رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

سفّاح كازابلانكا

هوامش ثقافية


د.محمد الشحات
9/16/2017 11:44:07 AM

يبدو عنوان رواية "سفّاح كازابلانكا" للكاتب المغربي عبد الإله الحمدوشي مثيرًا؛ إذ هو أقرب إلي عناوين روايات الجريمة والروايات البوليسية التي تقوم علي الحبكة المدهشة والأحداث المثيرة المتلاحقة. وإذا كانت الكلمة الأولي من العنوان (سفّاح) تحيل إلي هذه الدلالات الخاصة بعالم القتل ومجتمعات الجريمة، فإن الكلمة الثانية (كازابلانكا) تحيل إلي الفضاء المغربي الذي تتحرك فيه الأحداث، حيث تدور في مدينة الدار البيضاء/ كازابلانكا؛ فتستقي مادتها من واقعة أو حادثة حقيقية وقعت عام 2003.
تتكون الرواية، الصادرة عن دار التوحيدي، من تسعة مشاهد سردية متصلة، تتصاعد شيئا فشيئا بالأحداث المتوترة التي تبئّر علي جرائم القتل والعنف التي انتشرت في فضاء كازابلانكا، دون قدرة علي التقاط أدني خيط صغير يسّهل علي المحقّقين مهمّة التعرف علي هوية القاتل أو مرتكب مثل هذه الجرائم. في هذا الفضاء الكابوسي، المتخم بالإثارة والتشويق والرعب، تهزّ مدينة الدار البيضاء مجموعة من الجرائم البشعة المتتالية، حيث الجثث كلها مقطّعة، وممثّلها حدّ التشويه الذي يُخفي هوية الضحايا، ويُعمّي علي طريقة تحرّي الشرطة، فيطمس كل ما يمكن أن يدلّ علي هوية القاتل والمقتول.هنالك، ينتشر الرعب وتكثر الإشاعات عن قاتل محترف يتتبع ضحاياه بالتسلسل، واحدًا وراء الآخر، حتي ينال منهم بغيته، ثم  يتجول حرًّا في شوارع المدينة.
الثيمة إذن هي ثيمة البحث عن قاتل محترف، يجيد فنّ الإيقاع بضحاياه، بالطريقة ذاتها التي يجيد بها لعبة التخفّي والتعمّية عن أعين المحقّقين من رجال الشرطة. والبنية السردية للرواية بنية زمانية خطية ممتدة للأمام، غير معقّدة، لا تحتوي علي أية استرجاعات أواستباقات زمنية، بل مجرد مشاهد سردية ووصفية متتالية، في حبكة بسيطة للغاية. حتي إن شخصيات الرواية رغم تعدّدها (عميد الشرطة الملقّب بالحنش، زوجته خديجة، ابنته منال وابنه طارق، والضابط حمودة،...) هي في نهاية المطاف شخصيات يغلب عليها -من وجهة نظري علي الأقل- درجة من درجات التسطيح وعدم التعمّق بالقدر الكافي؛ إذ لا أبعاد نفسية أو اجتماعية كافية لها.
ليست هذه هي الرواية الأولي للكاتب عبد الإله الحمدوشي، فقد سبق له نشر عدد من الأعمال الروائية؛ منها "الحالم"، "بيت الريح"، "الحوت الأعمي"، "الذبابة البيضاء"، و..غيرها. وعلي الرغم من كونه قد مارس حرفة الرواية في أكثر من عمل سردي سابق، فإن ثمة إشكالا فنيا تمثّل في قيام الرواية كلها علي الأسلوب التقريري، الإخباري، الذي نهض به الراوي وحده علي مدار العملية السردية كلها، وجاءت أغلب الشخصيات سلبية، مسطّحة بدرجة ما، تفتقر إلي العمق الفني المؤثّث علي أبعاد سيكولوجية وسوسيولوجية وأيديولوجية.
لقد سعت الرواية إلي تمثيل عالم سردي قائم علي حبكة بوليسية تكشف عنها استراتيجيات السرد شيئا فشيئا. وعلي الرغم من كون الراوي بضمير المتكلم متطابقا مع شخصية الحنش في أغلب الأوقات، فإنه يسعي إلي استعراض باقي الشخصيات كلما سنحت له الفرصة، لكنَّ اهتمامه الأكبر كان منصبّا علي شخصيته الرئيسية. وهنا تتفجّر الرؤية التي تنطوي عليها الرواية في بنيتها العميقة، ممثّلة في ملاحقة الجريمة، والبحث عن قيمة "الحقيقة" في مجتمع تسيطر عليه قيم الفساد والقتل والتصفية الجسدية وتفكّك الأواصر الاجتماعية.
ثمة مستويات جمالية عدة للغة السردية المستخدمة في هذه الرواية، فالكاتب يمتلك بالفعل لغة جميلة، تتسم بقصر الجمل، ووضوح الفكرة، والبعد عن المجازات الزائدة، لكنّ إشكالية الرواية تكمن في استعلاء انفراد الراوي بوجهة النظر الكبري في العملية السردية، وقد كان بإمكانه خلق رواية بوليفونية رائعة تتسق مع رواية ذات حبكة بوليسية، لكنه لم يستثمر ذلك كثيرا؛ فلم يستطع أن يتمثّل وجهات نظر الشخصيات لغويا واجتماعيا بالقدر الكافي. لذا، فقد جاءت خاتمة الرواية متواضعة إلي حد ما، ولم تكن مثيرة لدهشة القارئ المتعطّش للإثارة في فضاء رواية بوليسية الحبكة، خصوصًا بعد التحاق ذلك الفتي القاتل (حارس العمارة) بجماعات داعش الإرهابية، وتسجيل بعض الفيديوهات علي "اليوتيوب"، بعد أن نَفَد بجريمته حرًّا طليقًا لم تبلغه يد العدالة.