رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

البلاغة والأيديولوجيا

هوامش ثقافية


د.محمد الشحات
9/24/2017 1:30:11 PM

تشتغل دراسة الباحث المغربي مصطفي الغرافي »البلاغة والأيديولوجيا: دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة»‬ علي ملء مساحة شاغرة انصرف عنها الدارسون العرب المعاصرون، وهي مقاربة تراثنا العربي النثري من منظور البلاغة الجديدة بصفة عامة، ومقاربة أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة الدينوري (213- 276ه/ 828- 889م) دراسةً بلاغيةً حسب مستجدّات نظريات البلاغة وتحليل الخطاب، بصفة خاصة. ولمّا كانت الأنواع النثرية، في تراثنا العربي، مرتبطة بالسياق الثقافي والعَقَدي الذي انبثقت منه، فقد اتجه كتاب مصطفي الغرافي إلي مقاربة نصوص ابن قتيبة، في علاقتها باستراتيجيات البلاغة النثرية المتصلة بعقيدته السنّية التي مثَّلت مضمرًا حجاجيًا وموجِّهًا إيديولوجيًا أذعنت له هذه البلاغة التي هيمن عليها المنحي الحِجاجي الوظيفي.
لقد خلص عدد كبير من الدراسات العربية المعاصرة إلي أهمية الدور الذي كان للعقيدة في نشأة كثير من مباحث البلاغة العربية. من بين هذه الدراسات، نذكر علي سبيل المثال، لا الحصر: »‬تأثير الفكر الديني في البلاغة العربية» لمهدي صالح السامرائي، »‬الاتجاه العقلي في التفسير» لنصر حامد أبو زيد، »‬الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي» لجابر عصفور، »‬المنحي الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآنب لأحمد أبو زيد، »‬علم الكلام والنظرية البلاغية عند العربب لمحمد النويري. لكنّ هذه الدراسات قد حصرت اشتغالها في رصد الظواهر البلاغية المتعدّدة (كالمجازات والتشبيهات والاستعارات والكثير من الصيغ البلاغية)، من أجل تحديد صلتها بقضايا العقيدة. أما الدراسة الحالية التي بين أيدينا فقد انصبّ اهتمامها علي تتبّع أثر العقيدة في تشكيل بلاغة ابن قتيبة النثرية، حيث افترض الباحث أن الفكر السُّنّي الذي صدر عنه المؤلف يمثّل معيارًا موجهًا امتثلت له بلاغة أنواع الخطاب التي جسّدتها نصوص نثرية مختلفة ومتغايرة من حيث الأشكال والأنواع والصيغ والأنماط.
من هنا، فقد سعي الباحث إلي الكشف عن مظاهر انسراب المواقف الفكرية والآراء المذهبية (الأيديولوجيا) في طبقات الرسالة البلاغية التي توخّي ابن قتيبة توصيلها إلي مخاطبيه من خلال نصوصه النثرية. ولما كانت أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة منطوية علي قصدية بعينها وساعية إلي غاية مقصودة، فإن تحليلها من منظور بلاغي جديد يغدو أمرًا مطلوبًا، ويمتلك الكثير من أسباب المشروعية. يصدر الباحث مصطفي الغرافي في كتابه عن وعي منهجي واضح ينعكس في طريقة تناوله لدراسته عبر مفاصلها المتعددة، دون فذلكة أو استعراض معلوماتي. وهو إذ يفعل ذلك يخلص لتوجّهه العلمي الذي ينبثق من دائرة البلاغة وتحليل الخطاب، وهي دائرة منهجية سار فيها عدد من الباحثين العرب المعاصرين، من أمثال محمد مشبال (من المغرب) وعماد عبد اللطيف (من مصر)، ..وغيرهم، وإن كان الحضور »‬المغاربي» أقوي في هذا التيار لاتصاله المباشر بالمرجعية الفرنسية للسانيات الحديثة والبلاغة الجديدة ونظريات تحليل الخطاب وعلم النص.
أقام الباحث فرضيته المنهجية علي عدد من الأسئلة الملحّة؛ أولها: كيف تتقاطع المقومات الحجاجية الإقناعية وإمكانات التعبير الأسلوبي في إنشاء بلاغة نثرية تتجادل فيها الوظيفة التعبيرية والمقصدية التأثيرية؟ ثانيها: انطلاقا من كون تراث ابن قتيبة النثري صادرًا عن الفكر السنّي، أو عن تصورات جماعية مذهبية بعينها هي أهل السنة، فما أصول وضوابط هذه البلاغة؟ ثالثها: كيف تميزت عن أصناف البلاغات التي ارتبطت في تراثنا بخلفيات إيديولوجية ومذهبية (كالبلاغة الاعتزالية والبلاغة الشيعية والبلاغة الأشعرية)؟ رابعها: كيف تفرض الإيديولوجيا سطوتها علي بلاغة الأنواع النثرية فتوجّهها إلي خدمة المقاصد الفكرية والعقدية؟ خامسها: كيف تذعن البلاغة لمقتضيات العقيدة؟ وما مظاهر هذا الإذعان؟
انطلاقا من خصوصية زاوية الرؤية التي يري منها الباحث متون التراث النثري العربي من منظار البلاغة الجديدة، وفي ضوء اهتمام الدراسة بتحليل وفحص ووصف أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة، فقد استعان الباحث بطرائق المنهجية التحليلية التي توفرها له البلاغة العربية، واضعا إياها في سياق أرحب يسعي إلي الكشف عن بلاغة الأنواع النثرية، بوصفها أنساقًا بلاغية فرعية تندرج ضمن نسق بلاغي كلّي تجسده البلاغة العامة التي هي نتاج نظريات تحليل الخطاب أو ما يعرف باسم االبلاغة الجديدةب. من هنا، تكمن أهمية دراسة »‬بلاغة النص النثري» عند ابن قتيبة في ذلك الطموح الذي يحلّق بها نحو بناء بلاغة عامة تنشغل بوصف وتفسير الخصائص الجمالية والإقناعية في النصوص النثرية.
الكتاب صادر عن دار كنوز المعرفة.