رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

شال أحمر يحمل خطيئة:

صخب الحياة في أسطر قليلة


محمد سليم شوشة
9/9/2017 10:58:37 AM

في المجموعة القصصية (شال أحمر يحمل خطيئة) الصادرة عن دار روافد 2017 تفضل الكاتبة المصرية سعاد سليمان ألا تترك الميدان التي تجيد اللعب فيه، فتميل إلي ذلك النوع من القصص القصيرة صغيرة الحجم لتستثمر قدرتها علي التكثيف وتمكنها من الجملة السردية القادرة علي إنتاج دلالات تتسم بالتخلخل والتشعب والتوالد، فالدلالة عندها لا تأخذ شكلا نمطيا سطحيا بقدر ما تتسم بالتخلخل والقدرة علي إنتاج دلالة متفاعلة أو منفتحة علي تأويلات عديدة،علي نحو ما نري في هذا الاقتباس: (أنت لون الحنان يا أبي، ولكنك لم تنتبه، مهرتك الصفراء التي اصطفيتها لا تليق بك. ألم تدر أنها هجين شرس، تعشق الصهيل تحت الذئاب والثعالب والكلاب؟ توالي علي عرينك كثيرون، لم يشفع كرمك وودك ومحبتك، لم تكن تقل رجولة عن أنصاف يلهبون أشواق أمي للرغبة). المجموعة ص7. فهنا نحن بإزاء عدة سمات تصنع خصوصية هذا السرد وقيمته الجمالية والدلالة التي ينتجها، ابتداء من اللغة المجازية المراوغة التي تجعل الشخص نفسه يأخذ لون الحنان، وهي صورة جديدة من الناحية البيانية، ومن جهة التركيب النحوي أو ما يعرف بعلم المعاني فالشخص نفسه هو لون الحنان، وهو ما ينتج تطابقا تاما بين الشخص ومفهوم الحنان الذي يتحول لدي ابنته إلي لون ليكون أكثر ثقلا وحضورا من المعاني المجردة. وبتجاوز هذه السمات البلاغية إلي ضمير المتكلم الذي يفضله الخطاب السردي في هذه القصة حيث تستحضر الابنة الأب الغائب لتحدثه أو لتكتب إليه رسائلها الكاشفة، وتأتي قمة الغرابة من قيمة هذه الأسرار التي تكشفها الابنة فهي في الأساس تعري خطيئة أمها المدفونة عن انحياز تام ومعاداة كاملة وصريحة لهذه الأم. اللغة المجازية تكاد تكون مهيمنة وهي رافد مهم من روافد ثراء الدلالة في سرد هذه المجموعة، فتنزاح الأم عن صورتها إلي وليفة أسد تدخل لعرينه الذئاب والثعالب والكلاب. في إشارة إلي علاقات الأم المتعددة، ولكن في مستوي أعمق للدلالة فحتي يكون متاحا للابنة أن تصف هؤلاء الرجال مع والدتها فإننا نكون بإزاء ملاحظة ممتدة وبالتالي علاقة ممتدة لسنوات، فعدد الرجال الذين كانوا في فراش الأب يلهبونها  وفق لغة النص- عرفتهم الابنة عن قرب وصنفتهم بما يوحي بعلاقة ممتدة زمنيا لأعوام. في تصوري أنه من أعلي مراتب الأدب تلك اللغة التي تحتاج لتفكيك جمل قليلة في صفحات للبحث في معطياتها الدلالية ومن ثم الجمالية، لأن التكثيف في النهاية قيمة جمالية مهمة بما وراءها من اختزال لوقت القراءة وتحفيز علي إعمال العقل والمشاركة في كشف دلالات النص. يمثل صراع الابنة مع أمها مفارقة مركزية ينبني عليها السرد ويتوالد من مراحل هذا الصراع ويشكل مصدرا مهما للامتداد والاسترسال لكن الكاتبة تنحاز بشكل واضح إلي المساحة السردية المكثفة ضيقة الحدود اللغوية وتنفتح في الوقت ذاته علي حدود أخري خارج البنية اللغوية لتكون محفزة للقارئ علي إنتاج قصته الخاصة وربما روايته المرتكزة علي هذه القصة القصيرة وعلي علاماتها المركزية وبخاصة الدورق الأخضر الذي كان بديلا للأب في غيابه وربما يكون إشارة أو فنارا يجلب العشاق لهذه الأم في غياب الأب أو يعرفهم بوجوده فيبتعدون مؤقتا.وتمثل هذه القصة أكثر القصص طولا وتتأسس كلها علي هذا النسق التخاطبي إن جاز التعبير- أو الاستحضار للغائب الذي غابت عنه الأسرار برغم قربه من مصدرها أو بئرها متمثلا في جسد زوجته الخائنة الذي يبدو مستغلقا علي الرجل بينما تمثل الابنة مفتاحا لأسرار أمها.
لا تقدم هذه  المجموعة القصصية أنماطا اعتيادية من العلاقات الثابتة مثل علاقة الاندماج مع الأب أو استحضاره عن لهفة في كل الأحوال، بل تتعرض القيم والعلاقات التي تطرحها لنوع من الخلخلة والتبدل، فهذا الأب يتحول في قصة أخري إلي صورة مختلفة يقترن فيها حضوره بالعقاب وبالبلل الذي لا تعرف أهو بلل في فراشه أم دموع الفراشة التي كانت إياها وتكونها باستمرار.
وتمثل المفارقة روحا عامة تسري في سرد المجموعة فتمنحه التماسك النصي وتمنح النصوص طاقة حركية نابعة من التحولات فتكون أكثر دهشة وتشويقا. فيكون هناك نوع من التحول من الحال إلي نقيضها ومن الموقف إلي موقف مناقض مفاجئ أحيانا أو علي الأقل تكون المفارقة منتجة للتعارض والصراع الدرامي بين الشخصيات.
يشير خطاب المجموعة كتابيا عبر علاماته التنسيقية والبدء بواو العطف إلي علامات الاختزال والحذف التي توحي بالغائب من علامات النصوتحفز علي التفاعل بالتخيل وإقامة شراكة مع القارئ في إنتاج المشاهد المحذوفة ومحاولة العمل علي استكمال الناقص من ملامح الشخصية وفق النسق الحاضر من بنية النص وعبر مساراته الواضحة. وهذه السمات ترتبط بهذا النوع من السرد القصصي الذي يحضر الحذف فيه بكل قوة وفق نمط خاص في السيرورة، وحال من الشعرية السردية المرتكزة علي قدرة العلامات الحاضرة في النص علي الإيحاء وغالبيتها علامات لغوية لدي الكاتبة قدر كبير من الوعي بوظائفها وقدراتها الاختزالية، مثل واو العطف كما ذكرت وتغييب جملة الصلة بشكل تام، وغياب (لأن)التعليلية وجملة الشرط والتركيز علي الجملتين الفعلية والاسمية بشكلهما البسيط ودون امتداد التعلق عبر حروف الجر. ويمكن ملاحظة هذه السمات في هذا المثال. (.... وعين تتدفق رغبة وتشع بهجة، وأخري منكسرة لا تشي إلا بالفراغ، فكيف جمع بينهما ذو الوجه الوسيم علي هذه الكيفية من التناقض؟). فهذا السؤال في بداية القصة ينفتح علي الغائب من النص أو علي ما يمثل ذاكرة له يجتر منها علاماته، فيكشف عن صاحب الوجه الوسيم الذي يمثل شخصية رئيسية في القصة تحضر دون مقدمات علي نحو ما يحدث في السرد الأوسع فضاء كالرواية أو القصص القصيرة الأكثر اتساعا، ليتأكد أن فكرة التقديم أو التمهيد السردي غائبة تماما في هذا النوع من القصص التي تشبه كرة القدم الخماسية التي تعتمد فكرا مختلفا في كرة القدم عن النوع الآخر الرئيسي الذي يعتمد علي أحد عشر لاعبا وكذلك تتطلب مهارات خاصة تعتمد علي استغلال المساحات الضيقة والتمريرات القصيرة.ونراها تبدأ قصة أخري علي هذا النحو: (.... ورأيت مدينتي). لتحيل واو العطف علي المحذوف والعلامات الغائبة من النص التي تشير إليها النقاط أو الفراغ الذي تعبر عنه هذه النقط، بما يعني أن البداية بشكل مباشر وواضح جاءت من منتصف هذا العالم الذي ينقله السرد ومن عمقه أو من اللحظة الأكثر ثقلا ووطأة.
يغلب علي هذا النوع من القصص القصيرة غياب اسم الشخصية بحيث تبدو مجردة وعامة قابلة للتطابق مع الإنساني المطلق وتنفتح عليه، فهي محض شخصية دون تسمية أو تحديدات تضيّقها، بينما لدي سعاد سليمان ليس الأمر علي هذا النحو فهي تدخل النوع من منطلق قدراتها الخاصة في السرد دون أطر نوعية مسبقة، ومن ثم تكون لها ممارستها السردية الخاصة بها داخل هذا النوع، فكثير من الشخصيات لها أسماؤها التي تحمل دلالات إضافية نابعة من الاسم إلي جانب أن الاسم يمنحها نبضا وحيوية ويتجاوز بها الإطلاق وكونها مجرد رمز أو (س) و(ص) من البشر إلي عالم مكتمل ونابض وحقيقي يتفاعل معه المتلقي بدرجة أكبر. لذا نجد عددا كبيرا من الأسماء مثل ياسمين وناصر وغيرهما، بينما تحضر شخصيات تاريخية مثل رمسيس الثاني وأحمس والإسكندر الأكبر ومحمد علي، والحقيقة فأنا أختلف مع هذه تحديدا فالإسكندر ليس مصريا وربما لا يختلف عنه كثير محمد علي حتي وإن كان من أول الحكام غير المصريين الذين يرتكزون بدرجة ما علي الإنسان المصري في تأسيس دولتهم، وإن لم يختلف نظامه في تبعيته للدولة العثمانية المحتلة وما طبقته علي المصريين من الجباية والسخرة وتقسيم الأراضي علي رجالهم من دون المصريين في إقطاعيات لم تتخلخل إلا بخطة عبد الناصر بعد 23 يوليو 52. فإذا كانت الكاتبة تستحضر حاكمين استعماريين أو غير مصريين لمباركة حركة مصرية تراها ضد الظلم فهي في ذاتها مفارقة تستحق التأمل، ولكن هي في النهاية في إطار المضمون أو القيم الدلالية المطروحة من النص ويمكن الاختلاف حولها بعيدا عن الشكل الفني والقدرات السردية وخصوصية الصوت وإمكاناته الفنية. وإن كانت قد أحست بهذه المفارقة بالتحديد مع محمد علي الذي جعلته مشتتا بين تشجيع الثائرين أو تقريعهم والتعامل معهم بوصفهم فلاحين في دائرته السنية، ففي المجمل فإنا حضوره في القصة علي هذا النحو يبدو غريبا وفخا دفع للسقوط فيه هذه الفكرة من الحيرة بين التشجيع والتقريع التي كانت خاصة بمحمد علي تحديدا، بينما كان التاريخ منفتحا أمام النص علي شخصيات تاريخية أخري معروفة بالوطنية مثل سعد زغلول ومحمد فريد والنحاس وعبد الناصر،اكتفت من بينهم باستحضار عبد الناصر ليمثل خاتمة للنص وتأكيدا علي موافقة نهائية أو مباركة أخيرة لخطوات الغاضبين لأجل العدالة والحرية بوصفه رمزا لهما.
تطوف المجموعة مع عدد كبير من القضايا والأسئلة القديمة الجديدة مثل الحب والحرب والثورة والتحولات التي عاشتها مصر علي مدار العقود الأخيرة، بينما تبدو حركتها هذه مع هذه المسائل والقضايا مرتكزة علي الإنسان الذي هو المحور الثابت والقاعدة التي لا تتغير، وربما يكون للمرأة حضور خاص وهذا أمر طبيعي مع صوت سردي نسوي لا يخفي انحيازه للمرأة وإن كان في الأساس يؤثر الحقيقة علي هذا الانحياز، ليكون انحيازا مشروطا بقدر ما تملك المرأة من البراءة والعطاء وغيرها من القيم الإيجابية والمثالية التي تغلف بها أبطالها أو بالأحري أرواحهم.