رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

نصف حالة: جماليات السرد الفانتازي


د. محمود فرغلي
9/16/2017 11:47:46 AM

تتبدي مهارة القاصة الشابة إبتهال الشايب القصصية في قدرتها الفائقة في تفعيل كل عناصر السرد ووضعها في إطار واحد يتحرك في إطار تصاعدي للوصول إلي النهاية المحتومة، إن اللغة والفضاء ومحتوياته والشخصيات بدخائلها وما يصدر عنها من أفعال كفيل أن يؤكد علي هارمونية عجيبة تتضافر فيه المكونات في نسق فني متماسك.
 في القصة الرائعة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية ( نصف حالة) الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية2015؛ تخترق الكاتبة بشجاعة وبصيرة عجيبة منطقة وسطي بين الأنوثة والرجولة، وتعالج بأدوات فنية ولغوية إشكالية شخصية تقف في البين بين من خلال حادث اغتصاب لطفولته، تركت أثرها في نفسه وعقله وشخصيته، ولأن الشخصية تمثل نصف حالة، بدلالة النصف علي عدم الاكتمال، فإذا كانت الكينونة حالة شبه مكتملة في إطار كل جنس، تتحقق في إطار اجتماعي وبيولوجي؛ إذا كان ذلك كذلك فإن نصف الحالة هي كينونة متشظية أو مهترئة لا يتحقق لها الاكتمال، إن أفعال الشخصية وجنوحها الجنسي نحو النوع الآخر لا يحتاج إلي تبرير، إذ كل ما يصدر عنها من أفعال يحمل منطقه الخاص المبرر في ذاته، ونلاحظ علي قصة الشايب وغيرها من قصص المجموعة أن فاعلية الداخل أكثر من فاعلية الخارج، الداخل بكل مكوناته العضوية والنفسية والعقلية هو الأكثر أهمية، ولأنه داخلي باطني فهو أكثر عمقا من الفعل الظاهري لأنه مفسر بذاته أو لأنه يفسر الفعل الخارجي الذي يحتاج إلي تبرير، ولو عدنا إلي نصف الحالة، نلاحظ أن الفعل الخارجي الأساسي يتمثل في فعلين أساسيين، أحدهما تابع للآخر ومعلل له، أما الأول زمنيا والمؤخر إلي النهاية في الخطاب السردي فهو حادث الاغتصاب الذي تعرض له في طفولته، هذا الحادث المركزي هو آخر ما جاء في القصة
» الآن يسترجع مافقده علي أيدي أحد الرجال حين كان صغيرًا»‬ .
  هذا الحدث المفصلي في حياة الشخصية، هو الفاعل الأساسي الذي تترتب عليه كل تحولات الشخصيات وتشظيها بين الحالتين، أما الحدث التفعالي الثاني فيرتبط بما يمتهنه هو الحلاقة، فهو إذا يقف ليحلق رؤوس ولحي الزبائن من الرجال، إنما يسقط عملية الحلاقة علي الرجولة ذاتها، فالحلق هنا شبيه بعملية الإخصاء، والاغتصاب في معناه الحقيقي إخصاء لرجولة في طور النماء، وأدوات الحلاقة هي أدوات الاخصاء التي »‬ تكون بقعا ساخنة في نفسه»، ولحظة الحلاقة وتكوم خيط طويل من الشعر علي موسي الحلاقة، هي المرايا التي تتمظهر من خلالها عملية إخصاء/ حلق رجولته، لكنها في الوقت ذاته المحرك لتخلق الحالة الأخري غير المكتملة ومن ثم تهب عليها في تلك اللحظة بالذات قشعريرة ومتعة غامضة، مرتبطة بنعومة أنثوية يقابلها نعومة ذقن الزبائن. وهنا يظهر الفعل الخارجي ذا دلالة عميقة في باطنه الداخلي، إذ يمثل الشعر المكدس من الحلاقة عملية استثارة، ولحظة التأهب للحلاقة هي لحظة مفصلية في تخلق حالة الصراع بين الأنوثة والذكورة، ولأن الزبون هو مقابل للمغتصب ذو رجولة مكتملة، حيث كثافة شعر ساعديه تحرك لديه الرغبة، وتحرك أنوثته.ومن ثم يتحول الشعر إلي فستان، أي تحول تام من الرجولة المغتصبة إلي أنوثة تبحث عن تمامها من خلال البحث عن بنطال حقيقي.
إذا انتقلنا إلي الباطن الداخلي نجد أن ثمة بنطللين في عقل الشخصية، أحدهما كبير، والآخر في منطقة مقابلة صغير، ولا يرمز البنطالين لحادث الاغتصاب من قبل البنطال الكبير / الرجل للبنطال الصغير/ الشخصية في طفولتها فحسب، وإنما تكمن فاعليتهمافي تحويلهما من تهاويم طفولية أو رسوم طفولية قد يلجأ إليها الطفل المغتصب للتعبير عما حدث لها وظل ساكنا في أعماقه بصورة تصعب علي الانمحاء، ومن ثم يظل الصراع بين البنطالين دائرًا في كل نقط التماس بين الحالتين غير المتحققتين، ومن خلال تشخيص حادث الاغتصاب بين بنطالين يمثلان شخصين، تتبدي فاعلية الباطن الذي هو مرآة الظاهر، فيجري البنطال الكبير في عقله وراء البنطال الصغير، نحن إذن أمام مستويين متصلين منفصلين، يجسدان طبيعة الشخصية المتحللة ووجوديا وتؤكدان علي تفسخها وسقوط كينونتها. ولا تمر عملية المضاجعة الرمزية مرور الكرام إذا علمنا أن الرغبة ونوعها لها دورها الأساسي في تحديد الهوية، وليست مجرد أفعال جسدية أو نفسية وفقا لما ذهب إليه فوكو».
 وقد برعت الكاتبة في تفعيل كل أدواتها الفنية من أجل الكشف عن معاناة الشخصية، ومن ثم جاءت العبارة دالة سواء أكانت سردية خالصة أو مجازية، فالكل يشتغل في اتجاه واحد نحو كشف طبيعة الشخصية ومعاناتها، فلا يصدر عنها فعل غير دال كما لا تصدر عن الراوي عبارة غير مبررة فنية، حتي التعبير المجازي يؤكد علي طبيعة الشخصية وانفصامها، فمثلا تستوقفنا العبارتان التاليتان في مطلع كل فاصل سردي لنستمع إلي مطلع القصة حيث يقول:
في ظل هذا كله يقف في أحد جوانب عقله
إن البدء بهذه العبارة يمنح القصة ديمومة إذ يؤشر لما خارج القص، وتتحول القصة إلي فعلي استرجاعي أو جزء مسترجع تسبقه أحداث كثر، وهو ما يرتبط بطبيعة القصة في تمحورها حول فترة زمنية قصية من حياة الشخصية لها امتدادها المخلقة لها والسابقة عليها. وفي العبارتين التاليتين
يراه نور الصباح
الصباح من جديد يقف في المساء
نلاحظ أنهما ليستا مجرد وصف لمشهد وإنما تكتنز كل عبارة بدلالات عميقة تؤكد علي طبيعة الشخصية الخائفة المتلصصة التي تخشي أن يراها آخر يفضحها، وفي العبارة الأخري نجدها

تحمل كل علامات التململ فهي صوت الراوي والشخصية في الوقت نفسه.
 وعلي نفس المستوي من الفاعلية يتشكل الفضاء داخليا في عقله والصراع بين البنطالين، وخارجيا في عدة أقضية في محل الحلاقة وفي حجرته التي يمارس فيها أنوثته.التي ربما كان فعل المضاجعة التي يمارسها البنطال والتي تكررت مرتين في القصة هي مجرد فعل انتقامي من الذكورة التي اغتصبته، فجاء تحوله فعل انتقامي تلمع من خلاله أنوثته وتظهر واضحة في جلاء. ورغم أن هذا الفعل يتم علي مستوي الباطن، إلا إنه ومن خلال جهاز ترميز محكم يمثل خيطا أساسيا من خيوط الشخصية التي رغم انفصامها، تبحث عن كينونة أخري غير كينونتها ولو كانت مضادة لها،في رحلة البحث عن الهوية المكتملة.
 في قصة (جزيء) تقف الكاتبة أيضا بين حالتين اليقظة والنوم، الموت والحياة، ومن خلال تجربة المرض، حيث يمسك البطل بالمسدس ليوجهه إلي عقله، ثم عينيه ثم صدره ثم أطرافه، ومن خلال تكرار التصويب، يتوسع السرد في وصف حالات شتي تعتور الشخصية في تجربة مرضها، وما يحيطها من يأس يدفعها إلي الانتحار، وكل تصويبة تعني نهاية علاقة لها بالحياة، ربما معا الأبوين أو الخطيب أو العمل، ومن ثم تأتي النهاية بالتصويب علي الفم، لاسكات الصوت، صوت الراوي/ البطل فلا يبق له جزيء واحد ينعم بالحياة. إنها ليست قصة بالمعني التقليدي، وإنما هي قصة حالة يختلط فيها الوصف بالسرد باستبطان النفس، بالنوم باليقظة، في دلالة واضحة علي براعة الكاتبة في إضفاء غلالة شفافة من الغموض لا علي مستوي العبارة أو السرد وإنما هو غموض الشخصية في لحظة من لحظات حياتها الفاصلة.
الفضاء الافتراضي
 وتتميز فضاءات المجموعة القصصية بالغرابة والجدة في الوقت ذاته، فجاءت فضاءات المجموعة الواقعي منها والمتخيل فاعلا ومؤثرا في الشخصيات، علي نحو ما رأينا في قصة نصف حالة، وهو ما ظهر جليا في جل قصص المجموعة، ففي قصة صدأ ثمة فضاء فنتازي يتمثل في الهاتف الذي يتقوقع داخله الإنسان، ويحدث تماهي بينه وبين الهاتف، هذا التماهي الذي ينعي علي الإنسان سقوطه في عالم افتراضي تملؤه رائحة الصرف، وكأن الشبكة العنكبوتية تقابلها في الواقع شبكة صرف صحي، ومن أجل مزيد من الغرائبية تتحول فوهة المرحاض التي سقط بها الهاتف، تتحول إلي وحش يطاردهما، ولم يتوقف الأمر عند هذا بل من أجل مزيد من التأكيد علي التشيؤ يدخل الإنسان إلي فضاء أضيق هو الشريحة إن الكاتبة لديها قدرة رائعة علي أنسنة الأشياء وتشخيصها، وميكنة الإنسان ونزع إنسانيته في فضاء افتراضي في جو غرائبي مثير للدهشة، فلم تكتف الكاتبة بالتعبير عن التماهي بين الإنسان المغترب والآلة ممثلة في الهاتف المحمول الذي يصل لدرجة أن يسكن الإنسان هاتفه. وقد جاء التشكيل السردي ليؤكد اغتراب الإنسان في آلته أو مع آلته فجاءت العناوين الفرعية في إطار الإضافة والحذف، وهي كالتالي( واحد آخر، 1صحيح، +1،-1) بصورة تجعله أقرب للنص المتشعب أو النص المترابط،وهو تعبير ارتبط اسمه بالشبكة العنكبوتية،حيث أنه عبارة عن نظام تتوزع من خلاله الوثائق؛علي عدة مواقع عبر الانترنت،ثم يجري الربط بينها، والتنقل بشكل مباشر. وعلي هذا الأساس فإن عبارة ما؛  في  وثيقة؛أو صفحة؛أمام  القارئ  المتصفح  تصبح أداة للربط؛مع وثيقة أخري، وما كان حضور أكثر من صوت سوي تشعب لقصة واحدة وشخصية واحدة بروي مختلفة، في خطوات متتابعة تساير لحظات سقوط الهاتف في المرحاض التي هي ذاتها سقوط الإنسان وحياته بالكامل فيه، ولذلك قام السرد علي صوتين، المتكلم والغائب، ليقف الإنسان في عالمه المتخيل بين الحضور والغياب، ونحن لا نعمل المخاطبين الذين يتوجه إليهم البطل بضمير أنتم، وإن كنا نرجح أنه العالم بأسره ممن وقع في أسر فضاء افتراضي يزكم الأنوف.
 وبالمثل نري فضاءات مغايرة ذات بعد متداخل لا تري تنظر إليها من جهة واحدة، بل إنها مكتنزة بلعبة الاحتمالات التي تجيدها الكاتبة، ففي قصة قوس، تقف البطلة في الخط الأزرق الذي تتماس فيها السماء مع البحر، ويقف البطل في حالة صراع بين نقطتين، يمثلان عالمين يتصارعان، وفي قصة انكماش نجد الفضاء دخل جسم مريض يهذي وقد دخله فيروس يقوم بالسرد، في إطار السرد الفانتازي نقبل ما لا نقبله في السرد الواقعي، ولأن المجموعة مهتمة بإشكاليات إنسانية ووجودية متعالية عن الواقع، لذا نجدها خلت تماما من الأسماء، إضافة لخلوها من الفضاءات الواقعية عموما، إذ لا نجد أعلاما علي شخصيات أو أمكنة، وإنما نجد ضمائر تؤشر لحالات إنسانية شتي وأمكنة ذات طابع عمومي خاص داخل الإنسان أو خارجه، حيث كل الأشياء قابلة للتحول، وكل الموجودات قادرة علي التعبير والكلام، فيما نجد الإنسان وحده الذي يعاني الغربة والضياع ويحاول التأقلم تارة والمواجهة تارة أخري، وفي السرد الفانتازي فضاءات غرائبية وبطولة لشخصيات أخري تسيطر علي الإنسان وتوجهه، والإنسان وإن كان في الخلفية فإنه المعني وهو المقصود في كل حال.
 وفي السرد الفانتازي تتحرك المتخيلة نحو الاتساع والبعد الواقع بمختلف الصور فاليد اليمني شخص لها وجود وله أفراد أسرته، في قصة الأخري، لكن سرعان ما تعتل ليحدث الانقلاب إذا تقوم اليد اليسري الممثلة للوضع المضاد لتفعل عكس ما كانت تقوم به اليمني ليكون الصراع بين الأعضاء واليد اليسري ينتهي بانتقام اليد السري وضربه للجسد بالسكين، ليتجاوز المتخيل السردي الطبيعة العضوية لليدين، المستعمل والمهم، ليتحول إلي صراع بين الآنا والآخر، مما يفتح نوافذ التأويل علي مصراعيها.
 وفي السرد الفانتازي تمارس الكاتبة إلي جوار القلب المكاني واستبدال الأشياء وخروجها عما وضعت له؛ قلبا سرديا من خلال عمليات الاسترجاع والاستباق، وقد تجلي ذلك في قصة
( خيط)حيث يؤشر ترتيب القصة(6،5،4،3،2،1) إلي القلب الزمني المقصود من الكاتبة لتكون مجبرا علي قراءة القصة من نهايتها» والقصة تروي علي لسان نقطة فوق سطر فارغ، أو الفراغ، والعجز، يتحول إلي إنسان يتلقي عدة أوامر متتابعة، تبدأ من الخلف إلي الأمام:
6- لتبدأ...
5- لتشعر وكأنك داخل صفحة قمامة
4- لتشعر بالغربة
3- لتشعر بالانهيار
2- لتشعر أنك ميت
لا تمت...
لنقف أمام جدلية الصمت والكلام والحضور والغياب، حيث إن القصة تبدأ علي مستوي الحي بالغياب التام للسطر الفارغ حيث يتشكل صلصالا في يدها، وموقف الشخصية المتوارية والحاكمة في الوقت نفسه، أنها ترجو منه البقاء دون جدوي، ليتحول إلي نقطة في سطر فارغ، إن الأمر قد يتعلق بشخصية أو حدث أو أي أمر آخر في فعل الكتابة ذاته والبحث عن التخلق في إطار تجربة فنية ما. وتتابع الحالات والأوامر التي تكشف عن طبيعة الشخصية في مقابل طبيعة فعل الكتابة، هذا التضاد بين الكاتب والكتابة يقابله تضاد في السرد بين القصة والحكاية، فبداية الكتابة هي نهاية القصة، والعكس، وحضور الخطاب مع غياب القصة، والأول يكون آخر والعكس، في جدلية فنية وتشكيل سردي لافت.
 ونجد الجدلية ذاتها في قصة علامة استفهام، ومن خلال إطار سردي يقوم علي التضاد وثنائية الحضور الغياب، نجد أن سؤال المستقبل هو الطرح المركزي في القصة، ومن خلال تقسيم القصة إلي عدة فقرات تحمل كل فقرة عدد من الأسئلة وهي في حالة تزايد ووقت الإجابة في حالة تناقص بصورة تجعلها علي طرفي نقيض:
الزمن.