخ منسي  الحقيبة ــ النافذة ــ الرقصة ــ إحساس قديم ــ الخروج من الدائرة ــ رجع الصدي ــ تراتيل  الرسوم الجدارية ــ شروق آخر ــ الطريق إلي النهر ــ بريد الانتظار ــ الحلم والموت ــ فنجان نسكافيه ــ الضباب ــ بقايا ــ دقات  علي الباب المغلق ــ علي هامش المدينة ــ لقاء )
قبل الولوج إلي عالم النصوص القصصية، ينبغي الوقوف علي العلامة الأولي في قراءة المجموعة، وهي علامة العنوان ( تراتيل الرسوم الجدارية) وهذا العنوان يحمل الكثير من المؤشرات التأويلية التي تشي بروح التاريخ الفرعوني القديم، فمفردة تراتيل تكتسب بعدها  الديني من خلال تراتيل الكهنة في معابد الفراعنة وطقوسهم ودياناتهم، والرسوم الجدارية جاءت لتوضح ماهية هذه التراتيل، كي تكشف عن الحياة الأخري التي تمثل الهوية المصرية القديمة، ومما يعزز كلامنا هنا عنوان القصة الأولي  فصول من كتاب الموتي، وهي تقنية فنية مهمة في بناء القصة لدي شريف مصطفي، وهي استدعاء صورة التاريخ الفرعوني من خلال كتاب الموتي، ولكننا نلاحظ أنه تخير هذه التقنية، للكشف عن بعد اجتماعي مهم، يرصد من خلاله تحولات المجتمع المصري بخاصة والعربي بعامة، فيقول في بداية القصة تحت عنوان جانبي : »‬تقرير»
أسفل تلك الرمال العظمي في تلك المدينة التي اكتشفت أسفلها وكانت تسمي قديما (القاهرة)   وكانت تقوم  علي ضفاف  ما سُمِّي بـ »‬ نهر النيل »  وجد كتاب الموتي  بجوار جسد متقنفذ في جبهته ثقب مستقر به جسم معدني مدبب، ويرجح أنه لجسد صاحب الكتاب، ولم نجد إلا بعضا من فصوله التي نوردها في التقرير التالي ».
تبدو هذه الإحالة الفنية / اللعبة السردية مرتبطة بالواقع المعيش الذي اتكأ عليه الكاتب، ليوهمنا أنه يتحدث عن التاريخ، فبقدر حديثه عن التاريخ فإنه يتحدث عن الواقع الميت الذي تحياه أبطال قصصه، فيقول في القصة نفسها تحت عنوان الفصل الثالث : »‬ مازال غبار الفسحة  عالقا بأنوفهم .. بقايا  الطعمية محشورة بين أسنانهم، ، دخل المدرس محتضنا حقيبته السوداء المكتظة . كتب فوق السبورة ( تاريخ ) تثاقلت  جفونهم .. شكشكتهم بلورات  الملح  المتبقية  من العرق علي أجسادهم  الناحلة، همهم قائلا، وعينه تتابع حرجة المدرس :
كم بقي من الوقت ؟
تحمل، بقي الكثير، تحرك المدرس بين الصفوف ، قائلا  احفظوا  التاريخ جيدا، حتي تنجحوا  وأتخلص من وجوهكم العكرة .
أصغي الجميع  انتظارا لصوت الجرس الذي سيأتيهم  بين اللحظة والأخري . »‬ .  تبدو صورة الواقع الميت الذي أراد الكاتب الوصول به من خلال السرد جلية لتمنحنا نسخة مكرورة بين الماضي الأليم والراهن الأكثر ألما أيضا، فقد حاول في هذه القصة فصول من  كتاب الموت أن يقدم لنا مشاهد قصصية مختلفة في المتن، لكنها تتفق أو تكاد في المعني المفارق للحكاية، هذا المعني طالما حاول الكاتب أن يمعن في سرده وتوضيح تفاصيله في مشاهدها المتعددة، وكأن القصة القصيرة قدرها أن تنشغل بتفاصيل إنسانية دقيقة، في حياة الإنسانية بعامة ونلاحظ  في مشهد سردي آخر  بعنوان (الفصل الثاني والخمسون):
خبر : ( خطاب سياسي هام )
صرخوا ( زعيم يا يعيش، يا عيش )
لملمهم  .. تبسم . حدق  في عيونهم .
إننا بلد الأزهر الشريف ، ولن نقبل  أن يمس إسلامنا  بشيء ، ولن يملي  علينا أحد مهما كان ما يجب  أن نفعله، ولا للإرهاب .
تصفيق  .. ينحني  .. يوزع  قبلاته ... يسيرون خلفه ..  
مال أحدهم  عليه هامسا :
وصل المبلغ  يا مولاي
انتفخ صدره .. هرول  أحدهم تجاهه قائلا :
تنتظرك يا مولاي .
تورمت فخذاه .. انظلق ناحيته ثالث :
الرئيس الأكبر  سيجري مكالمة معك  بعد نصف ساعة . »
  يرصد المشهد الفائت صورة الواقع السياسي في فترة ما من تاريخ مصر، حاول الكاتب أن يشير إلي صورة الفساد السياسي الذي كانت تمر به مصر، راصدا صورة المسؤول المرتشي / الفاسد الذي يبحث عن مصالحه الشخصية غير مبال بمصالح الوطن ومقدراته . ويبدو الخيط السياسي واضحا في قصص شريف مصطفي ففي نهاية القصة الأولي  يرصد من خلال مشهد درامي مفارق ما بين صراخ المذيع في التلفاز (مصر.. مصر) (مصر تعتلي عرش الكرة في العالم ) وفي ركن منزو كُتِبَ خبرٌ صغيرٌ (إعلان القدس عاصمة رسمية  لإسرائيل ) .
نلاحظ من خلال تداخل المشاهد القصصية السابقة صورة الواقع الأليم / الميت، الذي تحياه الأبطال القصصية من خلال الفراغ الإنساني الواسع الذي تعيشه المجتمعات العربية بعامة . هذه المقارقات المشهدية التي اتكأ عليها الكاتب تنبع من خلال انشغال الكاتب نفسه بقضايا مجتمعه، هذه القضايا التي تؤرقه ليلا ونهارا ، وفي المختتم يقول الكاتب : »‬ بجوار الجسد المتقنفذ، وجدت قصاصة  ورق، كتب قيها : »‬ (انسحبوا  من كلماتي .. انغرسوا في طيات النسيان، اقتلوني كما شئتم...........) .
وكما نلانحظ في قصة أخري بعنوان (الحقيبة ) انكسار الذات الإنسانية أثناء بحثها عن كيانها في وسط جموع بشرية لا تشعر بها أصلا، فيبدأ القصة بسرد غنائي لافت فيقول : »‬ ستحمل أنشودتك  وترحل ... ولكن حتما  ستعود..»
أشعر بالبرد  يقتحمني .. تتصاعد الأبخرة  متحررة  من كوب الشاي .. أحاول  أن أري  ملامح  الطريق  التي اختفت  في سترة الليل ... يحتويني  القطار  حاملني بعيدا  عن مدينتي .
هناك سوف تستطيع  أن تبني مستقبلك ،»
سلم الارتقاء لإيهاب همام
كتب إيهاب همام علي غلاف كتابه (مجموعة قصصية) ولابد لي أن أحتفظ بحقي في مناقشة هذا الطرح  الذي لا يتفق مع المطروح أساسا داخل المجموعة ؟؟ وإني أظن أنها ليست مجموعة قصصية بقدر ما هي مجموعة من النصوص التي اختلطت فيها الأنواع الأدبية جمعاء! ما بين القصة القصيرة جدا !! والإبيجراما ؟؟ والخواطر الشخصية والتنفيس الذاتي الذي يفتقد  الكثير من الأدوات الرئيسية التي تقوم عليها مفاهيم الكتابة أصلا , وليسامحني الأستاذ إيهاب همام بما هو عليه من مكانة ومحبة فله كل احترام لشخصه ومقامه، ولكننا في حضرة النقد الأدبي، لابد أن نتكاشف وأن نرصد الحقائق التي وقفت عليها داخل هذه الكتابة
تنوعت هذه الكتابة ما بين الخواطر أو الكتابة التي تدهس قواعد اللغة دهسا دون وضع اعتبار للقاريء الذي يمكن له أن يقرأ أو يتلقي هذه النصوص ، مثلا بدءا من العنوان (سلم الأرتقاء) وهو يكشف النص العنواني عن جهل بأبسط قواعد النحو .
ثم مقدمة حاول فيها الأستاذ إيهاب أن يقول شيئا مهما وهو الهدف من وراء الكتابة، وذكر أنه يريد التعبير عن هموم مجتمعه الذي يعيش فيه ومعبرا عن مشاكله وأحزانه . منتقدا الذين يزخرفون القصص ويزينونها !!! وأظني أنه وقع في مزلق خطير وهو أن لم يكلف نفسه كي يعرف العناصر البسيطة التي تقوم عليها القصة القصيرة أو الفنون بعامة.
فلم تخل قصة من خطأ بل لم تخل كلمة من خطأ إملائي أو لغوي أو صرفي، ناهيك عن ركاكة الأسلوب وعدم قدرة الكاتب علي التعبير علي نفسه تعبيرا سليما يصل إلي القاريء.




تعليقات القرّاء